هذا الطفل السوري الرضيع الغارق، الذي جرفته الأمواج إلى الشاطئ، واضعة رأسه في اتجاه الرمال.. كان هو وعائلته من اللاجئين السوريين الفارين من جحيم الحرب الأهلية في سوريا محاولين الوصول إلى شواطئ اليونان، ولكن قاربهم الصغير المكتظ باللاجئين انقلب وسط أمواج البحر المتوسط مسببًا غرق هذا الطفل الرضيع بالإضافة إلى أخيه وأمه.صورة هذا الرضيع إيلان كردي ذي الثلاث سنوات غارقًا على أحد الشواطئ التركية انتشرت بسرعه البرق مسببة ما يشبه بالصدمة التي هزت الضمير الغربي ووجهت اهتمام الولايات المتحدة وأوروبا إلى أزمة اللاجئين بقوة.

1

مثلت هذه الصورة العنوان الرئيسي لأغلب الصحف العالمية معلنة رسالة إلى جميع المواطنين الغافلين في ما أسموه بالعالم الحر، كما عنونت إحدى الصحف “هكذا تبدو الحرب”. ربما يكون وصف الموت والذين يعانون من جحيمه بالنسبة لبعض الأشخاص والحكومات هو “السياسة الخارجية”. في كل يوم، يضطر أطفال كإيلان الرحيل والهروب بحرًا من خلال ليبيا، أو يتعرضون لضربات طيارات بدون طيار في باكستان وآخرين يموتون جوعًا في اليمن، هذا ما يحدث في كل لحظة تقريبًا. كل حالة من بين هذه الحالات تخلق مشهدًا مروعًا تماما كالذي تراه في صورة الطفل السوري الغارق، حتي وإن لم يتم تصويرها وعرضها على الملايين. إيلان الذي غرق بين ذراعي والده، والذي حاول يائسا إبقاء رأسه فوق الماء، ربما شكلت هذه الصورة معاناة الكثير من الأسر السورية الأخرى من اللاجئين

هذه الصورة ربما تشكل البداية وليس النهاية، خصوصا بالنسبة لكل من لهم أطفال صغار، شكلت هذه الصورة صفعة قوية بالنسبة للجميع. الأمر لا يستغرق سوى ثوان لإدراك كيف يشعر والد هذا الطفل، بالتأكيد هو أمر بالغ القسوة وأمر بالغ القهر أن ترى هذه النهاية لطفلك. تخيل التفاف يدي ابنته حول رقبته والتصاق ابنه به طالبين منه الحماية التي ربما لا يستطع إعطاءها لهم في ذلك الوقت، ليس من المستغرب أيضًا الانتشار الكبير لتلك الصورة.

2

في عنوان خبر عاجل آخر في أحد الصحف حمل هذا العنوان: هكذا تبدو الحرب، الجحيم برًا وبحرًا. ما تراه في وجه هذا الرجل من ضيق وحزن يشعر به في هذه اللحظة الملايين من الأباء والأمهات الذين تم إبعادهم اضطراريا عن منازلهم ومصادر رزقهم في تلك البلد التي حل جحيم الحرب بها، والتي بالتأكيد امتلأت بتلك الأسلحة التي أرسلها الغرب إلي هناك، هذا الأمر يحدث في العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان واليمن والصومال وفلسطين وأوكرانيا وغيرها من الدول.

إنه لمن العار أن يكون هذا التعاطف والمواساة وتخيل المزيد من هذه المأساة، وتكررها، أن ترى الشعوب الغربية كل ذلك، وفي نفس الوقت أن تقف داعمةً لسياسات حكوماتها التي ربما أدت إلي المزيد والمزيد من هذا الدمار في تلك البلدان.

ومن ثم يتم إثارتهم وتوجيههم بعد ذلك، لا يكتفون فقط بجهلهم بواقع الأمر فقط بل يتم استخدامهم في دعم هذا التدخل الذي يعد أمرا رئيسيًا في هذه الأزمة.

دعاة الحرب داخل الحكومات والإعلام لديهم رأي مخالف، ولكن من المتوقع استمرار محاولتهم لتصعيد التوتر عن طريق تسخير قضية الطفل إيلان لخدمة مساعيهم. إنهم يعتبرون أن هذا الطفل قد غرق بسبب أن الغرب لم يتدخل بما فيه الكفاية لردع الديكتاتور السوري بشار الأسد، وأن هذا ما يجب فعله الآن لكي لا يلقى المزيد من الأطفال نفس المصير.

وجهة النظر تلك خاطئة، الطفل إيلان هو ابن لعائلة كردية من مدينة كوباني وقد اضطروا إلى الفرار من المدينة بعد حصارها، ليس بواسطة قوات الأسد، ولكن بواسطة داعش التي تمثل أحد أعداء الأسد.

نشاط داعش القوي في هذه المنطقة بالتحديد من سوريا كان سببه الأساسي هو تدعيم الولايات المتحدة والغرب عمومًا للمجموعات الجهادية في هذه المنطقة بالسلاح والدعم، لمواجهة قوات بشار الأسد، تلك المجموعات التي التحقت فيما بعد بما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية.

التدخل الغربي في الشأن السوري استمر بشدة علي الأقل منذ عام 2012. في واقع الأمر، ذلك التدخل الغربي هو السبب الرئيسي لتفاقم الصراع وطول مدته واستمراره إلى الآن ما أدى حتى هذا اليوم إلى سقوط قرابة 250 ألف قتيل.

ولكن نظرًا لكون الكثير من هذا التدخل تم سرًا بعيدًا عن الأنظار، فلم يتلق الكثير من التغطية الإعلامية ولم يلفت انتباه الجماهير. لذا يمكن القول بأن “النكسة الحالية” نتجت عن هذا التدخل، بما في ذلك غرق هذا الطفل السوري، يمكن توجيه اللوم والاتهام فيه الي التدخل العلني والمباشر للغرب في الأزمة.

بهذه الطريقة، استغلت الحكومات لفترات الطويلة نسيان شعوبهم وربما سذاجتهم في بعض الأحيان في تنفيذ مخططاتهم وخوض حروبهم.

علاوة علي ذلك، إذا استطاعت الحكومات الغربية تحقيق رغبتها في الإطاحة بالأسد وهزيمة وتفكيك قواته، فسيؤدي ذلك بكل تأكيد إلى انتهاء أي مقاومة لداعش على الأرض، وكذلك المجموعات التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا وغيرها من المجموعات الجهادية الدولة السورية.

برغم سوء وضع أزمة اللاجئين حاليًا، تخيل فقط ما سيصبح عليه الأمر إذا قررت كل الأقليات الدينية الأخرى الفرار من هذا الجحيم وهذا العنف والطائفية الشديدين والذي تقوده بقوة مجموعات سنية مسلحة ومدعمة بواسطة أسلحة غربية.

بدلًا من منع مزيد من المآسي كمأساة الطفل إيلان، المزيد من التدخل سيؤدي إلى تكرار هذه الحالة كثيرا بدلا من حلها.

ربما تكون تلك الصورة التي رأيتها للطفل الغريق علي فيس بوك مروعة جدًا. هذا جيد، ويعني أن قلبك لم يتصلب تماما ولم يتم ملؤه بتلك الشعارات القومية العنصرية الفارغة والمعادية للأجناس الأخرى، ولكن لا تجعل من نفسك عرضة بسبب ذلك للتلاعب بواسطة دعاة الحرب. لا يجب أن يكون رد فعلك الواعي والمدرك هو أمر مؤقت فقط أو أن يتوقف موقفك فقط على الضغط على زر الإعجاب ومشاركة تلك الصورة وبعد ذلك نسيان الأمر في غضون أيام، لكي تشارك في تحقيق العدالة لذلك الطفل السوري، يجب أن تساعد في وضع الأمور في نصابها ومسارها الصحيح.

أولى خطوات مشاركتك في المسار الصحيح هي الفهم الجيد للأمور. زيادة التوعية عن الدور الذي أدى له التدخل الأجنبي في سوريا وما له من تبعات كتعميق الصراع الداخلي هو ما خلق لنا هذا العدد الهائل من اللاجئين في تلك الحروب الدائرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا بشكل عام. بعدما تصل إلى هذا الفهم والقناعات الشخصية، سيتوجب عليك نشر هذه الثقافة والفهم بين الآخرين.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد