صدر اليوم حكمًا نهائيًّا بسجن راتكو ملاديتش، القائد العسكري السابق في الجيش الصربي، والمعروف بـ«سفاح البوسنة»، و«جزار البلقان»، مدى الحياة لارتكابه جرائم إبادة جماعية في حرب البلقان على خلفية مذبحة سربرنيتسا التي وقعت عام 1995. وكان راتكو قد قدَّم استئنافًا للحكم الذي صدر في حقه عام 2017 من محكمة لجرائم الحرب تابعة للأمم المتحدة في لاهاي، والذي قضى بسجنه مدى الحياة. 

وفي ضوء هذا الحدث نعود لنستذكر التقرير الذي نشرته مجلة «ذا نيويوركر» الأمريكية والذي أعدَّه رئيس تحريرها ديفيد رودي عام 2017 إبَّان إصدار حكم الإدانة بحق راتكو ملاديتش، والذي تحدث فيه عن حيثيات ارتكاب هذه المجزرة المروِّعة بحق مدنيِّي البوسنة والدوافع وراءها. 

«محض هراء.. لا قتلى ولا مجازر»

استهل الكاتب تقريره بالقول: في عام 2017، وقبل دقائق قليلة من إدانته بارتكاب جرائم إبادة جماعية في محكمة جرائم الحرب الدولية في لاهاي، سَخِر راتكو ملاديتش، القائد العسكري السابق في الجيش الصربي، والذي كان يبلغ من العمر 74 عامًا ساعة النطق بالحكم، من التهم الموجهة إليه. وصرح ملاديتش في وجه اللجنة المكونة من ثلاثة قضاة أثناء نطقهم بالحكم قائلًا: «كل ما تقولونه هو كذب محض، عار عليكم». ثم أُجبِر ملاديتش على مغادرة قاعة المحكمة، وأعلن القضاة رسميًّا أنه مدان بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب ضد الإنسانية لإسْهَامه في أكثر الأعمال وحشية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. 

Embed from Getty Images

وحكمت اللجنة المؤلفة من ثلاثة قضاة، وهم خبراء قانونيون من هولندا، وجنوب أفريقيا، وألمانيا، بأنه كجزء من حملة ملاديتش لترويع المسلمين والكرواتيين من أجل ترك الدولة الصربية، تعرَّضت مجموعات من النساء والفتيات التي لم تتجاوز أعمارهن الثالثة عشرة للاغتصاب على نحو روتيني ووحشي من قِبل قوات ملاديتش.

وبيَّن القضاة بالتفصيل كيف قتل الجنود بقيادة ملاديتش السجناء والمسلمين العزَّل وعاملوهم بوحشية وجوَّعوهم. ولقي 24 سجينًا مصرعهم خنقًا في إحدى عربات نقل السجناء. وفي أحد المعسكرات، أطلق الجنود النار على 190 سجينًا. وفي إحدى المرات «أُجبر المعتقلون على الاغتصاب وممارسة أفعال جنسية مهينة مع بعضهم البعض». وتعمدت قوات ملاديتش «قصف السكان المدنيين في سراييفو» بينما كان السكان «يسيرون مع أطفالهم، أو يجلبون المياه، أو يجمعون الحطب، أو أثناء وجودهم في أسواقهم».

كما احتجزت قوات ملاديتش قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة باعتبارهم رهائن في محاولة لإيقاف الضربات الجوية الانتقامية التي كان يشنَّها حلف شمال الأطلسي. وفي الأشهر الأخيرة من الصراع، وبعد الاستيلاء على مدينة سربرنيتسا، قتلت هذه القوات «على نحو ممنهج عدة آلاف من الرجال والصبية المسلمين البوسنيين». وصرَّح ألفونس أوري، رئيس المحكمة، قبل الحكم على ملاديتش بالسجن المؤبد قائلًا: «الجرائم المرتكبة من أبشع الجرائم التي عرفتها البشرية». 

الجرائم المروِّعة تلاحق المجرمين ولو بعد حين!

وأضاف الكاتب: قد يُعذَر الأمريكيون، لا سيما الأصغر سنًا منهم، لكونهم مشوَّشون بسبب توقيت إصدار هذا الحكم. لكن ملاديتش ارتكب جرائمه قبل أكثر من 20 عامًا خلال حرب البوسنة. وفرَّ ملاديتش بعد أن توسطت الولايات المتحدة لعقد اتفاق سلام أنهى الصراع الذي أسفر عن مقتل 100 ألف شخص. وتهرَّب من الاعتقال لأكثر من 14 عامًا، وكانت محاكمته هي الأخيرة التي ستنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، وهي هيئة أنشأتها الأمم المتحدة وعمرها 24 عامًا وفصلت في قضايا جميع الأشخاص الـ161 الذين وُجِّهت إليهم تُهَم بارتكاب جرائم حرب، بمن فيهم 65 شخصًا اعتُقلوا وقُدِّموا إلى لاهاي للمحاكمة. 

ترفيه

منذ 3 شهور
مترجم: «كوو فاديس.. عايدة».. فيلم يذكِّر العالم بالإبادة الجماعية لمسلمي البوسنة

وجاء الحكم الذي أصدره القضاة في 2526 صفحة، وهو نتيجة محاكمة دامت لخمس سنوات شملت 591 شاهدًا، وما يقرب من 10 آلاف مستند. ورفض المدافعون عن ملاديتش الحكم على اعتباره مؤامرة ضده وتوعدوا باستئنافه. وقال داركو، نجل ملاديتش، إن والده أخبره بعد صدور الحكم أن المحكمة كانت من «حلف الناتو.. وتحاول تجريم المسعى القانوني للشعب الصربي في وقت الحرب الأهلية من أجل حماية نفسها من تهمة الاعتداء»، فيما بثَّت قناة روسيا اليوم المدعومة من الدولة تقارير إخبارية متكررة تطرح تساؤلات بشأن مدى حقيقة مقتل آلاف المسلمين بالفعل في سربرنيتسا.

وتابع الكاتب: وكان الدبلوماسيون الذين حاولوا إنهاء الحرب، والصحافيون الذين غطُّوا وقائعها، بمن فيهم أنا، قد أمِلوا أن تقدم المحكمة في النهاية بعض الإجابات عن الأسئلة التي لم تجد لها حلًا، بما فيها سبب ترجيح ملاديتش ذبح عديد من الناس علانيةً. وجاء في الحكم أنه بعد يوم واحد من سقوط سربرنيتسا في 12 يوليو (تموز)، تخلَّت القوات الصربية البوسنية عن خطة سابقة لإيواء الآلاف من الرجال والصبية المسلمين الأسرى في معسكر اعتقال في بلدة باتكوفيتش. وبدلًا عن ذلك نفَّذوا عمليات إعدام بإجراءات محدودة في ستة مواقع في شرق البوسنة.

وتتحدث لوجستيات القتل عن نوايا سبق إصرار وترصد؛ فقد كان هناك حاجة لعشرات الحافلات لنقل الرجال والفتية إلى مواقع الإعدام. وكان هناك حاجة لتجنيد عدد من المنفِّذين المستعدين لإطلاق النار على السجناء العزَّل. واختيرت الحقول النائية والمزارع والمراكز المجتمعية بوصفها أماكن لتنفيذ عمليات الإعدام. واستُخدمت الجرافات والحفارات لحفر المقابر الجماعية وملئها بالجثث.

أسباب ودوافع خفية للمجزرة

ويروي الكاتب أنه بعد صدور الحكم، أخبره كارل بيلت، مبعوث السلام من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة الذي التقى ملاديتش خلال النزاع وطالبه بحماية سجناء سربرنيتسا، أن قرار ملاديتش ما زال يطارده. وبينما استطاع المُدَّعون إقناع بعض المسؤولين بالإدلاء بشهاداتهم ضد ملاديتش، إلا أن ما كان يدور في ذهن الجنرال عندما أمر بالقتل لم يزل غير واضح.

وعلَّق بيلت على ذلك في رسالة أرسلها إلى الكاتب عبر البريد الإلكتروني قائلًا: «لماذا لم يزل هذا أمرًا غامضًا إلى حد ما؟». «فربما ببساطة أرهقتهم لوجستيات التعامل مع آلاف السجناء، أو ربما استبدَّ بهم الغضب أو الانتقام أو الكراهية حتى دفعهم إلى ما قد يُرى اليوم على أنه أسهل طريقة للتعامل مع الموقف». وأضاف: «ربما، لكنني لم أزل أعاني مما حدث». 

وينقل التقرير عن ديفيد هارلاند، دبلوماسي كبير سابق في الأمم المتحدة في البوسنة، قوله إن عمليات الإعدام الجماعية ترقى إلى خطأ إستراتيجي فادح ارتكبه ملاديتش؛ لأن نطاقها الكبير أجبر الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي على التدخل ضد الصرب في الحرب. وقال هارلاند للكاتب: «يبقى اللغز الكبير هو: لماذا؟ وليس لماذا كل هذه القسوة، بل لماذا كل هذا الغباء».

Embed from Getty Images

وقال حسن نوهانوفيتش، أحد الناجين من المجزرة للكاتب: «إنه من غير المهم بالنسبة لي لماذا فعل الجنرال هذا أو ذاك، ولا يهمني إن كان هناك دافع لديه أم لا، الشيء الوحيد المهم هو أنه ارتكب ذلك فعلًا». 

وكان نوهانوفيتش، الذي أُعدِم والده ووالدته وشقيقه بعد أن سلمتهم قوات حفظ السلام الهولندية إلى قوات ملاديتش، قد دعا المجتمع الدولي إلى أخذ وعده بحماية المدنيين بجدية أكبر. وفي سلسلة من الإجراءات في سربرنيتسا، التي أصبحت نموذجًا لكيفية عدم التدخل في أي نزاع في المستقبل، أعلنت الأمم المتحدة المدينة المحاصرة «منطقة آمنة»، واستولت على الأسلحة الثقيلة التي استخدمها السكان البوسنيون المسلمون للدفاع عن أنفسهم، ثم لم تبذل سوى جهد ضئيل لحماية المنطقة عندما اجتاحتها قوات ملاديتش. وحرَّضت بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في البلدة على عمليات القتل بدلًا عن منعه، وفقًا للكاتب. 

وقال نوهانوفيتش: «أعتقد أننا يجب أن ننظر إلى الأشياء بطريقة بسيطة للغاية، فالمنطقة كانت منطقة آمنة في حماية الأمم المتحدة. وكان يجب أن يكون هذا مانعًا للإبادة الجماعية وليس استمرارًا لها».

تعصُّب وكراهية

ويلفت التقرير إلى أن القضاة استشهدوا في حكمهم بتصريحات ملاديتش المتكررة، على اعتبارها جزءًا من دوافعه لارتكاب المجزرة، بأن المسلمين في سربرنيتسا قد قتلوا المدنيين الصرب في وقت سابق من الحرب. ويوضح الكاتب أن (المسلمين البوسنيين قتلوا عدة مئات من المدنيين الصرب حول المنطقة، وهو عدد أقل بكثير من الـ7 آلاف الذين قُتلوا على يد قوات ملاديتش عام 1995). وخلال الحرب تذرَّع ملاديتش مرارًا وتكرارًا بإساءة معاملة الصرب من قِبل الإمبراطورية العثمانية التي احتلت يوغوسلافيا السابقة لعدة قرون.

ولتقديم أدلة على تعصب ملاديتش، أشارَ القضاة إلى مقطع فيديو تلفزيوني صربي بُث عام 1994 أظهر ملاديتش وهو يتجوَّل في قرية كانت خالية من المسلمين الذين وصفهم بـ«الأتراك». وقال ملاديتش: هذه هي قرية بلين التي كانت تركية، وقال متحدثًا إلى مصوِّر مجهول: «نحن نتجه صوبها الآن، دع الصرب يرون ما فعلنا من أجلهم وكيف خلصناهم من الأتراك فقد سحقناهم». فلو لم يحمهم الأمريكيون، والإنجليز، والأوكرانيون، والكنديون، والهولنديون، في سربرنيتسا، لذهبوا من هذه المنطقة منذ مدة طويلة. وأضاف ملاديتش: انظروا إلى هذه القرية التي حصلوا عليها انظر هناك، وبينما تُظهر الكاميرا المنازل المدمرة يقول ملاديتش: «هل تريد أن أبطئ المشي قليلًا كي تستطيع التصوير؟ التقط الصور، صوِّرها. انظر إلى هذا المنزل الذي كان يمتلكه التركي اللعين، كان هذا منزلًا تركيًّا، كل هذه المنازل كانت للأتراك». 

Embed from Getty Images

يبدو إذًا أن ملاديتش كان دافعه التعصب بكل بساطة. واستشهد القضاة في الحكم أيضًا بشهادة أحد جنود حفظ السلام الهولنديين الذي قال إن الجنرال حذَّره من مخاطر العيش بين المسلمين والأعراق الأخرى. وقال ملاديتش للشاهد، معلِّقًا على لون البشرة الداكن لأحد ضباط الكتيبة الهولندية: إن «المجتمعات المتعددة الأعراق تمثل مشكلة لهولندا، وأنه في غضون 10 سنوات سيكون هو وجنوده في هولندا لحماية الهولنديين من المسلمين والأعراق الأخرى». 

ويختم التقرير بالقول: كان ملاديتش مخطئًا، واليوم يقبع في زنزانة مع سجين هولندي، حيث غالبًا سيموت فيها. إلا أن الروايات التاريخية يملؤها التحيز، والتي استخدمها لتبرير جرائمه قائمة. وقال ميلوراد دوديك، رئيس منطقة الحكم الذاتي الصربية التي نشأت من عمليات الطرد التي مارسها ملاديتش على المسلمين والكرواتيين، إنه بغض النظر عن الحكم، فإن الجنرال «سيبقى أسطورة بالنسبة للأمة الصربية». ففي صربيا استعاد السياسيون القوميون الذين فقدوا مصداقيتهم في السابق مكانة بارزة. كما أن الزعماء الذين يلعبون على مشاعر القومية وكراهية الأجانب يفوزون بالأصوات في جميع أنحاء أوروبا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد