لماذا نجحت عملية تحرير الرمادي في أواخر 2015؟ وهل يُمكن استغلال الزخم الذي ولّدته في المضي قدمًا تجاه تحرير باقي مدن العراق من قبضة الدولة الإسلامية؟ في مقالِه بجريدة «نيويورك تايمز»، يشرح «سليم الجبّوري»، المُتحدّث باسم البرلمان العراقي، الاختلافات بين عملية تحرير الرمادي الناجحة، وسابقاتها التي لم تحظ بكثير من النجاح، بل نتج عنها العديد من الانتهاكات بحقّ شعب العراق.

تحرير «الرّمادي».. السكّان المحليّون هم الحلّ

يُرجع «الجبّوري» نجاح الجيش العراقي في تحرير الرّمادي إلى ثلاثة أسباب رئيسة، أولّها هو الدّعم الأمريكي عن طريق الضربات العسكرية الجوّية، والمساعدات الاستخباراتية. وثانيها هو التعاون بين الجيش العراقي وحكومة الأنبار المحليّة.

أمّا ثالثها، والذي يعتبره الجبّوري «العنصر الأهم»، هو الاستفادة من القبائل السنيّة المحليّة، التي كان لها دور كبير في طرد الدولة الإسلامية من الرّمادي. اختلفت عمليّة الرمادي عن سابقاتها بفضل التعاوُن الذي أظهره السكّان المحليّون والقبائل مع حكومة الأنبار، إذ وفّروا الحماية للعائلات، ودافعوا عن القرى المحرّرة، وساهموا في استعادة المرافق والخدمات، وطاردوا الإرهابيين وأطبقوا عليهم قبل أن يلوذوا بالفرار. إنّ مفتاح الاستقرار طويل المدى في المقاطعة الشاسعة، كما يؤكد «الجبّوري»، هو السكّان المحليّون، والقبائل السنّية!

«الحشد الشعبي» وانتهاكات بحقّ أبناء العراق

يرى «الجبوري» أيضًا أنّ تحرير الرمادي كسر القوالب التي أرستها العمليات السابقة، حيثُ نجِد ميليشيّات طائفية غير قانونية، مستترة بستار قوات «الحشد الشعبي» التابعة للحكومة، تستغلّ تحرير المدينة في تنفيذ أجندتها الانتقامية، وارتكاب جرائم القتل وتدمير المساجد فيها. أجبرت هذه القوّات العديد من سكّان مقاطعتي «صلاح الدين» و«ديالى» على العيش في المخيّمات، بدلًا من العودة إلى ديارهم بعد أن تحرّرت من قبضة الجماعات المتطرفة. وفي مدينة «المقدادية»، بالقُرب من الحدود مع إيران، كانت الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية ستارًا لحملة تطهير عرقيّ لسكان المدينة، وهو ما أدّى إلى اشتعال الاضطرابات وأعمال العنف حتى يومنا هذا. وقد وثّقت منظمة العفو الدوليّة هذه الجرائم.

فشل حكومة بغداد في منع هذه الفظائع، وعدم قدرتها على احتواء الأزمة أو محاسبة الأطراف المجرمة، أدّى إلى توسيع الفجوة العميقة بينها وبين سكّان المناطق المحررة. إن كان لهذه المناطق أن تصمد ضد الدولة الإسلامية في المستقبل، فيجب على حكومة بغداد أن تساعدها في إعادة بناء اقتصادها، وتعويض المهجّرين قسريًا عن خسارة ممتلكاتهم، مواردهم، بل خسائرهم البشريّة كذلك.

مُفترق طرق

يؤكّد «الجبّوري»، في مقاله بـ «نيويورك تايمز»، أنّ العراق تقف في مفترق طرق. وأنّها لا يجب لها التردّي إلى «استراتيجيّة فاشلة تدع الميليشيات الطائفية تُحارب الدولة الإسلامية، ثمّ ترتكب فظائعها ضد المدنيّين»، خاصّة وأنّها تتطلع إلى تحرير «الموصل»، ثاني أكبر المدن العراقية. يخشى «الجبّوري» من ترك الحبل على الغارب للميليشات في تحرير المدينة المليونية ذات الأغلبية المُسلمة، وما قد ينتج عن فعل ذلك من كارثة إنسانية، وتفاقم لأزمة اللاجئين.

بدلًا من ذلك، يُمكن استغلال الزخم الذي نتج عن تحرير «الرمادي». بدعم المجتمع الدولي، وتحريك المجتمع المحلي والقبائل السنّية مثلما حدث في «الرمادي»، ودعم القوات الكردية المتمركزة في الشرق، الشمال والغرب، ستنجح العراق في عملية تحرير «الموصل» الصعبة. وما أن تتمّ استعادتها، سيتوجّب توزيع المسئوليات، والسماح للجماعات العرقية والدينية التي هربت إلى تركيا إبان سقوط المدينة، بالعودة مرة أخرى.

يُنهي «الجبوري» مقاله بالتأكيد على إيمانه الراسخ بأن عملية المصالحة في العراق ترتكز على أولويات ثلاث: تحرير الأرض، إعادة الإعمار، والمصالحة الوطنية. وبعد أن أظهر تحرير الرمادي «الطريق الصحيح للعراق»، يقع الأمر الآن على عاتق العراقيين، للسير فيه قدمًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد