749

نشر موقع «أيون» تقريرًا عن التحديات التي تواجه الآباء عند تنشئتهم لأطفال يتحدثون لغتين مختلفتين أو أكثر، وأفضل الأساليب للتغلب على هذه التحديات. قال التقرير:

لدى الآباء أسباب شتى لتدريس أبنائهم لغات متعددة؛ إذ يأمل البعض في توفير فرص عمل أفضل لذريتهم، ويركز آخرون على الفوائد المعرفية والفكرية لتعلم لغة إضافية، بما في ذلك تحسين مهارات الانتباه، وتحسين الذاكرة، وتسريع عملية اتخاذ القرار، بينما يريد آخرون محاربة هيمنة اللغة الإنجليزية على العالم.

وأخيرًا بالنسبة لعدد لا يحصى من العائلات، فإنَّ التعددية اللغوية أسلوب حياة، تقليد يريدون منحه لأطفالهم، لكن بصرف النظر عن الدافع وراء رغبة الآباء في تنشئة أبنائهم على التعددية اللغوية فإنَّ أسئلتهم ومخاوفهم تظل هي ذاتها. كيف يمكنني تعليم أطفالي جميع هذه اللغات؟ ما هي أفضل طريقة لتحقيق هذا الهدف؟ وكيف يمكنني الثبات أمام التحديات والصعوبات التي تنشأ، يقينًا، من تنشئة أسرة تختلف عن «القاعدة»؟

بادئ ذي بدء، ثمة بعض الارتباك فيما يتعلق بالمصطلحات. فالكثير من الناس يخلطون بين مصطلحي «ثنائي اللغة» و«متعدد اللغات». يشير المصطلح الأول، تقليديًا، إلى معرفة لغتين، بينما يعني الثاني تحدث أحدهم بثلاث لغات أو أكثر. لكنَّ أنك دو هوير، أستاذة اكتساب اللغة والتعددية اللغوية بجامعة إرفورت بألمانيا، تستخدم مصطلح ثنائي اللغة لوصف من يعرف لغتين أو أكثر.

وقال التقرير: «إنَّ أكثر الكتب والمقالات الموجهة للأسر التي تنشئ أطفلاً ثنائيي اللغة تزعم أنَّ أفضل طريقة لتدريس الطفل لغة هي OPOL، أو ما يعرف بطريقة الشخص الواحد واللغة الواحدة. طبقًا لهذا المنهج، فإنَّ أحد الوالدين يتحدث لغة واحدة (عادة ما تكون لغة الأغلبية)، بينما يتحدث الثاني لغة الأقلية، لكنَّ هذه الطريقة ليست مثالية للكثير من الأسباب. فعندما حللت دي هوير عينة ضخمة من الأطفال ثنائيي اللغة الذين يعيشون في الجزء الفلمنكي من بلجيكا، وجدت أنَّ جزءً منهم فحسب قد انتهى به المطاف متحدثًا بكلتا اللغتين».

وكان معدل النجاح عاليًا بشكل خاص عندما كان الأبوان كلاهما يتحدثان اللغة في المنزل، بينما يتعلم الأطفال اللغة الأخرى في المدرسة. وعلاوة على ذلك، فحتى عندما كان الأبوان يتحدثان بأكثر من لغتين، فإنَّ الأطفال اكتسبوا فحسب اللغات التي كان الأبوان يستخدمانها بفعالية في المنزل. وهذا أمر منطقي بالنظر إلى أنَّ ثمة علاقة مباشرة بين كمية الوقت المقضي في الحديث إلى الطفل ونجاحه في اكتساب اللغة. ومع ذلك فإنَّ كمية الوقت المحددة الضرورية ليست معلومة. يعتقد البعض أنَّ الطفل بحاجة إلى سماع لغة ما أكثر من 30% من ساعات الاستيقاظ ليتحدث بها بسهولة، لكن ليس ثمة دليل علمي يدعم ذلك.

وقال التقرير: «إنَّ كلمة التعددية اللغوية كانت تعد كلمة قذرة في النصف الأول من القرن العشرين، وكان التحدث بأكثر من لغة مرتبطًا بانخفاض معدل الذكاء ونقص المهارات المعرفية. ومع أنَّ هذه الافتراضات السلبية خاطئة، فإنَّ الكثير منها ما يزال سائدًا حتى اليوم. إذ طلب من عدد لا يحصى من الأسر التوقف عن الحديث بلغتهم الأم أمام أطفالهم، خوفًا من أنَّ الحديث بلغة إضافية أو اثنتين ليس من شأنه إرباك الأطفال فحسب، وإنما أيضًا يعيق اندماج أطفال المهاجرين، لكنَّ هذه المخاوف، بحسب دي هوير، لا أساس لها، ومرجعها إلى الريبة في اختلاف لون البشرة والثقافة، والهوية الدينية».

وقال التقرير: «إنَّ المكانة التي تحتلها لغة ما تؤدي دورًا في نجاح التعددية اللغوية. ففي أوروبا تحترم لغات مثل الإنجليزية والألمانية والفرنسية ويعترف بها، بينما ينظر بعين الشك إلى لغات شرق أوروبا مثل الروسية أو البولندية، بالإضافة إلى لغات الشرق الأوسط مثل العربية أو التركية. وتحذر دي هوير من أنَّ هذا الأمر من شأنه أن يفقد الأطفال الحافز لتعلم لغاتهم الأم. إذ لاحظت أنه عندما لا تقبل لغات الأطفال، فإنهم لا يشعرون بالقبول هم أيضًا. والأكثر من ذلك أنَّ التمييز اللغوي ينتهك المادة الـ30من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل. فمن حق الآباء أن يقرروا عن عمد إرسال أطفالهم إلى مدرسة تحترم فيها اللغة والثقافة».

وبفضل أعمال الباحثين مثل إلين بياليستوك من جامعة يورك في كندا، فقد أصبحت الثنائية اللغوية نوعًا من الموضة. ففي الولايات المتحدة تجتذب المدارس ثنائية اللغة التي تتبع أسلوب الغمر اللغوي، والمصممة خصيصًا لمساعدة الأقليات على الاحتفاظ بلغاتهم، الكثير من الأسر من خلفيات بيضاء تنتمي للطبقة الوسطى، الذين استغلوا الفرصة لمنح أطفالهم هبة التعددية اللغوية. ومع أنَّ هذا الهدف جدير بالثناء، فإنه قد يدفع المجموعات المستهدفة الذين بنيت هذه المدارس لدعمهم.

وقد كانت عائلات الطبقة المتوسطة أيضًا أكثر عرضة للانخراط فيما تسميه عالمة الاجتماع أنيت لارو من جامعة بنسلفانيا «الرعاية المتضافرة» ، وهو نهج يعزز فيه الآباء بشكل فعال من مهارات الأطفال وقدراتهم لتحقيق أقصى قدر من النجاح. لكنَّ هذه المجموعة من الأطفال كانت هي الأخرى كثيرة الانشغال ومرهقة ولم تجد الوقت للعب والشعور بالملل أو حتى أن يكونوا أطفالًا فحسب. والآن، أصبحت التعددية اللغوية جزءً من موضة التربية المكثفة.

وقال التقرير: «إنَّ بعض الآباء اليوم يتعاملون مع تنشئة أطفال متعددي اللغات بالطريقة ذاتها التي يقاربون فيها التغذية، أو الانضباط أو التعليم: أي باعتبارها لعبة صفرية يكون طريق النجاح الوحيد فيها من خلال التضحية والتخلي عن جميع الحاجات الأبوية. وليس هذا الأمر ضروريًا، لا سيما في حالة الأمهات، بل يمكن أن يكون مضرًا؛ إذ أظهرت الأبحاث أنَّ الآباء، ولا سيما الأمهات، الذين يؤمنون بمبادئ التربية المكثفة كانوا أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بالاكتئاب».

وقال التقرير: «إنَّ من الأفكار التي تتعرض للهجوم أيضًا الفكرة القائلة بأنه «كلما بدأنا في سن مبكرة كان ذلك أفضل». وقالت دي هوير: إنَّ الأطفال يتعلمون لغة أجنبية بشكل أفضل بعد سن الـ12»، وقالت: «إنَّ الاتجاه الحالي في البلدان الأوروبية بتعليم الأطفال اللغة الإنجليزية في سن مبكرة باطراد لا يظهر النتائج الصحيحة. ذلك أنَّ بدء تعلم لغة في فترة مبكرة للغاية، لا سيما لو كان الطفل يتعلم بالفعل لغة في البيت، أو من أحد أبويه، قد يتسبب في فقدان الطفل الحافز للتعلم».

وقال التقرير: «إنَّ الكمية الهائلة من المعلومات المتاحة لآباء الأطفال متعددي اللغات من الممكن أن تكون مربكة، لا سيما لو أضفناها إلى جميع نصائح التربية الأخرى التي تتلقاها الأمهات والآباء. ونتيجة لذلك، فمن الممكن أن يصاب الآباء بالقلق والتوتر وغياب الثقة في أنفسهم وأساليبهم التدريسية».

ومع أنَّ تربية أطفال متعددي اللغات عمل شاق، فقد حان وقت الاسترخاء. فالهدف، في النهاية، ليس فريدًا كما نظن. فوفقًا للتقديرات، ربما يكون نصف عدد سكان العالم يتكلمون بالفعل لغتين أو أكثر، والكثير منهم يتحدثون بلهجة إضافة إلى ذلك.

واختتم التقرير بالقول: «إنَّ فعل تعلم اللغات من الممكن أن يصبح ذا فائدة عاطفية. إذ إنَّ أكبر فوائده، كما اكتشفت عالمة اللغويات إيمي تومبسون، من جامعة جنوب فلوريدا، أنَّ تعددية اللغات تجعل الناس أكثر تسامحًا؛ لأنها تساعدهم على اكتساب مهارتين شديدتي الأهمية: الكفاءة الثقافية (أي الفهم الأفضل للطرق المختلفة التي يتصرف بها الناس ويتواصلون)، والتسامح مع الغموض (أي كيفية تعامل الناس مع المواقف الجديدة) ويترتب على ذلك إذًا أنَّ أكبر درس يمكن تعلمه من ثنائية اللغة ليس التقنيات: أي كيفية التعلم أو حتى سببه. وإنما الأمر أكبر بكثير من ذلك. إنَّ تربية أطفال متعددي اللغات يعني تنشئة مواطنين منفتحين ومتسامحين وأصحاب وعي عالمي. وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي للآباء التغلب على التحديات وقيادة الطريق».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك