نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا لبليك سميث، باحث في جامعة «شيكاغو» ومؤرخ لفرنسا الحديثة ومترجم أدبي، حول التناقضات التي تتبدى في سياسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي يفسرها الكاتب بأنها تعود إلى تأثره بشخصين هما الفيلسوف بول ريكور، الذي عمل معه ماكرون مساعدَ محررٍ لمدة طويلة، خاصةً أثناء إعداد ريكور لكتابه «التاريخ والذاكرة والنسيان»، وسلفه السياسي، رئيس الوزراء الأسبق من يسار الوسط ميشيل روكار (1988-1991).

في بداية مقاله، يقول الكاتب إنه إذا كان الرئيس الفرنسي واثقًا من إعادة انتخابه في أبريل (نيسان) 2022، كما يبدو في كثيرٍ من الأحيان، فذلك لأنه استخدم الجائحة بنجاح لتصوير نفسه قائدًا يوجه أمَّته خلال الأزمة، غير أنه يبدو أن ماكرون، الذي بزغ نجمه أثناء الاستجابة لجائحة كوفيد-19، غالبًا لا يشبه ذلك الرجل الذي انتُخِب في عام 2017.

دولي

منذ 3 أسابيع
«جاكوبين»: الليبرالية على طريقة ماكرون.. تعني حرية أكبر لقوات الشرطة!

ويبدو الآن أن المصرفي السابق (ماكرون) الذي كان يعمل في بنك روتشيلد في باريس، وشغل منصب وزير المالية، في عهد الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، واتسم بمواءمته لقطاع الأعمال، قد نسيَ تعهداته السابقة المثيرة للجدل بإعادة تشكيل سوق العمل ونظام التقاعد والجهاز الإداري في فرنسا؛ لقد علَّق ماكرون إلى حدٍّ كبيرٍ مخاوف الميزانية والإصلاحات النيوليبرالية التي كانت سمة مميزة لهويته السياسية، ومن المرجَّح الآن أن يؤكد بدرجة أكبر على الحاجة إلى سياسة صناعية جديدة حتى لا تعتمد الإمدادات الطبية الأساسية لفرنسا على سلاسل التوريد الممتدة في أنحاء العالم.

إن جائحة كوفيد -19، لم تكن التهديد المحلي الوحيد الذي أعاد ماكرون تعريف رئاسته من خلاله، ومنذ مقتل المعلم الفرنسي صمويل باتي في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، اتخذ ماكرون أيضًا موقفًا أكثر تشددًا – في الخطاب وإلى حدٍّ ما في الممارسة – تجاه الشبكات الإسلامية، التي وصفها الكاتب بـ«المتطرفة»، وصدم وزير داخليته، جيرالد دارمانين، الرأي العام خلال مناظرة مع السياسيَّة الفرنسية مارين لوبان في فبراير (شباط)، عندما اتَّهم رئيسة حزب التجمع الوطني بعدم اليقظة الكافية للتهديد الذي يشكله ما وصفه بـ«التطرف» الإسلامي، وبعد انتخاب ماكرون في عام 2017 من أنقاض الحزب الاشتراكي بوصفه ليبراليًّا اقتصاديًّا مبتكرًا يستقطب الوسط الأوسع، يسمح ماكرون الآن لوزرائه بوضع أنفسهم على يمين مارين لوبان، وبسبب عملية إعادة التوجُّه هذه ونتيجةً لها، تحوَّل ناخبوه نحو الناخبين المحافظين، مما منحه قاعدة تصويت أقل ميلًا إلى الاشتراكي السابق ذي التفكير الحر منها إلى مرشح يمين الوسط الكلاسيكي.

منقذ الليبرالية من الشعبوية

يرى الكاتب أنه من المنصف طرح تساؤلٍ، كما يفعل بعض المعلِّقين، حول ما الذي يشترك فيه ماكرون عام 2021 – المدافع القوي عن الأمة الذي يميل إلى اليمين ويستهزئ بالحكمة الاقتصادية النيوليبرالية – مع ماكرون عام 2017، الذي أشادت به الصحافة الناطقة بالإنجليزية بوصفه منقذَ الليبرالية في مواجهة الموجات الشعبوية الغربية. هل يوجد شيء اسمه «الماكرونية» يمكن أن تلتف وتتماسك هذه التحولات في الإستراتيجية حوله؟

Embed from Getty Images

ومنذ بداية حملته الرئاسية الأولى، كان ماكرون سياسيًّا قادرًا على إرباك التغييرات في الإستراتيجية الخطابية؛ غير أن هذه القدرة كانت على الدوام في خدمة رؤية سياسية تتميز بقوة الخطاب على وجه التحديد، واستنادًا إلى صِلات (غالبًا ما يُساء فهمها) مع معلمه الفكري، الفيلسوف بول ريكور، وسلفه السياسي، رئيس الوزراء من يسار الوسط ميشيل روكار، طور ماكرون فهمًا للسياسة يضع الدولة – وهو على رأسها – في دور تفسيري، لتقديم تفسيرات وتوضيحات للمواطنين الفرنسيين؛ لكي يتكيفوا مع حقائق العولمة الاقتصادية الثابتة، وهذه الماكرونية الموروثة عن ريكور وروكار، هي التي تواجه الآن ليس فحسب تحدي الحملة القادمة، ولكنها تواجه أيضًا أزمة لا يمكن إدارتها من خلال هذه الوسائل الخطابية.

ماكرون مساعد تحرير لريكور

يؤكد الكاتب أن فهم ماكرون يعني فهم علاقته بريكور، أحد أشهر الفلاسفة المعاصرين في فرنسا حتى وفاته في عام 2005، وعلى مدار عامين، عمل ماكرون الشاب مساعد تحرير لريكور، فيما كان المفكر يعمل على كتابه الرئيسي الأخير: «الذاكرة والتاريخ والنسيان»، ومنذ ذلك الحين، استشهد ماكرون بريكور بوصفه تأثيرًا نقديًّا في فكره السياسي، وهو أمر تداولته الصحافة الفرنسية والدولية وتبناه الصحافيون وعديد من الفلاسفة في مجموعة متنوعة من الكتب والمقالات، وعارض باحثون آخرون مزاعم تأثير ريكور في ماكرون، ودفعوا دفعًا مقنعًا بأن معظم هذه الأعمال هي في الأساس لا تعدو أن تكون نوعًا من كتابة سيرة سطحية من قبل مثقفين مؤيدين لماكرون.

ومع ذلك، وبعيدًا عن الثرثرة الإعلامية، هناك روابط حقيقية بين تفكير ريكور وبعض العناصر التي يستعصي تفسيرها بخلاف ذلك في سياسة ماكرون، على سبيل المثال، دافع ماكرون عن مفهوم الأيديولوجيا، وهو موقف قد يبدو غريبًا على سياسي من الوسط، يسعى للابتعاد عن تقاليد اليمين واليسار، وكان بإمكان ماكرون أن يقدم نفسه للجمهور الفرنسي بوصفه خبيرَ ما بعد الأيديولوجية (مصطلح يشير إلى أن مجتمعًا معينًا في فترةٍ ما لا يتسم بأيديولوجيات سياسية أو اجتماعية قوية متماسكة) ذا عقلية تجريبية في الشؤون المالية، ولكنه، كما قال في مقابلة عام 2015، شخص «يؤمن بالأيديولوجية السياسية». وتابع أن هذه الأخيرة «تسلط الضوء على الواقع بإضفاء المعنى عليه».

كان ماكرون معذورًا في تصديقه لريكور في فهمه للأيديولوجية، وفي سلسلة محاضرات ألقاها عام 1975، ونُشِرت في عام 1986 تحت عنوان «محاضرات حول الأيديولوجيا واليوتوبيا»، قدَّم ريكور دفاعًا نقديًّا عن الأيديولوجيا، والتي تصوَّرها على أنها عملية جماعية لخلق المعنى والحفاظ على المجتمعات، وجادل بأن «وجه الفائدة في الأيديولوجيا» يتمثل في قدرتها على جعل الجماعة تتماسك من خلال فهم مشترك للعالم، ويحسم الكاتب بقوله إن الأيديولوجيا من وجهة نظر ريكور وماكرون ليست مخططًا عقلانيًّا يجب تطبيقه ولا وهمًا يجب التغلب عليه؛ إنها ظاهرة تفسيرية تضفي إحساسًا مكملًا بالمعنى على النظام الاجتماعي.

المصالحة السياسية وسيلة لإحياء الذكرى والعفو

وبحسب الكاتب، يعزو ريكور وماكرون دورًا مشابهًا لمفهوم المصالحة السياسية؛ إذ يتصوَّرانها وسيلةً لتذكُّر الماضي معًا من خلال التشريعات الرسمية لإحياء الذكرى، والعفو ومن ثم يحققان، من خلال القيام بذلك، التماسك المدني؛ وعلى الرغم من أن كتاب حملة ماكرون لعام 2017،«الثورة» (Revolution)، ربما بدا وكأنه قائمة إصلاحات اقتصادية نيوليبرالية يجرى التعبير عنها بحماسة خاصة، فإنه كان في الواقع محاولة للجمع بين برنامجه الاقتصادي وسياسات ريكور المتعلقة بالذاكرة، وتحدث عنوان الكتاب الفرعي، «مصالحة فرنسا»، عن طموحٍ مستمدٍ من أعمال الفترة الفلسفية الأخيرة لريكور، كما جرى التعبير عنه في كتاب «الذاكرة والتاريخ والنسيان»، وهو الكتاب الذي ساعدَ ماكرون الشاب في تحريره.

Embed from Getty Images

وفي عام 2017، حذَّر ماكرون من أن فرنسا، المنقسمة على أساس ديني وطبقي، «تواجه خطر اندلاع حربٍ أهلية» يغذِّيها الاستياء من أولئك الذين استفادوا من العولمة الاقتصادية، في حين أن بقية البلاد، من جيتوهات المهاجرين إلى الضواحي والأطراف الريفية، راكدة منذ الثمانينيات في بطالة مزمنة، وفي مواجهة هذا الخطر، دعا إلى ثلاثة أنواع من الإستراتيجيات: اقتصادية وأمنية ورمزية، وطالب بانفتاحٍ أكبر على الأسواق ومرونة العمل لخلق فرص توظيف، و«استعادة» الأحياء التي تسيطر عليها الشبكات الإسلامية الراديكالية، وإعادة التأكيد على القيم الجمهورية الفرنسية، التي من شأنها أن تمر عبر الاعتراف بـ«ما لم يكن جديرًا بالثناء» في تاريخ فرنسا، مثل العبودية والاستعمار والتعاون في الهولوكوست.

وهذه الرغبة في «المصالحة» من خلال الذاكرة السياسية دفعت ماكرون خلال حملته عام 2017 إلى تقديم اعتذار لشعب الجزائر عن الاستعمار، بوصفه «جريمة ضد الإنسانية»، ولمعارضي زواج المثليين، الذين عَدَّهم ماكرون أنهم تعرضوا «للإذلال»، كما يشير المقال إلى تصريح ماكرون مؤخرًا بأن الجزائر أصبحت دولة بسبب الاستعمار الفرنسي فحسب، وقد أحدثت هذه المناشدات الذاتية لليسار واليمين جدلًا وارتباكًا، لكنها عكست أيضًا فهمًا للسياسة بوصفها عملية للتغلب على التفسيرات المختلفة للماضي من خلال الاعتراف بالمظالم واستحضار الاستياء في الخطاب العام؛ وهي رؤية تدين بالكثير لكتاب ريكور عن الذاكرة والتاريخ والنسيان.

كان هذا الكتاب تتويجًا نظريًّا للمناقشات المحتدمة حول الذاكرة السياسية في فرنسا، إذ سَعَت جماعات مثل المستعمرين السابقين للجزائر وأعضاء الشتات الأفريقي إلى وضع رواياتهم المتنافسة عن الصدمات التاريخية في الكتب المدرسية والنُّصب التذكارية العامة، ووضع نموذج لتخليد الذكرى على غرار الهولوكوست، وفي «الذاكرة والتاريخ والنسيان»، تصور ريكور فن الحكم من منظور رمزي: بوصفه مسألة إدارة إحياء ذكرى مظالم الماضي، والتوفيق بين الروايات التاريخية المتنافسة، وتحقيق المصالحة الوطنية من خلال نوعٍ من المعالجة الجماعية الوطنية التي تشرف عليها الدولة.

زوَّد ريكور ماكرون بالمفاهيم الأساسية للسياسة المنظمة حول البحث عن المعنى والمصالحة وأنواع أخرى من الشرعية المكتسبة بطريقة خطابية؛ ومع ذلك، لم يكن تأثيره الأهم على ماكرون مباشرًا، ولكنه تمثل في مشاركته في تحول الاشتراكية الفرنسية – التي كان هو وماكرون ينتميان إليها ثم تركاها – خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.

لقد جسَّد ريكور التحوُّل الذي حدث في اليسار الفرنسي بعد الحرب والذي جعل صعود ماكرون ممكنًا، وقبل عام 1945، كان الشاب ريكور اشتراكيًّا بروتستانتيًّا وليس محصنًا ضد إغراء الاستبداد، والذي تضمن الإعجاب المشروط بالنظام النازي في ألمانيا والدعم المبكر لحكومة فيشي في فرنسا، وبعد الحرب، توحدت سياسته حول اشتراكية مسيحية ديمقراطية وليبرالية ترتكز على الفلسفة الشخصية لعالِم اللاهوت الفرنسي إيمانويل مونيي.

ريكور يثني على الصين بحذر

وخلال عقود ما بعد الحرب، كان طموح ريكور السياسي هو مواءمة مفهومه عن الإنسانية المسيحية، التي تركز على كرامة الفرد، مع الاقتصاد الماركسي والأنظمة الاشتراكية، وشمَل هذا جمهورية الصين الشعبية، والتي أثنى عليها ريكور بحذرٍ في سلسلة من المقالات من عام 1956، بعد زيارةٍ للبلاد في العام السابق لنشر هذه المقالات، غير أنه أشار إلى أن الصينيين يفتقرون إلى الحريات السياسية الأساسية، وهو مصدر قلق رفعه إلى مستوى نظري أعلى في مقال يحلل فيه «مفارقة السياسة».

Embed from Getty Images

وجادل ريكور بأن الدولة يُفترض أن تحرر الأفراد من الاضطهاد والعوز، لكن، لأنها اكتسبت الوسائل اللازمة للقيام بذلك، فإنها قد تصبح خطرًا عليهم، وفرضت السيطرة الاشتراكية على الاقتصادات الحديثة – التي رأى ريكور أنها خلافًا لذلك تمثل تطورًا إيجابيًّا – مخاطر جديدة على حرية الإنسان؛ وللحد منها، أصرَّ ريكور على تنظيم الحياة السياسية حول فصل السلطات، والتبادل العام الحر للأفكار، والسيطرة الديمقراطية للمواطنين على الدولة، ودعا إلى الليبرالية السياسية بوصفها وسيلةً لتقييد إمكانات الاشتراكية الاستبدادية، حتى في الوقت الذي كان يحتفل فيه بانتصارها الواضح على الليبرالية الاقتصادية.

إن ريكور الذي زاوج بين حقوق الإنسان والاقتصاد الاشتراكي يبدو أنه النقيض لماكرون تقريبًا – الذي غالبًا ما بدا بصفته وزيرًا للمالية في عهد هولاند وبصفته رئيسًا أيضًا، أنه يروِّج لليبرالية الاقتصادية من خلال وسائل سياسية غير ليبرالية، ورده الذي وصفه الكاتب بـ«الأخرق والعنيف»، ضد احتجاجات السترات الصفراء على الزيادات المقترحة في ضريبة الوقود يبدو لكثير من اليسار الفرنسي على أنه حالة من الليبرالية الاقتصادية الاستبدادية، وعلى الرغم من أن ماكرون يبدو الآن أنه يضع ميوله الاستبدادية في خدمة الصحة العامة والتدابير الأمنية لمكافحة الإرهاب (التي شجبها اليمين المتطرف والصحافة التقدمية الناطقة بالإنجليزية، على الترتيب) بدلًا من خدمة الإصلاح النيوليبرالي، فإن رئاسته بعيدة كل البعد عن رؤية ريكور للدولة التي تسيطر على الاقتصاد وتخضع بدورها لسيطرة مواطنيها.

التحول لدى ريكور بعد انتفاضة الطلاب

ويستدرك الكاتب قائلًا: غير أن ريكور مر بتحوُّل تدريجي، ولكنه قوي في تفكيره السياسي بعد انتفاضات الطلاب في مايو (آيار) 1968، وكان ريكور مدافعًا عن إصلاح الجامعات الفرنسية، وجرى تكليفه برئاسة ما كان على الأرجح مركزًا للراديكالية الطلابية؛ وهي جامعة باريس نانتير، واتسمت فترة ولايته القصيرة بالإذلال العلني عندما أفرغ حشدٌ من الطلاب سلة قمامة فوق رأسه، وقبيل هذه الحادثة، بدأ ريكور مقالًا بعنوان «الإصلاح والثورة في الجامعة» باستدعاء الصين الماوية، محتفيًا، وفقًا لرؤيته، بأن «الغرب دخل الآن في ثورة ثقافية… مستعيرًا ذلك من ثورة الصين»، وفي ذلك الحين، أصبح هو نفسه ضحيةً لأساليب شبيهة بتلك التي يستخدمها الحرس الأحمر الصيني (حركة طلابية شبه عسكرية حشدها ماو تسي تونج خلال الثورة الثقافية).

Embed from Getty Images

وحسبما أشار ماكرون في مقابلة عام 2015، حينما اعترف بأن ريكور مُعلِّمه، فقد ظهرت فلسفته المتأخرة – التي عايشها ماكرون في نهاية القرن العشرين – ردًا على «تفكيك السلطة»، ليس أقلها تفكيكه هو نفسه، على يد الراديكاليين عام 1968. وهذه المحاولة لإيجاد «مسارٍ آخر» أدَّت إلى خروج ريكور نهائيًا من الماركسية (حتى الماركسية المشروطة بالليبرالية والإنسانية والمسيحية)، وبعد استقالته من منصبه في نانتير، انسحب ريكور أيضًا من الحياة السياسية وتولى مناصب تدريسية في بلجيكا، ثم في جامعة «شيكاغو» وهو ما سمح له بالنأي بنفسه عن فرنسا، وعندما عاد إلى الحياة السياسية في الثمانينيات، كان ذلك بمجموعة جديدة من المراجع المستمدة من سياقه الأمريكي متمثلةً في كل من الفلاسفة جون راولز، ومايكل والزر، وحنة آرنت، فيما اختفى ماركس وماو.

وعلى مدار السبعينيات، اكتسب ريكور أيضًا تقديرًا جديدًا لليبرالية الاقتصادية، ارتكز على شعور بأنها أثبتت أنها لا يمكن تاريخيًّا مقاومتها، أو ربما، أن التطلع إلى الاشتراكية ينطوي على مخاطر لا يمكن احتواؤها من خلال الليبرالية السياسية وحدها؛ وعلى الرغم من أن ريكور استمر في الادعاء بأن التفكير الطوباوي يُعد حاسمًا للسياسة (موضوع محاضراته حول الأيديولوجيا واليوتوبيا)، فإن فكره تضمن، على نحوٍ متزايدٍ، نظرةً إلى الخلف بدلًا من التوجه نحو المستقبل، سواءً أكان طوباويًّا أو غير ذلك، وحلَّت محلها اهتماماتٌ جديدة في سياسات الذاكرة، وتحديد المجال المتميز لعمل الدولة ليس في المجال الاقتصادي ولكن في المجال الرمزي؛ الدولة التي لم يعد يتصور أنها تسيطر على الاقتصاد، مكلفة قبل كل شيء بعمليات تأويلية وعلاجية.

تأثير ميشيل روكار

وفيما يخص ريكور والحياة السياسية الفرنسية الأوسع، كان هذا التحوُّل في الآفاق لا ينفصل عن مسيرة ميشيل روكار السياسية،  ومن عام 1960 إلى عام 1974، كان روكار، خارج سياق الأحزاب الرئيسة، من أنصار ما أسماه هو وحلفاؤه «اليسار الثاني»؛ ولأنهم يعارضون اندماج الماركسية واليعقوبية التي هيمنت لفترةٍ طويلةٍ على الاشتراكية الفرنسية، توصلوا إلى تجميعة أيديولوجية استمدت تماسكها من خلال توافقها مع الليبرالية الاقتصادية، وكانت إسهامات روكار في اليسار الثاني تركِّز على الإقليمية (في كتابه الصادر عام 1966، إنهاء استعمار المقاطعات) والإدارة الذاتية للعمال المستوحاة في الأصل من النموذج اليوغوسلافي، ولكنه على مدار السبعينيات تحوَّل تحوُّلًا متزايدًا إلى خطاب يصور العمال على أنهم رواد أعمال.

وبعد عام 1974، انضم روكار إلى الحزب الاشتراكي، ساعيًا إلى تغييره من الداخل، لما يقرب من عقد من الزمان، وبدا هذا وكأنه صراع خاسر؛ فقد تصور أتباع الحزب من اليعاقبة الماركسيين المتشددين، الذين يأملون في الاستيلاء على السلطة الوطنية، برنامجًا لوضع الدولة في موضع السيطرة على الاقتصاد الفرنسي، وأدان جان بيير شيفينمينت، أحد المدافعين الرئيسين عن هذا الاتجاه، روكار لما عَدَّه «كراهية للدولة»، وحذَّر من أنه من خلال تعزيز الأقاليم على حساب الحكومة المركزية والسعي إلى الاستقلال الذاتي للعمال في مواقع عملهم بدلًا من قوتهم الجماعية التي تمارس من خلال النقابات الوطنية، يخاطر روكار بحرمان أي حكومة اشتراكية مستقبلية من الأدوات اللازمة للسيطرة على الاقتصاد.

Embed from Getty Images

وانحاز فرانسوا ميتران، رئيس الحزب، إلى شيفينمنت، وهاجم روكار بوصفه معتدلًا من شأنه أن يدمر الإستراتيجية الانتخابية للاشتراكيين بالتحالف مع الشيوعيين الذين ما زالوا أقوياء، وهزم ميتران محاولة روكار ليحل محله رئيسًا للحزب، وأثارت حملته المنتصرة لمنصب رئيس فرنسا عام 1981 موضوعات اشتراكية كلاسيكية، مع تأثير ضئيل لليسار الثاني، وكان برنامج التأميم الطموح لميتران يهدف إلى وضع الصناعة والبنوك في فرنسا في خدمة الدولة، الأمر الذي من شأنه أن يدفعهم إلى العمل على الحد من البطالة وتحقيق الديمقراطية الاجتماعية في نهاية المطاف.

وكان السياق العالمي لمثل هذه الإستراتيجية غير مواتٍ؛ فعندما بدأت حكومة الحزب الاشتراكي المنتخبة حديثًا عمليات التأميم، بدأت الحكومات في جميع أنحاء الغرب بقيادة رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارجريت تاتشر والولايات المتحدة آنذاك برئاسة الرئيس رونالد ريجان الترويج للإصلاحات النيوليبرالية لتقليص الدور الاقتصادي للدولة استجابةً لصدمات النفط، والنمو البطيء، والتضخم في السبعينيات؛ غير أن ميتران كان ملتزمًا بتحدي توافق الآراء الأيديولوجي الجديد هذا، وعلى نحوٍ غير متسق، الحفاظ على ميزان مدفوعات فرنسا، وحسن نية البنوك الأوروبية، ومعدل تضخم معقول – وكلها كانت أمورًا مهددة – بسبب إجراءات حكومته، وبحلول عام 1983، عكس ميتران مساره؛ إذ بدأ سلسلة من عمليات إلغاء التأميم، والحد من الإنفاق الحكومي، وقبول ارتفاع معدلات البطالة والخضوع لحسن نية دائني فرنسا بوصف ذلك ثمنًا للملاءة المالية.

الاشتراكية المعتدلة

أدرك الاشتراكيون، الذين حُرِموا من أي أجندة اقتصادية وطنية أكبر، أن بإمكانهم تمييز أنفسهم عن اليمين من خلال اللعب على موضوعات مثل التوجه الإقليمي، وبدا أن روكار الآن لا غنى عنه، فقد صعد، وهو الأمر الذي أثار استياء ميتران، إلى منصب رئيس الوزراء بين عامي 1988 و1991، وكان من أوائل أعماله في السلطة هو معارضة موجة من الإضرابات في القطاع العام، وهي خطوة تبعها بجهود متكررة لإقناع اليسار، والجمهور الفرنسي الأوسع، بأنه على حد تعبيره في عام 1990، لا يمكن توقع أي شيء أكثر راديكالية من الاشتراكيين سوى «رأسمالية معتدلة».

سياسة

منذ 4 سنوات
«الجارديان»: لماذا يصعد اليمين القومي في أوروبا وتنحسر الاشتراكية الديمقراطية؟

وعلى غرار ماكرون من بعده، ظهر روكار في أوج مسيرته العملية رائدًا وسطيًّا يجمع بين الليبرالية الاقتصادية والتفكير الراديكالي الذاتي الذي طمس الحدود بين اليمين واليسار، وقد استشهد ماكرون بروكار بقدر ما وصف ريكور بأنه شخصية رئيسة في تطوره السياسي، ووصف نفسه بأنه وريث روكار خلال حملته الرئاسية لعام 2017، وكتب مقدمة لكتاب سيرة عن روكار يشيد به، ولوحظ التشابه – الإيجابي – بين روكار وماكرون، من قبل الصحافيين وعضو سابق واحد على الأقل في حكومة روكار. ومن اليسار، وفي سياق نقدي، يصف الباحثان برونو أمابل وستيفانو بالومباريني في كتابهما «النيوليبرالي الأخير: ماكرون وأصل الأزمة السياسية الفرنسية» روكار بأنه أحد أهم أسلاف أسلوب ماكرون في السياسة. ويتردد صدى هذا التحليل من اليمين المتطرف من قبل إريك زمور، الذي يدير الآن حملة مستقلة للرئاسة.

كتاب ريكور وروكار الذي لم يرَ النور

وأفاد الكاتب أنه على الرغم من أن المقارنات بين ماكرون وروكار شائعة في التعليقات السياسية الفرنسية مثل المزاعم المتعلقة بدَيْن ماكرون لريكور، إلا أن هذين الخطين من الفكر نادرًا ما يتقاطعان؛ غير أنه يمكن النظر إلى حملة ماكرون لعام 2017 على أنها اندماج لمعلميه الاثنين؛ إذ استعارت الحملة أفقها الاقتصادي من روكار ومفرداتها الفلسفية من ريكور، وسبق لريكور وروكار إقامة سابقة لمثل هذه الحالة؛ إذ تعاونا خلال فترة روكار في رئاسةٍ للوزراء في كتاب بعنوان «الفيلسوف والسياسي»، وعلى الرغم من أن الكتاب لم يكتمل أبدًا، ظهرت ثمار تعاونهما في حوار بين الاثنين نُشر في عام 1991.

وكان الهدف الواضح للمحادثة هو كيفية مقاومة ما أسماه روكار «امتداد منطق السوق ليشمل جميع مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية». وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو مثل الاشتراكية التقليدية، فإنه كان مبنيًّا على افتراض أن انتصار الليبرالية في المجال الاقتصادي كان لا يمكن التغلب عليه، ولم تكن مهمة السياسة السيطرة على الاقتصاد، ولكن حماية مجالات معينة، مثل التعليم والرعاية الصحية، من منطق السلع والمنافسة الذي قد يكون مهيمنًا في حالات أخرى، وأصرَّ ريكور على أن هذه المهمة لا يمكن إنجازها من خلال الثقافة السياسية الفرنسية «العتيقة» القائمة على «الصراع» (مثل الصراع الطبقي)، ولكن من خلال تعبئة التقاليد التاريخية التي تحمل قِيمًا غير تلك الخاصة بالسوق الرأسمالي، ومن خلال الاستفادة من «تنوع تراثنا الثقافي»، كان ريكور يأمل في إعادة إحياء «القناعات» الأخلاقية التي قد تضع حدودًا لليبرالية الاقتصادية.

Embed from Getty Images

وفي الوقت الذي بدت فيه الليبرالية الجديدة منتصرة، يمكن أن يُنسب الفضل إلى ريكور في التمسك بشظايا معينة من الحكمة السياسية التحذيرية من اليسار واليمين التقليديين، لقد احتفظ بإحساسٍ بالقدرة الإبداعية والإيجابية لعمل الدولة لتشكيل مفاهيم المواطنين لأنفسهم، وهو الشعور بأن الثقافة هي في نهاية المطاف تيار تحتي من السياسة، وعلى الرغم من أن تركيزه على الذاكرة والهوية وتفسيرات التاريخ، يمكن وصفها مشاركةً في تحوُّل الحياة السياسية الغربية من الأسئلة المادية والجوهرية إلى «الحروب الثقافية»، فإن ريكور ركَّز على دور الدولة بدلًا من تعليق آماله – كما فعل عديد من المفكرين في تلك الحقبة – على مفهومٍ غامضٍ، وغير سياسي للمجتمع المدني، وتطلع إلى بناء إجماع وطني جديد أكثر شمولًا بدلًا من تأجيج الهجمات الجدلية.

وأثبت فهم ريكور للسياسة أنه مفيد، ليس فقط لتبرير الدولة الفرنسية بوصفها فضاءً للتفاوض حول الروايات، ولكن أيضًا لاستبدال روايات الدولة القومية على يد الاتحاد الأوروبي، ومن هذا الفكر الناضج، يمكن أن يظهر الاتحاد الأوروبي ليس محركًا لليبرالية الاقتصادية فحسب، ولكن أيضًا بوصفه نوعًا جديدًا من المؤسسات السياسية التي تحتوي على التراث الحضاري المتنوع لأوروبا وتبلوره، وجذبت هذه الرؤية باستمرار التيار السياسي السائد في فرنسا، والذي سعى من ميتران حتى ماكرون إلى تعميق نفوذ فرنسا في الاتحاد الأوروبي ومنح الأخير هالة من الشرعية الأخلاقية.

إضفاء الشرعية الأخلاقية والثقافية على الرأسمالية

يشير الكاتب إلى أن فلسفة ريكور السياسية تحاول إضفاء الشرعية الأخلاقية والثقافية على الرأسمالية المعاصرة بينما تقترح، من خلال مفاهيم الإقناع والمصالحة والأيديولوجيا، الاحتفاظ ببعض الحد الأدنى من الشعور بالتماسك الاجتماعي والقيم غير السوقية، وفي عهد روكار رئيسًا للوزراء وأثناء حملة ماكرون لعام 2017، كان لهذه الفلسفة شخصيات رمزية أعطتها مظهر الجدة من خلال تجاوز وجهات النظر العالمية التي عفا عليها الزمن، والتي قسَّمت السياسة الغربية بين اليمين واليسار، لكن حملة ماكرون لإعادة الانتخاب ربما تمثل كلًّا من ذروتها واستنفادها.

وفي كتابه «الثورة»، تخيل ماكرون، بمصطلحات موروثة من ريكور وروكار، دولةً جرى تصويرها إلى حدٍّ كبيرٍ على أنها تدير تفسيرات الحياة العامة. أما فيما يخص السوق، فعلى الدولة أن تظهر نفسها مرنة مرونة متزايدة، وتتخلص من «القواعد الصارمة» التي تنظم أحكام العمل والرفاهية، وتكيِّف «النموذج الاجتماعي الفرنسي غير الفعَّال» مع متطلبات العولمة الرأسمالية، ومع قبولها لهذه الضرورات، أثبتت الدولة، مع ذلك، أنها «غير مرنة» ضد أعداء قِيمها (أي المتطرفين الإسلاميين بحسب الكاتب) وقادرة على طمأنة المواطنين بأنها ما زالت تمارس السيادة على أراضيها، ولن تفعل ذلك من خلال انتزاع السيطرة مرةً أخرى على الاقتصاد (أدَّى إلغاء القيود إلى إضعاف هذه السيطرة)، ولكن من خلال شرح سياساتها الاقتصادية والأمنية بلغة مطمئنة؛ «لأن هذا الشرح هو ما يسمح للمجتمع بقبولها».

Embed from Getty Images

والسياسة في الوضع الذي صاغه ريكور وروكار وورثه ماكرون في حملته لعام 2017، ترقى إلى مستوى إنتاج خطاب لتوضيح وشرعنة ووضع حدود مؤقتة لحالة الدولة المتمثلة في التبعية، التي لا يمكن التغلب عليها للسوق المعولم من خلال تقديم التفسيرات وإذكاء القناعات، وإيجاد المصالحة وتوفير الأيديولوجيا؛ غير أنه، في العام الماضي، إذ أعطت أزمة كوفيد-19 أهمية ووضوحًا جديدين لعمل الدولة، هدَّدت المصفوفة الفكرية التي نشأت منها حملة ماكرون في عام 2017 بالانهيار، وبدَت السياسة الفرنسية مضطرة لتجاوز التهدئة العلاجية والتأويلية لبواعث قلق الجمهور لتركز على استخدام سلطة الدولة لترويض عالم غير مؤكد.

وفي هذه الحالة، فمن غير المحتمل أن يفيد ريكور مثله في ذلك مثل مختلف أنواع المرشدين؛ إذ برر ريكور في مقالٍ صدر عام 1988 رأيه بأن الدولة القومية لا يمكنها أن تقوم بما هو أكثر من التخفيف إلى حدٍّ ما، وتوليد مقاومة رمزية لمطالب رأس المال العالمي، مجادلًا بأن العالم المعاصر يعاني أزمةً من نوع جديد – ليست أزمةً سياسيةً، بل أزمة في السياسة، أي إمكانية العمل السياسي، ودفع بأن الأزمة الاقتصادية التي أعقبت الصدمات النفطية في السبعينيات كانت أكثر خطورة بكثير من أزمة الثلاثينيات؛ وعلى الرغم من أن هذه الأخيرة كان يمكن أن تُحَل بتدخل الدولة في شكل سياسات رفاهية موسعة والنزعة الكينزية (أو المشروعات الشمولية للدول النازية والسوفييتية)، فإن أزمة السبعينيات – التي أصر ريكور أنها لم تنتهِ بعد حينها – شككت في الفكرة ذاتها القائلة بسيادة الدولة على المجال الاقتصادي.

نهاية الاشتراكية الحقيقية

ويرجح الكاتب أنه ربما بدا تحليل ريكور مبررًا مع انتهاء «الاشتراكية الحقيقية»، لقد كانت بالتأكيد صورةً ملائمةً لإمكانيات العمل السياسي بالنسبة لمفكر وجد، في أعقاب إذلاله عام 1968، ذريعةً تاريخيةً لمعارضة أي راديكالية مستقبلية – وللطبقات الاجتماعية التي استفادت استفادة غير متناسبة، وتستمر في الاستفادة من تحوُّل الدولة الفرنسية إلى الليبرالية الاقتصادية، ولكن فيما تأخذ بخناق فرنسا والعالم أزمة لا يبدو أنها تتطلب تحركًا من الدولة، يبدو أن فلسفة ريكور السياسية في أزمة.

مجتمع

منذ أسبوعين
«Don't Look Up»: هل تصبح نهاية العالم على يد الرأسمالية؟

ووقوفًا عند الحد الذي تمثل فيه استجابة ماكرون لأزمة كوفيد-19 مجرد تعليق مؤقت لبرنامج الإصلاح النيوليبرالي لعام 2017، فإنه لا يشير حتى الآن إلى قطيعة واضحة مع الخط الفلسفي والسياسي الذي ورثه عن ريكور وروكار. وتضمن هذا الأخير إمكانيات عزل مجالات معينة من المجتمع عن الضرورات الرأسمالية والتحوُّلات غير المتوقَّعة في الخطاب السياسي؛ إن إيماءات ماكرون الاستبدادية، التي غالبًا ما يُنظر إليها على أنها استدعاء خجول للنموذج التاريخي للرئيس الفرنسي السابق شارل ديجول، وخطاب حكومته القوي على نحو متزايد ضد ما وصفه الكاتب بـ«التطرف الإسلامي» والأفكار المتعددة الجوانب المستوردة من الولايات المتحدة تتوافق أيضًا مع التكرار المحافظ لفلسفة ريكور السياسية التي تجادل بأن الدفاع عن التقاليد الغربية هو مصدر قناعات فرنسا وذكرياتها.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: قد تستلزم القطيعة الحقيقية مع ريكور وريكار والماكرونية التزامًا ليس بأية سياسة معينة، بقدر ما تستلزم نظرةً عامةً تتفهم دور الدولة بمعنى يتجاوز إعادة التفاوض على تفسيرات المواطنين لتاريخهم وهوياتهم الحالية من خلال الحملات التربوية والعلاجية المدبرة من جانب الدولة، وبدلًا من ذلك، ستمنح السياسة المواطنين القدرة على تغيير ظروفهم المادية من خلال العمل الجماعي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد