في تقرير لمجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية، تحدثت الكاتبة إيما جرين عن الحال في القدس مع قدوم شهر رمضان، بعد الأحداث المؤسفة في غزة، وكيف تؤثر الأحداث السياسية على المسلمين في هذا الشهر الخاص.

تزينت مدينة القدس القديمة احتفالًا بقدوم شهر رمضان، فقد امتلأت الشوارع بفوانيس ورقية ملونة. في أول يوم جمعة من شهر رمضان، ازدحمت شوارع الحي الإسلامي التي اعتادت الهدوء، فيمكنك أن تسمع أصوات صبية يصيحون لبيع الحلوى إلى المارّة، وتكدسّت الحافلات والسيارات بالفلسطينيين المتجهون إلى القدس لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى.

الوضع السياسي يتخلل كل شيء

في الرابع عشر من الشهر الجاري، تم نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس. كان اليوم التالي ذكرى النكبة، والتي تعود إلى هزيمة العرب في حرب 1948، التي نتج عنها تهجير الفلسطينين من أراضيهم لإقامة دولة يهودية. نظمت حركة مظاهرات حملت اسم «مسيرة العودة» بهدف أن يستعيد الفلسطينيين منازل أجدادهم الموجودة في الأراضي التي تُسمى الآن إسرائيل. لذلك، احتشد المتظاهرون الفلسطينيون في غزة على طول السياج الحدودي مع إسرائيل، وأطلقت القوات الإسرائيلية الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين بالقرب من السياج. زعمت حركة حماس أن 50 من بين 62 مواطنًا من سكان غزة الذين قُتِلوا يومي الاثنين والثلاثاء كانوا من أعضاء الحركة، لكن لا يوجد طريقة لإثبات هذا الادعاء؛ فربما بالغت الحركة في تقدير تأثيرها، بحسب ما جاء في تقرير «ذي أتلانتك».

مع توقف المظاهرات في غزة ولو بشكل مؤقت، فإن ما يشغل تفكير الفلسطينيين في هذه اللحظة هي تصاريح دخول القدس، وشهر رمضان، بما فيه من أداء للعبادات، وكذلك الحلوى الخاصة بالشهر، مع تذكر التوترات التي اندلعت قبل أيام، ومن المحتمل أن تنطلق مرة أخرى.

«أنا لا أخرج كثيرًا، لكن الوضع السياسي يتخلل كل شيء، من المحادثات أثناء الإفطار إلى التجمعات في الأقصى. لا يمكنك التركيز أثناء الصلاة» هكذا قالت امرأة فلسطينية أمريكية المولد تُدعى سارة، تعيش مع زوجها في القدس. يقول الزوج، ويُدعى سامر: إنه كان متوترًا بشأن الذهاب إلى المسجد الأقصى خلال حشود غاضبة أمام الجنود الإسرائيليين الذين يقفون في كل مدخل للمسجد. يقول سامر: «أريد فقط أن أعيش وأعتني بعائلتي وعملي»، لكنه أكّد أنه لا أحد سعيد بداخله.

مناسبة خاصة

تشهد معظم القدس الآن أجواءً احتفالية؛ إذ يشهد اليهود كذلك «عيد الأسابيع» أو كما يُعرف «شافو عوت» احتفالًا بنزول التوراة حسب اعتقادهم، كما يشهد المسيحيون «عيد العنصرة»، والذي يحتفلون فيه بنزول روح القدس على رُسُل المسيح حسب اعتقادهم. وبالنسبة للمسلمين، يمثل شهر رمضان نزول القرآن على النبي محمد.

رمضان في غزة 2018.. 30 يوم من الحرمان

تقول فلسطينية تُدعى فاطمة بدر – تبلغ من العمر 19 عامًا – كانت تتجه للمسجد الأقصى مع أمها وامرأتين أخريين: «يمكننا دخول الأقصى يوم الجمعة فقط، وفي شهر رمضان الفضيل فقط. لا يمكننا الدخول في سواه من الشهور، لذا فهي مناسبة خاصة». تنتظر فاطمة شهر رمضان كل عام، فهي تحب أداء صلاة التراويح في المسجد الأقصى، وتقول: «إنه المساء، يمكنك أن تشعر ببعض الهواء والسكينة. تشعر أنك قريب من الله عندما تكون في مكان مقدس مثل هذا».

على الرغم من أنها من مدينة الخليل، التي تبعد 20 ميلًا فقط من القدس، إلا إن فاطمة تنتظر رمضان لزيارة القدس؛ لأن الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية غير مسموح لهم بدخول القدس، سوى في ظروف خاصة كحالة طوارئ طبية، لكن خلال شهر رمضان، تعطي الحكومة الإسرائيلية تصاريح الدخول للأشخاص الذين يريدون أداء صلاة الجمعة. بالنسبة للعديد من الفلسطينيين، فإن يوم الجمعة أكثر من مجرد فرصة للصلاة وشراء الحلويات اللذيذة، فهي فرصة نادرة لزيارة أفراد عائلاتهم ممن يعيشون في القدس، والتسوق، والذهاب في رحلات لمشاهدة البحر المتوسط.

بداية مأساوية للشهر

خلال تجمعات يوم النكبة في رام الله، شعر بعض الفلسطينيين بالقلق من أن تمنع إسرائيل تصاريح دخول القدس بسبب الاحتجاجات في غزة. «أعتقد أن إسرائيل والولايات المتحدة قررتا إعلان نقل السفارة في هذا اليوم، قبل بداية رمضان، لجعل الناس يشعرون بالضغط والتوتر»، هكذا قالت الفلسطينية عهد عوض، وتبلغ 28 عامًا، لكن صهرها، ويُدعى عمر حمّاد، أشار إلى أنه من غير المرجح أن تمنع إسرائيل التصاريح؛ لأن المسلمين ينفقون أموالًا كثيرة في المتاجر الإسرائيلية خلال شهر رمضان، لكن عهد ردّت بأن «كل شيء ممكن مع قاتلي الأطفال هؤلاء».

تقول الكاتبة: إن الغالبية العُظمى ممن تحدثت معهم في رام الله والقدس كانوا يدعون ويصلون من أجل من ماتوا ومن أُصيبوا في مظاهرات غزة. «إنها بداية مأساوية لشهر رمضان» هكذا وصف حمّاد ما حدث في غزة؛ إذ وصل عدد الضحايا يومي الاثنين والثلاثاء إلى 2700 مصابًا، و62 قتيلًا بحسب إحصاء وزارة الصحة الفلسطينية في غزة. وأضاف حماد «يجب أن يكون رمضان شهر احتفال، شهر من السلام والسكينة لكل المسلمين في جميع أنحاء العالم. من المفزع أن يبدأ رمضان بهذا الشكل». تقول الكاتبة: «إن العديد ممن تحدثت معهم شعروا بأن الأحداث التي وقعت شتتتهم عن الروحانية المتعلقة بالشهر الكريم، وأثرت على مشاعرهم».

سكون في القدس

على الرغم من أن العديد من الفلسطينيين غاضبون بسبب العنف الذي استخدمته القوات الإسرائيلية في غزة، إلا أن القدس والضفة الغربية اتسمتا بالهدوء إلى حد كبير. على سبيل المثال، بلغ عدد المتظاهرين في رام الله يوم الثلاثاء نحو 200 فقط، بعضهم سائحون أوروبيون شاركوا لإعلان تضامنهم. أضربت معظم الشركات والمؤسسات العامة طوال اليوم احتجاجًا على النكبة، لذلك اتسمت الشوارع بالهدوء. تقول الكاتبة: إنه «يمكن رؤية بعض الرجال يدخنون ويتبادلون الحديث في الشوارع، لكن الغالبية ظلوا في بيوتهم».

تقول الكاتبة: إن «عدم وجود مظاهرات في المناطق القريبة من القدس ينفي وجهة النظر القائلة بأن السبب الرئيس وراء مظاهرات غزة هو نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لكن الظروف السيئة منذ فترة طويلة مثل نقص المياه النظيفة والكهرباء، النظام المصرفي غير المستقر، والبطالة المنتشرة، والقيود على الحركة، كانت المحرك الرئيس للاحتجاجات، إلى جانب تشجيع حركة حماس للمظاهرات. بينما الأراضي الفلسطينية الأخرى التي تحظى بوضع اقتصادي أفضل، ولا تسيطر عليها حماس – التي تعتبرها الولايات المتحدة منظمة إرهابية – لم تشهد تعبير سكانها عن غضبهم». تقول الكاتبة: «إن الثورات في مدن مثل رام الله عادة ما تكون مؤقتة، بحسب ما أخبرتها إحدى الفلسطينيات».

على الرغم من الموت والدمار في غزة، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس وما يحمله من دلالات، إلا إن تقاليد المسلمين الفلسطينيين في رمضان بقيت كما هي. حصل المسلمون الفلسطينيون على تصاريح دخول القدس، وسيتمكن سكان رام الله والخليل والقدس من الصلاة والإفطار سوية، والفرح بالصبية الصغار الذين يرشون الماء على وجوههم أثناء خروجهم من المسجد الأقصى. ستستمر زيارات هؤلاء للأقصى كل أسبوع حتى ينتهي الشهر ويتم منعهم، ليصلوا داعين إلى تغير الوضع الذي لا يبدو وأنه قد يتغير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك