يتجادل عشاق القراءة أحيانًا في فائدة قراءة قصص الخيال العلمي ورواياته، والبعض يرون أنَّ الفائدة الحقيقية موجودة في الكتب العلمية والثقافية. لكنَّ جيمس هولمز، أستاذ الاستراتيجية البحرية بكلية الحرب البحرية، والمؤلف المشارك لكتاب Red Star over the Pacific، يرى أنَّ قراءة كتب الخيال العلمي من الممكن أن تُساعد على تحسين التفكير الاستراتيجي، حسبما جادل في مقالٍ نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية.

يُشير هولمز إلى نقاشٍ خاضه مع أحد الزملاء بشأن إيجابيات تطبيق الخيال وسلبياته بوصفه مُحفِّزًا للفكر الاستراتيجي. رفض مُحاوره الفكرة من جذورها، مُصِرًا على أنَّ ذلك يُمثِّل مُبادرةً غير جادةٍ لا تتناسب مع أي عالمٍ أو مُحللٍ جادٍ في أي مركز بحثي. بينما هو يعتقد أنَّ على الإنسان أن يستقي الحكمة أينما وجدها. فربما يجدها في مجلدٍ عن التاريخ أو العلوم السياسية أو الاقتصاد، وهو ما يحدث في كثيرٍ من الأحيان، لكنَّها يُمكن أن تتواجد أيضًا في روايةٍ أو قصةٍ قصيرةٍ أو حتى قصيدة. وضرب مثالًا بالشاعر الإغريقي هوميروس، الذي يرى أنَّه يمتلك أفكارًا عن الحرب والاستراتيجية والحالة الإنسانية أكثر من معظم الباحثين، ولهذا السبب ما تزال نُسخٌ جديدةٌ من الإلياذة والأوديسة تصدر بوتيرةٍ منتظمةٍ بعد مرور 3 آلاف عام.

لكن أضاف هولمز أنَّنا مع ذلك يجب أن نكون حذرين في التعامل مع قصص الخيال التاريخية دون شك. فكتابة قصة تاريخية عن «واقعٍ مضاد» في الماضي تتطلب تغيير مُتغيِّرٍ واحدٍ وسط مجموعة الظروف التي شكلت الماضي، متغير كان من الممكن بالفعل أن يختلف عمَّا كان عليه، ثم تقدير كم التعديل الذي سيطرأ على التاريخ بمُجرَّد تغييره. ولهذا يجب أن يكون هناك قدرٌ من الواقعية في اختيار المُتغيِّر، ونوعية التعديل الذي يُطبِّقه المُؤلِف عليه.

ويوضح الكاتب أنَّه لذلك السبب ليست كل قصص الخيال العلمي تصلح وسائل لتحسين التفكير الاستراتيجي. ويضرب مثالًا بذلك قصة خيالية تفترض أنَّ قادة اليابان العسكريين رفضوا خطة الأدميرال إيسوروكو ياماموتو للهجوم على ميناء بيرل هاربر. ويرى أنَّ هذا مثال معقول على التاريخ البديل. ودراسة هذا التاريخ تُساعد في تسليط الضوء على الحقائق الدائمة بشأن الدبلوماسية، وصعود الأُمم وسقوطها، والاستراتيجية وحرب أعالي البحار.

أمَّا لو كانت القصة عن واقعٍ بديل يسيطر فيه جيش ولاية فرجينيا الشمالية الذي كان يقوده الجنرال روبرت إدوارد لي على شُحنة بنادق أيه كيه-47 في خِضَم القتال الدائر عام 1864، فهذه قصة بحسب هولمز لن تفيد كثيرًا، ولن تقدم أي دروسٍ مستفادة، رغم كونها مثيرةً ومشوقة.

ويُؤكِّد هولمز أنَّ قراءة قصص الخيال العلمي تتطلب بعض العناية أيضًا، رغم أنَّ تخيُّل المستقبل أقل محدودية بكثير من تخيُّل ماضٍ مختلف. ويرى أنَّ قصص الخيال العلمي غريبة الأطوار يمكن أن تقدم دروسًا مفيدةً أيضًا. وأنَّ هناك سببًا منطقيًّا لإدراج كتاب أورسن سكوت كارد Ender’s Game على قائمة القراءة لسلاح مشاة البحرية الأمريكية، بجوار الدراسات الأعظم شأنًا عن الحرب البرمائية وما شابهها.

لتقرأهم مع العام الجديد.. 11 رواية عربية فازت بجوائز أدبية في 2018

تتناول أحداث كتاب Ender’s Game الحرب في الفضاء بصورةٍ سطحية. لكنَّها تتمحور بحسب الكاتب حول أهمية المهارات العقلية والجسدية وسط الظروف التكتيكية والعملياتية المُتغيِّرة. وهذه من الخصال التي يهدف سلاح مشاة البحرية لغرسها في ضباطها ومُجنَّديه.

أمَّا كتب الخيال العلمي الأكثر واقعيةً، فيرى الكاتب أنَّها تسلط الضوء بشكلٍ واضحٍ على المُستقبل المُنتظر في عالمنا المُعاصر واتجاهاته، وتتوقَّع تأثير تلك الاتجاهات، وتُقدِّم نصائحها في كثيرٍ من الأحيان بشأن كيفية تجنُّب المُستقبل المُظلم المحتمل. وهذا من الممكن أن يكون فائدةً مهمة من تلك الكتب الخيالية.

ويذكر هولمز أنَّه في هذا الصدد، يُدرِج سلاح البحرية الأمريكية وسلاح مشاة البحرية رواية Ghost Fleet على قوائم القراءة الخاصة بهما. ويشير إلى أنَّه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حضر ندوةً عن «ذكاء الخيال» قدَّمها أوجست كول، المُؤلف المُشارك في رواية Ghost Fleet. ذكاء الخيال هو تعبيرٌ جديدٌ من ابتكار كول، يُشير به إلى استخدام الخيال مُحفِّزًا للفكر الاستراتيجي.

يعمل كول وشريكه المُؤلِّف بي دبليو سينجر في دراسة التكنولوجيا والتطوُّرات العسكرية، ويطرحان السؤال التالي: ما الذي يُمكن أن يحدث خلال حربٍ مُستقبليةٍ بين الولايات المتحدة والصين في المحيط الهادئ، في حال استمرت اتجاهات الاستراتيجية والعقيدة وهيكل القوات الحالي لسنواتٍ قليلةٍ قادمة؟ لكنَّ إجابتهما على هذا السؤال سوداوية، رغم أنَّ المستقبل المشؤوم الذي يتنبأ به كلاهما يبدو بعيدًا كل البُعد عن إمكانية التدخل لتغييره.

ويرى هولمز أنَّ تقديم نسخ مختلفة من التاريخ يحمل شكلًا من أشكال التساؤل يدفعنا إلى التفكير. والكتابة تهدف في المقام الأول إلى مساعدة الناس على التفكير.

ويشير الكاتب إلى مثالٍ آخر، وهو المقال الحائز على عدة جوائز، وكتبه النقيب ديل رايليج بعنوان «How We Lost the Great Pacific War»، أو «كيف خسرنا حرب المحيط الهادئ العُظمى؟»، والذي نُشِرَ في عدد شهر مايو (أيار) من مجلة «بروسيدنجز»، التي يُصدرها معهد البحرية الأمريكية. المقال يحاول تخيل المستقبل كما تفعل رواية Ghost Fleet. ويُحذِّر فيه الكاتب من الآثار المُترتِّبة في حال فشلت البحرية الأمريكية في إعادة تشكِّيل الثقافة المُؤسسية التي اعتادت عليها في أوقات السلم، لتحولها إلى ثقافةٍ جديدة مناسبة أكثر للواقع المليء بالتهديدات.

«37 قتيلًا يوميًّا».. أرقام صادمة عن الأمن وحمل السلاح في أمريكا

يرى هولمز هذا المقال قطعةً فنيةً مصوغةً ببراعة جديرة بالاستحواذ على وقت القارئ؛ إذ اختار القبطان رايليج المُتقاعد الآن أن تدور أحداث المقال في عام 2025، لذا تمكَّن من انتقاد ممارسات البحرية الأمريكية في وقتنا الحاضر دون أن يُثير بذلك حفيظة كبار قادة البحرية. والمقال مكتوب في صورةٍ اعترافٍ بالذنب من قائد أسطول الولايات المتحدة في المحيط الهادئ، الشخص الذي يُشرف في هذا المستقبل المُتخيل على هزيمة الولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ.

بحسب الكاتب، الانتصار الكبير على منافسٍ لدودٍ وعنيدٍ هو سلاحٌ ذو حدَّين؛ إذ تسمح أجواء الانتصار المتساهِلة للمؤسسات بأن تقع فريسةً لعاداتٍ سيئة؛ فيؤجَّل التفكير في أي أمرٍ لحين الحاجة. وبهذا، إذا لم يَلُح في الأفق شبح أي عدوٍ لدود، لماذا نُخزِّن احتياطيًّا قطع الغيار والأسلحة، ولماذا نُعين قوةً بشريةً إضافيةً في كل سفينة كي نحتاط لخسائر المعارك؟ ويصبح تفكير الجيوش كأهل الصناعة، يتمحور فقط حول تقليل التكاليف وزيادة الكفاءة.

لكنَّ هولمز يرى أنَّ تلك الطريقة في التفكير لا تصلح لأوقات الحرب، حينها تنتهي صلاحية ذلك التفكير. إذ تحتاج القوات البحرية لفائضٍ من كل شيءٍ في وقت الحرب. وتظهر الأزمة حين يُبحر أسطولٌ في طريقه للحرب دون ذخائر وطواقم احتياطية.

ويوضح الكاتب أنَّه في أوقات السلم هذه، حين توشك الكفاءة على التحوُّل إلى مذهب، تُنسى الحكمة الأساسية المتعلقة بأنَّ الحرب تُكلف الكثير من الضحايا والموارد. وقصر النظر هذا تجاه طبيعة النزاع العسكري يجعل العودة إلى التنافس الاستراتيجي مع القوى العظمى أكثر صعوبة؛ فالجمود البيروقراطي والثقافي المُترسِّخ يُثقِل حينها كاهل الجهود المبذولة للتكيُّف مع واقع الحرب البحرية القديم، الذي يعد جديدًا حينها بسبب نسيانه.

يرى هولمز أنَّ مقال رايليج يبدو تحذيرًا مُقنعًا من الشعور بالرضا. لكنَّه يختلف مع بعض تنبؤاته. فهو يُحمِّل البحرية الأمريكية مسؤولية الفشل في إعادة إحياء نموذج «أسطول آسياتيك» لخدمة عملية نشر القوات في اليابان. قبل قرنٍ من الزمان، كان أسطول آسياتيك الأمريكي عبارةً عن قوةٍ من السفن الحربية قليلة الكفاءة التي ليس بإمكانها أن تفعل أي شيءٍ أكثر من رفع العلم الأمريكي. وكان لذلك النموذج فوائده في ذلك الوقت، لكنَّه لن يكون فعالًا اليوم.

كان أسطول آسياتيك يُعَدُّ بمثابة قوةٍ دبلوماسيةٍ أكثر من كونها قوةً حربية، مما أدى إلى مصيره المحزن في عام 1942، حين قضت عليه البحرية الإمبراطورية اليابانية. لكنَّ الدفاع عن جزر الفلبين والحفاظ على خط اتصالٍ مع الصين شكَّلا المهمة الرئيسية التي كان الأسطول منوطًا بها. بينما يُعزِّز حاليًا أسطول الولايات المتحدة السابع، من التحالف الأمريكي مع اليابان، وهذا الأسطول هو خليفة أسطول آسياتيك، وهذه مهمةٌ ذات أولويةٍ قصوى.

مترجم: «البوابة المسحورة».. رواية يكتبها ضابط أمريكي سابق لمناهضة حروب أمريكا

يوضح هولمز أنَّ الفلبين كانت أرضًا أمريكيةً في ذلك الوقت، لذا اضطرت للاكتفاء بأي مواردَ عسكريةٍ تُقرِّر واشنطن تخصيصها. في حين تُعد اليابان اليوم الحليف الرئيسي للولايات المتحدة داخل منطقة الشرق الأقصى، ولن تمتلك الولايات المتحدة موقعًا استراتيجيًّا في المنطقة دون هذا التحالف، وسيُؤدي تقليص الأسطول السابع في مقابل إنشاء أسطول آسياتيك جديد إلى اعتقادٍ في طوكيو بأنَّ أمريكا تسحب رجالها وتهرب من المنطقة.

باختصار، يرى الكاتب أنَّ مثل هذه الخطوة من شأنها أن تُؤدي إلى توتر العلاقات التي ترتكز عليها سياسة الولايات المتحدة في آسيا. إذ ستجعل اليابان تقبل بالهيمنة الصينية، وهذا سيضر التحالف. ووصفة رايليج، التي تنطوي على إعادة القوات إلى أرض الوطن لتحديثها وإعدادها لحرب المحيط الهادئ، تبدو منطقيةً للغاية من الناحية المادية والعملية، لكنَّ السياسات الناتجة عنها يُمكن أن تُؤدي إلى وقوع كارثة.

وهذا هو الدرس المستفاد من قصص الخيال العلمي بحسب هولمز؛ فغرض هذه القصص ليس أن يُجمِع الكل على فرضياتها، إذ لا يُمكن للخيال أن يتنبأ بالمستقبل أكثر مما يُمكن للعلوم الاجتماعية. لكن الغرض هو إثارة التفكير، ومن هذا المنطلق، يُمكن للسرد القصصي المُصاغ بعنايةٍ أن يُفتِّح العقول ويُثيرها، ويُرفِّه عنها في الوقت ذاته.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد