تُظهر نتائج استطلاعات الرأي التي أجرتها شبكة الباروميتر الأفريقي (شبكة أبحاث مستقلة وغير حزبيّة، تجري استطلاعات للرأي عن الاتجاهات الديمقراطية والسياسية، والحكم والظروف الاقتصادية) أن المواطنين في موريشيوس أعربوا عن تراجع مستوى الثقة في مؤسسات الدولة. 

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعده الباحثان لويس أميدي دارجا، مدير شريك في مركز «ستراكونسلت» الذي يقدم استشارات بحثية لمؤسسات القطاع الخاص والعام والشركات في قارة أفريقيا، وسهيلة برولي، استشارية أبحاث في «ستراكونسلت»، سلَّطا فيه الضوء على تدهور النظام الديمقراطي في موريشيوس (المصنفة من بين أكثر الدول ديمقراطية في العالم)، واستشهدا باستطلاعات للرأي أُجريت خلال العقد المنصرم.

موريشيوس.. تصنيفات متضاربة

في بداية التقرير أشار الباحثان إلى التناقض في تصنيف دولة موريشيوس؛ إذ صنَّفتها «وحدة الاستخبارات الاقتصادية» التابعة لمجموعة «ذي إيكونوميست» في فبراير (شباط) الماضي من بين أكثر 20 دولة ديمقراطية في العالم، بينما صنَّفها في مارس (أذار) معهد «V-Dem/أنواع الديمقراطية» (معهد أبحاث مستقل، أسسه البروفيسور ستافان آي ليندبرج في عام 2014، ويتلقى تمويلًا من عدد من المنظمات الحكومية والبنك الدولي) من بين أسرع 10 دول في العالم توجهًا نحو الاستبداد.

يقول الباحثان: إن كلا التصنيفَيْن قد يكونان صحيحين؛ نظرًا لأن موريشيوس – التي ظلت لعقود تحتل أعلى مرتبة في تصنيف الدول الأكثر ديمقراطية في القارة السمراء – قد تكون على وشك التدهور الحاد في مستوى الديمقراطية. فما الذي يقوله مواطنو موريشيوس العاديون عن هذا الأمر؟ وهل يتشاركون مع المحللين الشعورَ بالقلق من انفراط عقد نظامهم الديمقراطي من بين أيديهم؟

وأفاد التقرير أن النتائج المستخلصة من استطلاعات الرأي التي أجرتها شبكة الباروميتر الأفريقي لعام 2020 تُظهر أن مواطني موريشيوس تساورهم شكوك عميقة بشأن الحالة السياسية في بلادهم، بل إنهم في حقيقة الأمر كانوا يستشعرون منذ وقت طويل إشارات الخطر قبل أن يكتشفها عددٌ من المحللين.

كيف أظهرت الانتخابات المعيبة وجود مشكلة؟

رجَّح التقرير أن تكون الانتخابات الوطنية التي شهدتها موريشيوس في عام 2019 – وشابتها اتهامات بارتكاب مخالفات وممارسات غير نزيهة – نقطةً من نقاط التحول. ومنذ ذلك الوقت وجَّه منتقدو حكومة رئيس الوزراء برافيند جوغنوث اتهامات ضدها بارتكاب تصرفات تنافي النظام الديمقراطي، والتي تشمل تقييد حركة أحزاب المعارضة والمنظمات غير الحكومية ومضايقتها. وغطت فضائح الفساد التي انتشرت في البلاد على إنجاز الحكومة في طريقة تجاوبها مع جائحة فيروس كورونا المستجد.

ولفت التقرير إلى أن «هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات» التابعة لحكومة موريشيوس أعلنت في أبريل (نيسان) عن خطط لفك تشفير جميع محتويات وسائل التواصل الاجتماعي، وفرض الرقابة عليها؛ مما أثار مخاوف بشأن الخصوصية وحرية التعبير في البلاد.

Embed from Getty Images

كما اعتقلت عناصر شرطة موريشيوس في مايو (أيار) المدعي العام السابق جيارام فالايدين، أحد أبرز المنتقدين للحكومة، واتهموه بخرق قوانين البلاد بشأن إجراءات فيروس كورونا المستجد عقب تنظيمه مظاهرة صغيرة لدعم الشعب الفلسطيني وعملية السلام في الشرق الأوسط.

وأشار التقرير إلى أن حوالي ثلاثة أرباع (76٪) من شعب موريشيوس قالوا في أول استطلاع رأي أجرته شبكة الباروميتر الأفريقي في موريشيوس منذ ما يقرب من عقد من الزمان: إن بلادهم دولة ديمقراطية على نحو فعَّال، وإنها واحدة من بين أعلى الدول في مستوى الديمقراطية من بين 35 دولة أفريقية. في حين رأى 59٪ فحسب من مواطني موريشيوس في آخر استطلاعَين للرأي أجرتهما شبكة الباروميتر الأفريقي في عام 2017 وعام 2020 أن دولتهم ديمقراطية؛ ما يعني انخفاض 17 نقطة مئوية في هذا التقييم على مدى ست سنوات.

وفي الوقت الراهن يرى أكثر من فرد واحد من بين كل ثلاثة أفراد من مواطني موريشيوس (36٪) أن بلادهم «ليست ديمقراطية»، أو أنها «دولة ديمقراطية تعاني من مشاكل كبيرة» (الشكل رقم 1).

الشكل رقم 1: هل الديمقراطية في موريشيوس آخذة في التدهور؟ استطلاعات شبكة الباروميتر الأفريقي من 2012 إلى 2020.

ويُظهر الشكل رقم 1 أن هناك شعورًا بالرضا عن النظام الديمقراطي في موريشيوس، ويتخذ ذلك الشعور نمطًا مماثلًا، إلا أن التدهور الحاد بدأ قبل وقتنا الراهن. ومن نقطة بداية مرتفعة مماثلة، قال 72٪ من الذين أُجرِيَ عليهم استطلاع الرأي في عام 2012 إنهم راضون «تمامًا» أو «جدًّا» عن مستوى الديمقراطية، لكن مستويات الشعور بالرضا عن أداء الديمقراطية انخفض بالفعل بنحو ست نقاط مئوية بحلول عام 2014، وانخفض بنحو 16 نقطة مئوية أخرى خلال الأعوام الستة التالية.

وفي عام 2020 أعرب حوالي نصف المشاركين في الاستطلاع (51٪) عن رضاهم عن أداء النظام الديمقراطي في البلاد.

تلاشي الثقة في المؤسسات العامة

يُبرز التقرير أنه على الرغم من أن أغلبية (63٪) المشاركين في استطلاع عام 2020 لا يزالون يشيرون إلى الثقة في جودة الانتخابات الأخيرة (2019)، فإن هذه النسبة تُمثِّل انخفاضًا حادًا أيضًا إذا ما وُوْزِنت بنسبة 90٪ من المشاركين في الاستطلاع الذي أجرِيَ عام 2012 لمعرفة آراء الناس عن الانتخابات التي أجريت في عام 2010. وخلال المدة نفسها تراجعت التصورات بأن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح من أغلبية ضئيلة (53٪ في عام 2012) إلى 41٪ فقط في عام 2020.

الشكل رقم 2: الثقة في مؤسسات دولة موريشيوس/استطلاعات شبكة الباروميتر الأفريقي من 2012 إلى 2020.

وأكد التقرير على أن مخاوف شعب موريشيوس العميقة بشأن ما يحدث في بلادهم تظهر على نحو صارخ عندما يتعلق الأمر بانهيار مستوى الثقة في مؤسسات الدولة (الشكل رقم 2). وقبل عقد من الزمان، تمتعت جميع المؤسسات الحكومية الرئيسة بثقة أغلبية ثابتة من المواطنين، ويشمل ذلك رئيس الوزراء (67٪)، ومجلس الأمة (65٪)، والائتلاف الحاكم (63٪). وبحلول عام 2020 انخفض مستوى الثقة في كل هذه المؤسسات بنسبة 25 نقطة مئوية أو أكثر.

وخلاصة القول إنه بينما بدأ الخبراء الدوليون مؤخرًا فقط في دق ناقوس الخطر بشأن تعرض حالة الديمقراطية في البلاد للخطر والتهديد، فإن مواطني موريشيوس العاديين كانوا على ما يبدو يُدركون أن المشاكل كانت تختمر منذ عدة سنوات.

وأفادت الاستطلاعات أنه على الرغم من تزايد مستوى عدم رضاهم عن الظروف السياسية في البلاد لم يزل شعب موريشيوس ملتزمًا التزامًا قويًّا بالنظام الديمقراطي. وصحيحٌ أن مستوى دعم الشعب للنظام الديمقراطي بوصفه أفضل نظام للحكم انخفض من 85٪ في عام 2012، لكنه ظل قويًّا عند 76٪ في عام 2020. بينما رفضت الأغلبية الساحقة البدائل الاستبدادية، مثل الحكم العسكري (90٪)، والحكم الفردي (90٪)، وحكم الحزب الواحد (95٪)، لكن الأغلبية تؤيد الانتخابات باعتبارها أفضل نظام لاختيار قادة البلاد (83٪).

حماية النظام الديمقراطي في موريشيوس

يُجيب التقرير أنه ربما تكون إحدى نقاط القوة المهمة في موريشيوس هي إيمان المواطنين بحرية تبادل المعلومات (انظر الشكل رقم 3). إذ يُؤيد ثلثا المواطنين (67٪) «حق وسائل الإعلام في نشر أي وجهات نظر وأفكار من دون رقابة حكومية»، ورأت نسبة مماثلة ضرورة تمتع وسائل الإعلام في البلاد بالحرية «الكاملة» أو «إلى حد ما».

الشكل رقم 3: وجهات النظر بشأن حرية وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في موريشيوس/استطلاعات شبكة الباروميتر الأفريقي من 2012 إلى 2020.

وبحسب «مؤشر حرية الصحافة العالمي»، تحتل موريشيوس المرتبة 61 على مستوى دول العالم في حرية الصحافة، لكنه أشار إلى أن وسائل الإعلام في موريشيوس تعاني من بعض المشاكل، من بينها الاستقطاب السياسي، والمعاملة غير المنصفة لوسائل الإعلام المقربة من المعارضة، لكن المؤشر أكد على أن وكالات الأنباء تتمتع بحرية تجعلها «صريحة جدًّا». 

أهمية حرية تبادل المعلومات للنظام الديمقراطي

ونوَّه التقرير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تُؤدي دورًا حاسمًا كذلك؛ إذ أفاد سبعة أشخاص من كل 10 من مواطني موريشيوس (69٪) أنهم يستقون بعض الأخبار من وسائل التواصل الاجتماعي يوميًّا، ويُعد هذا أعلى مستوى سجلته شبكة الباروميتر الأفريقي، والذي يتجاوز ضعف المتوسط ​​على مستوى القارة البالغ 29٪ داخل 32 دولة أفريقية. وقد يُفسر هذا اهتمام الحكومة بمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي والقلق العام المنتشر بشأن خطط الحكومة.

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
خوان كارلوس.. ملك إسبانيا الذي انتزع الديموقراطية من بين أنياب العسكر

ويدعم ثلثا المواطنين (66٪) إمكانية وصول عامة الشعب إلى الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، وعدم تقييدها، بالموازنة مع نسبة 21٪ فقط من المواطنين الذين يرون ضرورة تنظيم الحكومة إمكانية الوصول إلى الإنترنت. وفي ظل الجهود التي تبذلها حكومة موريشيوس للحد من حرية الخطاب السياسي، قد تتزايد قيمة وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها وسيلة مهمة للوصول إلى المعلومات وتبادلها على الرغم من أنها محل نزاع.

ويختتم الباحثان تقريرهما بالتأكيد على أنه سيظل أحد الأسئلة الحاسمة التي تحتاج إلى إجابة، سواء في موريشيوس، أو غيرها من الأنظمة الديمقراطية الأخرى المعرضة للخطر والتهديد: هل سيكون الالتزام الشعبي بالنظام الديمقراطي، والذي ربما مقترنًا بحرية تبادل المعلومات، كافيًا لوقف انزلاق البلاد نحو نظام أقل ديمقراطية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد