مقابلةً بالعام الماضي، عندما أُغلِقت المساجد في جميع أنحاء العالم بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد، فإن لهذا الشهر الكريم قيودًا خاصة، ولكن الأصدقاء والعائلة عليهم أن يحذروا أيضًا في ظل استمرار تفشي الجائحة.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا أعدَّه كلٌّ من فيفيان يي، مراسلة الصحيفة لشؤون الشرق الأوسط، وآدم راسجون، مراسل الصحيفة في القدس، سلَّطا فيه الضوء على أجواء شهر رمضان، أقدس شهور العام بالنسبة للمسلمين، في ظل تفشي جائحة كوفيد-19، مُلقِيين الضوء على أجواء هذا العام التي تختلف عن العام السابق الذي شهد إغلاقًا صارمًا للمساجد والصلاة فيها والتجمعات التي يتميز بها شهر رمضان.

هل رمضان 2021 أقرب إلى المعتاد؟

استهل المراسلان تقريرهما بالقول: مقابلةً بشهر رمضان في عام 2020، عندما أُغلِقت المساجد في جميع أنحاء العالم ومُنِعت الصلاة فيها خلال أقدس شهر في السنة بالنسبة للمسلمين وفُرِض حظر التجوال في كل الدول، ما حَرَم الأصدقاء والعائلة من التجمُّع لتناول الإفطار معًا، تقدِّم أجواء رمضان، الذي يعد احتفالًا دينيًّا، هذا العام شيئًا واعدًا أقرب بكثير إلى الوضع الطبيعي المعتاد.

واستشهد التقرير بما قاله رياض ديس، أحد مالكي متجر توابل وفواكه مجففة في البلدة القديمة في القدس: «في العام الماضي، شعرتُ بالاكتئاب ولم أكن أعرف إلى متى ستستمر الجائحة». وفي يوم الثلاثاء، ومع حلول أول أيام الشهر الذي يصوم فيه المسلمون، كانت الأزقة الضيقة في البلدة القديمة تنبض بالحياة، وكان المتسوقون يستعرضون أنواع حلويات رمضان، وكان المصلون يتوافدون إلى المسجد الأقصى لأداء الصلاة.

ويتذكر ديس، البالغ من العمر 51 عامًا، والذي كان يبيع قِطعًا كاملة من الكركم وتمور المجهول لأحد العملاء، كيف كان حال البلدة القديمة العام الماضي حيث كانت خالية من الناس وسادها الهدوء مع ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس، وأغلقت السلطات المسجد الأقصى أمام الجمهور. وأوضح ديس قائلًا: «حاليًا، أشعر بالراحة والطمأنينة، لدي ما يكفي من المال لإعالة أسرتي، ويأتي الناس إلى المحل لكي يشتروا السلع. إنه واقع مختلف تمامًا عن العام الماضي».

قيودٌ لا بد منها!

وأشار التقرير إلى أن السلطات، في مختلف دول العالم الإسلامي، فرضت قيودًا على العادات والاحتفالات في شهر رمضان في المساجد هذا العام: إذ طالبت المصلين بإحضار سجاد الصلاة الخاص بهم وارتداء أقنعة الوجه، وحدَّدت مدة زمنية لصلاة التراويح، وهي الصلاة النافلة الخاصة التي يصليها المسلمون كل ليلة في شهر رمضان، بالإضافة إلى فرض قواعد وضوابط أخرى.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، أقبل كثيرٌ من المسلمين في العالم الإسلامي، خلال الأيام التي سبقت حلول شهر رمضان، على تقاليد الاحتفالات والأعياد التي تؤدي إلى الزحام، بصرف النظر عن احتمالية زيادة أعداد حالات الإصابة بكوفيد-19. واندفع المصلون إلى المساجد، وشهدت مناطق التسوق في العاصمة المصرية (القاهرة) زحامًا وحشودًا غفيرة. وعلى عكس العام الماضي، نظر كثيرٌ من الناس إلى رمضان 2021 على أنه تجربة مجتمعية، يُخطط فيها عديدٌ منهم لتناول الإفطار سويًّا مع العائلة والأصدقاء، حتى لو كانت الجموع أصغر من المعتاد.

ولفت التقرير إلى أن مثل هذه الخطط تسير، على ما يبدو، بغض النظر عن حالات التطعيم باللقاح المضاد لكوفيد-19، والتي تختلف اختلافًا كبيرًا من دولة إلى أخرى. (أعلنت عدة دول عربية أن التطعيم باللقاح لا يُبطل الصوم). وشهدت جهود التطعيم باللقاح تعثرًا في سوريا ولبنان بسبب ضعف التنظيم والفقر والفساد المستشري، بينما تمضي قدمًا في الإمارات العربية المتحدة. أما إسرائيل فقد طعَّمت معظم المواطنين باللقاح سريعًا، لكنها تعرَّضت لانتقادات شديدة لأنها لم تبذل أي جهود لتلقيح الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

أما زال تفشي الفيروس يُمثل خطرًا حتى مع انتشار اللقاحات؟

ونوَّه التقرير إلى أن بعض المسؤولين الحكوميين في مصر وبعض المذيعين البارزين حذَّروا الشعب المصري من موجة ثالثة من الإصابات بمرض كوفيد-19 خلال المدة التي تسبق شهر رمضان. وأعرب مسؤولو وزارة الصحة عن قلقهم البالغ من ارتفاع عدد حالات الإصابة خلال الشهر الفضيل، بالنظر إلى أن رمضان هذا العام يواكب أيضًا عيد الفصح الأرثوذكسي، الذي يحتفل به الأقباط الأرثوذكس في مصر، بالإضافة إلى أن عيد شم النسيم، وهو عيد وطني آخر يحتفل به المصريون، سيأتي خلال شهر رمضان.

وتابع التقرير موضحًا أن المسلمين في لبنان وسوريا يدخلون شهر رمضان أيضًا بتوقعات متواضِعة إلى حد كبير بسبب الأزمات الاقتصادية المتفاقمة في كلا الدولتين والتي ازدادت سوءًا بسبب الجائحة، وليس بسبب القيود التي تفرضها الصحة العامة. ويتزامن حلول شهر رمضان هذا العام مع تزايد أعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد في عديد من دول منطقة شرق أفريقيا.

Embed from Getty Images

وفرضت السلطات في كينيا حظر تجوال لأطول مدة، وأغلقت الحانات والمدارس ومنعت الحشود والتجمعات في دور العبادة، بالإضافة إلى أنها حظرت السفر من خمس مقاطعات وإليها، بما فيها العاصمة الكينية نيروبي. وهذه القيود التي فرضتها السلطات تعني لسكان نيروبي، مثل أحمد أسمالي، أنهم لن يستطيعوا تناول وجبة الإفطار مع أحبائهم أو حضور الصلوات في تجمعات كبيرة.

وفي هذا الصدد، قال أسمالي، وهو موظف علاقات عامة يبلغ من العمر 41 عامًا، إنه: «العام الثاني حتى الآن الذي نعيش فيه في حالة إغلاق. إن التجربة التي نحياها تبدو غريبة، وتبدو في غير محلها».

كوفيد-19 يُلقي بظلاله بقوة

ويُوضح التقرير أنه على الرغم من أن الخبراء ذكروا أن الأرقام الرسمية للإصابة بكوفيد-19 وأعداد الوفيات في سوريا (أكثر من 20100 إصابة و1360 حالة وفاة منذ بداية الجائحة) أقل بكثير من الحقيقة على الأرض، فإن الحكومة السورية لم تفرض سوى قليل من التدابير والقيود. إذ أعلنت وزارة الشؤون الدينية (الأوقاف) السورية أنه سيُسمح للمصلين بإقامة صلاة التراويح وصلاة الجماعة داخل المساجد خلال شهر رمضان المبارك بعد وجبة الإفطار.

وسلَّط التقرير الضوء على الأوضاع في لبنان، الذي خرج في الآونة الأخيرة من إغلاق صارم، قائلًا: فقدت العملة اللبنانية (الليرة) أكثر من 80% من قيمتها مقابل الدولار خلال الأشهر الـ18 الماضية، وارتفعت معدلات البطالة في البلاد، وتضاعفت أسعار المواد الغذائية سريعًا جدًّا.

إذ ذكر مرصد الأزمة في لبنان، وهو مشروع للجامعة الأمريكية في بيروت، أن تكلفة الوجبات، التي تكفي أسرة مكونة من خمسة أفراد لتناول الإفطار خلال شهر رمضان – تمرة واحدة لكل شخص وحساء العدس وسلطة بسيطة وطبق أرز بالدجاج مع القليل من الزبادي – تبلغ تكلفتها في الوقت الحالي مرتين ونصف ضعف الحد الأدنى للأجور في البلاد.

Embed from Getty Images

ويُؤكد التقرير أن الجائحة ما زالت تُلقي بظلالها على كثير من الاحتفالات والأعياد. وأعرب أصحاب المتاجر والمحلات في البلدة القديمة بالقدس عن قلقهم الشديد من أن إسرائيل لن تسمح لأعداد كبيرة من الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، حيث تلقَّى عدد قليل منهم التطعيم باللقاح المضاد لكوفيد-19، بزيارة البلدة القديمة في رمضان، مما يحرم أهل المنطقة من قضاء عطلاتهم.

المسجد الأقصى ينبض بالحياة من جديد

وجرت العادة، خلال الحقبة التي سبقت تفشي الجائحة، أن تسمح إسرائيل لعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية بزيارة القدس في يوم الجمعة من كل أسبوع خلال شهر الصوم. وفي يوم الثلاثاء، صرَّح منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية قائلًا: «إن إسرائيل ستسمح لـ10 آلاف فلسطيني تلقوا التطعيم من الضفة الغربية بالصلاة في المسجد الأقصى يوم الجمعة».

مجتمع

منذ شهر
مترجم: أغلقت المدارس بسبب كورونا في أمريكا اللاتينية.. فأصبح الطلبة أفراد عصابات!

وأضاف أيضًا أن السلطات ستسمح لخمسة آلاف فلسطيني من الضفة الغربية تلقوا التطعيم بتنظيم زيارات عائلية في إسرائيل بين يومي الأحد والخميس في الأسبوع المقبل.

وفي الختام، استشهد التقرير بما قاله عمر كسواني، مدير المسجد الأقصى، إنه شعر بسعادة غامرة لأن المسجد كان مفتوحًا أمام المصلين – حضر قرابة 11 ألفًا صلاة التراويح في المسجد الأقصى مساء الاثنين – لكنه أكد أن الناس سيظلون بحاجة إلى توخي الحذر. وأكد ضرورة الالتزام بلبس المصلين للأقنعة والحفاظ على التباعد الجسدي لمسافة مترين بين كل مصلٍ وآخر، كما أن المساحات الداخلية والخارجية ستُعقَّم يوميًّا.

وأعرب كسواني عن سعادته قائلًا: «تسود هذه الأوقات سعادة غامرة. ونتمنى أن يعود المسجد الأقصى المبارك إلى سابق مجده قبل الجائحة. لكن هذه الأوقات التي نعيشها حاليًا هي أوقات ينبغي فيها الحذر، لأن الفيروس لا يزال موجودًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد