النظم التي تتغاضى عن دروس التاريخ وتقذف بها في عرض الشارع مكتوب عليها أن يلفظها نفس العملاق. عندما قرر عبد الفتاح السيسي، بمساعدة دائرة مقربة متعنتة أمنيًّا، أن يتفادى القانون الدولي والمنطق السياسي من خلال مداهمة دموية لمعسكر رابعة العدوية بالقاهرة منذ عامين، ارتكب (مثل) هذا الخطأ. وبعد سنتين ما زال المصريون يدفعون الثمن، رغم أن نسبة كبيرة منهم لا تعي ما تدفع. ما هو بمثابة القبضة الخانقة أن رابعة رغم أنها كانت المذبحة الأكثر دموية في التاريخ المصري المعاصر وأدت إلى مقتل ما يقرب من ١٠٠٠ مصري، ولكن توابعها لا تزال العامل المؤثر في المرحلة الراهنة. رابعة – بدمها وظلمها وقمعها- مهدت الطريق إلي التضئيل من شأن القانون ورفعت علم دولة اللا قانون. الواقع الفعلي هو أن قوات الأمن الشرطية والعسكرية تقتل من تشاء، أينما تشاء، وقت ما تشاء. في هذه الغابة المتنكرة في دولة عصرية متحضرة الطبنجة تسود، من يطلقها يحكم ومن يمسك بعصاة القضاء يمسك بعنق المظلوم ويؤازر الظلم.

بدء اعتصام رابعة بعد فترة قصيرة من اعتقال الرئيس المنتخب محمد مرسي العياط، ومع ازدياد حرارة شمس يوليو في شهر رمضان ارتفع الضغط أيضًا على السيسي، الرئيس الفعلي للبلاد منذ الانقلاب يوم ٣ يوليو ٢٠١٣، كان الهدف إنهاء الاعتصام نظرًا لما جلبه من متاعب ومضايقات لسكان المنطقة المجوارة في مدينة نصر واستنادًا لاتهامات من جهات عديدة أن الاعتصام مسلح. بالفعل الاعتصام سبب مشكلة فلسفية للنظام لأنه تسبب في تعرية الانقسام الخطيرالذي بداخل المجتمع المصري. مع قراءة الموقف تفهم السيسي أن نسبة ضخمة من الشعب وقفت خلفه يوم ٢٦ يوليو عندما طلب التفويض الشهير “لمحاربة الإرهاب” واقتنصه لفرض حل نهائي بالفض دون إبداء أي مخاوف من حجم المجزرة المحتملة. جاءت مجازر قبل رابعة وكان هناك بعدها ولكن مكان رابعة وسط هذه المجازر يخلده النتاج الأمني القانوني وغير القانوني الذي يلون المرحله الحالية. نجح السيسي في استغلال “شيك شعبي على بياض” بطريقتين، كلاهما أخطر من الآخر: استغلال القضاء لمداهمة قلعة المعارضين وبالخصوص الإسلاميين منهم (بجانب استغلال القتل الأمني غير القانوني). بعد المجزرة كان هناك بعض الأصوات (غير الحكومية) المعارضة للأحداث من داخل مصر والبعض الآخر المعارض حكوميًّا وغير حكومي دولي ولكن ما انتقصه المشهد كان الملفت للنظر. جاء صمت الإعلام والشارع المصري مدويًا في هدوئه. في دوائر الحكم الصوت الرئيسي الذي أعلن رفضه كان محمد البرادعي، أيًّا كانت وجهة نظرك فيه، فقد استقال من نيابة الرئاسة وذهب لحاله بعد الأحداث التي ارتفعت لمستوى جرائم الحرب طبقًا لتقارير بعض المنظمات الحقوقية الدولية.

على مستوى الشارع، أيًّا كانت الطبقة الاجتماعية أو التعليمية، كانت النبرة واحدة والجمل شبيهة: “افرم” “لما لم يقتلوا المزيد؟” “كان لا بد أن يستخدموا الدبابات”. بعد عامين من المأساة ما زالت صدمة الكلمات عاصفة عاتية تعري وحشية كانت تختبئ خلف ورق الشجرة المصرية. هذه المشاعر الصادمة التي تنافي مبادئ كل الأديان السماوية أصبحت حبلًا حول عنق أي محاولة لتوحيد الشمل المصري.

جاء حكم السيسي بوعود بالاستقرار والأمان ولست بحاجة لدكتوراه في الدراسات الإستراتيجية لتعرف أن الحل الأمني لم يمن بالنجاح. ولكن لم يغب فقط النجاح إنما جاء بديل محقن بالعنف النظامي المقنن وغير المقنن. الأسبوع الماضي شهد مقتل ٧ سجناء نتيجه لإهمال متعمد أو احتماليات تعذيب وتوفي ٧ آخرين نتيجة لإهمال بشع من مصلحة السجون في ظل موجة حارة تجتاح البلاد. ولكن هذه الأحداث هي مجرد الجزء الظاهر من خنجر العنف الحكومي في عصر السيسي. السبع وفيات هم من تعترف بهم وزارة الداخلية ولكن يوميًّا تكتظ وسائل التواصل الاجتماعي بأخبار عن حالات وفاة أخرى. ليس هناك دلائل قاطعة تؤكد حالات تعذيب في ٧ حالات وفاة الأسبوع الماضي، ولكن من يتصفح الصحف المصرية والدولية يعلم جيدًا أن التعذيب تربطه علاقة جيدة بالجهات الأمنية. يوجد مؤشرات عديدة أن مقتل عصام دربالة، رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية والشيخ مرجان سالم من الجهاد السلفي نتجت عن إهمال طبي أصبح جزءًا من منظومة الدولة العميقة بمصر.

ولكن الإهمال الطبي ليس هو المسلك المفضل للأجهزة الأمنية فإنهم يفضلون الإعصار على النسمة في أغلب الأحيان. في أقل من ٢٤ ساعة بعد هجوم ضارٍ من ولاية سيناء على الشيخ زويد في الأول من يوليو أعلنت أبواق الصحافة المصرية: المصري اليوم، والوطن، وفيتو عن “تصفية ٩ من الإرهابين”. ابتعدت الغالبية العظمى من الصحافة عن كلمة التصفية ولكن من المرجح أن الخطأ اللغوي لم يكن خطأ نظرًا للعلاقة الوثيقة التي تربط هذه الصحف بالأجهزة الأمنية. وإن كان هناك خطأ كاشف للحقيقة لغويًّا فلم يكن هناك خطأ في التنفيذ من قبل القوات الخاصة التي قامت بمداهمة شقة بمدينه ٦ أكتوبر وقضت على حياة ٩ مواطنين سميتهم إرهابيين. وسرعان ما تبينت حقيقة الأمور: كل من كان يقطن المسكن من أعضاء لجنة تنفيذية في جماعة الإخوان المسلمين. جاءت الرواية الرسمية تقول إن عند وصول القوات المسكن قوبلوا بوابل من الرصاص. من حقك تقبل السيناريو النظامي ولكن تبقى عدة أسئلة غاية في الأهمية:

١- لماذا لم يقتل أو يصاب أفراد الفرقة الخاصة؟

2- مداخل الرصاص بجثث المتوفين، البعض منها بأعلى الرأس، تتلو قصة أخرى.

٣- عدد الأسلحة التي تم التحفظ عليها كان ثلاث فقط، كما ذكرت الكايرو بوست التابعة لليوم السابع، فكيف لك أن تقتل ٩ مواطنين رغم عدم تكافؤ القوة الواضح؟

٤- وأخيرًا نصل إلى موضوع البصمات. كل أسر القتلى ذكرت أنه تم أخذ بصمات القتلى. الجهات الأمنية تؤكد أنه إجراء طبيعي يتم بعد الوفاة ولكن الأسر تؤكد العكس: أنه تم القبض على ذويهم ثم إعدامهم. وبالتالي من المنطقي أن يبقى السؤال الأخير: لماذا لم يتم إجراء تحقيقات عديدة في هذه المجزرة المصغرة وبالخصوص في ظل علامات استفهامات كثيرة حول تصرفات الأجهزة الأمنية؟

ويأتي يوم حدث إخباري كبير آخر بنهاية دامية بخبر لم يهتم به الإعلام المصري كثيرًا: تصفية ٥ “إرهابيين” آخرين في الفيوم في السادس من أغسطس يوم افتتاح قناة السويس الجديدة. لمن يتتبع مسرح “الحرب على الإرهاب” في مصر كانت الحادثة ناقوس خطر يستحق التنقيب. وقد كانت جريدة ديلي نيوز إيجيبت ذهبت لمحل الحادث وكشفت التحريات عن شرطة تتجنب القانون وتمسك زمام الأمور بيديها العنيفة. “أين القانون؟ كيف أن يقتل متهم بدم بارد في مسرح الجريمة؟”، كما قال أحد أقارب القتلى. وقال آخر: “لقد عصبت أعينهم وتم إعدامهم بعد ساعتين من التعذيب”. هذا السيناريو، رغم بشاعته، ليس مستغربًا لمن يتابع المشهد المصري وبالخصوص من يحلل خطوات الجهات الأمنية في الوقت الحالي. الحالتان مرآة لحالات عديدة أخرى أصغر حجمًا حيث تجد الأسلحة طريقها بجوار القتيل بعد الإجهاز عليه في إطار المسمى الأكبر “الحرب على الإرهاب”.

الإجراءات غير القانونية عديدة في الوقت الراهن وفي ازدياد مع حالات الاختطاف القصري على سبيل المثال الذي تقدر حالاته بما يقرب من مئتي حالة، ولكن المشين والملفت للنظر هو قضاء تحول لمطرقة النظام تضرب أي صوت معارض مع التربص المخصوص بالأصوات الإسلامية. ورغم تسليط بعض الأضواء المحلية والكثير من الأنظار الدولية على قرارات قضائية مع وجود وزير عدل، مثل أحمد الزند، الذي يعترف أن القضاء يعمل جاهدًا “في الصباح والمساء” لتطهير الدولة من الإسلام السياسي، خطوط المواجهة واضحة وضوح دماء من قتلوا برابعة. النظر فقط إلى أحكام الإعدام يؤكد أن هناك قضاة أمثال ناجي شحاتة وجودهم على الساحة يمثل رغبة النظام وليس العدالة وبالتحديد لتنفيذ خطة محكمة للقضاء على الإخوان المسلمين وقيادتهم.

وإن أخطأ النظام واتخذ الخطوة الاستقصائية بإعدام الرئيس السابق فلا يوجد أدنى شك أن هذا سيفتح أبواب جهنم على الجميع. استخدام العنف القضائي متماشيًا مع ما سبقه من عنف في رابعة يناقض مبدأ العدالة في القضاء.

رابعة، بالتأكيد، مجزرة لا مثيل لها في التاريخ المصري المعاصر، ولكن ما تبعها من تطورات نظامية هو ما يهدد الأمن القومي المصري. الأخطاء النظامية التي ترتكب مع سبق الإصرار والترصد لن يصلحها ثورة شبيهة بـ25 يناير، والمطلوب هو تغيرات جراحية وطويلة الأمد في الجسد المصري السياسي وليس أقل.

صلوا على روح موتى مصر وصلوا أيضًا على روح أحيائها.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد