من وقت لآخر، يجد الباحثون والنقاد أنفسهم في خضم نزاع أكاديمي، محوره هو مدى صلاحية منهج الواقعية في إدارة العلاقات الخارجية. باعتباري أحد الذين يتم وصمهم بالواقعية -وإن كنت غير متسق مع هذا الأمر تماما- فأنا أناقش القضية على الدوام بالعمق الذي يتطلبه أي جدل أكاديمي معتبر, ويبقى السؤال الذي يطرحه البعض هو:  لماذا يجب على صناع السياسة المعنيين بإنجاز الأمور وضع هذا السؤال في اعتبارهم؟ في الآونة الأخيرة اعتاد بعض المعلقين التساؤل عن إذا كان الرئيس باراك أوباما واقعيًا أم مثاليًا؟

قد يُعد الطرح النظري للمسألة غير ذي جدوى ففي القضايا المعينة لا يعطينا الواقعيون حلولا محددة، كما لا تختلف إجاباتهم عن أولئك المثاليين، ومع ذلك يبقى الطرح النظري لسؤال الواقعية مهم لتسليط الضوء على الاختلاف بين النفعية أو نظرية الغايات الأخلاقية (أخلاقية الغاية تبرر الوسيلة) من جانب، ونظرية المبادئ الأخلاقية المطلقة على الجانب الآخر. لماذا تحوز الأولى على الأولوية في حالة الصراع، وكيف يحدد توازن القوة خيارات الدولة.

إذا أمعنا النظر سنجد صورتان كامنتان من القرن العشرين تحتلان الخلفية دائما في هذه المناظرات، تمثلان الطرق المتناقضة التي أدت إلى الحرب إبان أزمتي 1914 و1939, تبرزان المخاطر الناجمة عن المبالغة في رد الفعل، والتهاون فيه على الترتيب. أمعنت هاتان الصورتان في مطاردة خيال صانعي القرار، والمحللين، على الدوام. حتى لم يعد باستطاعتنا تجاوزهما، هذا بالرغم من ميل البعض لاستحضار إحداهما فقط في طرحه –تجنبا للوقوع في تبني خيارات متناقضة-  للإشارة للدرس القاسي المستفاد منها، إلا أنه في النهاية كلا الصورتان حاضرتان على الدوام. يمكننا أيضا أن نضيف قضيتان من ذلك العصر تستحقان مزيدا من اهتمامنا تجاههما، كونهما يسلطان الضوء على مسار مختلف تماما تزكيه الواقعية دونا عن ذلك الذي يعتبره المثاليون بداهيا, وهما قضيتا رد الفعل الغربي تجاه الاحتلال السوفيتي لفنلندا في العام 1939، ووضع فنلندا خلال الحرب الباردة.

إذا هل تخبرنا الواقعية ماذا علينا أن نفعل؟ في الحقيقة على رجال الدولة وصناع القرار أخذ الأفكار المختلفة في الاعتبار إذا كانت تعرض خارطة طريق واضحة للفعل أو اللافعل,  أي أن السؤال الأهم المطروح هو متى يتم استخدام القوة، ومتى يتم التهديد باستخدامها في خضم النزاع المتنامي. مشكلة الواقعية أنها ليست وصفة مضمونة لسياسة حقيقية، إنما هي مفهوم شديد العمومية محمل بجبال من الخطايا تراكمت على مدار عملية تطوره التي استغرقت قرونا. بالنسبة للمثاليين الليبراليين، فالواقعية هي خليط من مزاج عقلي متوحش كئيب وطرق عمل عنيفة على طريقة آل بورجيا. أما بالنسبة لمثاليي المحافظين الجدد فهي تسوية شديدة القسوة والسذاجة على طريقة نيفيل تشامبرلين. الواقعية هي قاعدة غامضة لا تطرح تعليمات إستراتيجية متسقة إنما هي سلوك وليست عقيدة, فهي تنصح باستخدام العنف في بعض الصراعات والتسوية والاستيعاب في أخرى. للدلالة على ذلك يمكننا أن نلاحظ أن الواقعين في زمن الحرب الباردة كثيرا ما كان يتم اعتبارهم من الصقور، لكن الأمر تبدل بعد الحرب الباردة، وتم اعتبارهم من الحمائم. أو كما أشار ماثيو إيفانجليستا بنفحة من التهكم قائلا: إن المرء قد يرغب أحيانا في نظرية متكاملة تقترح سياسات متعددة متضاربة كالتسويات، والحروب الوقائية.

كثيرا ما يتم النظر للواقعية باعتبارها غياب الاعتبارات الأخلاقية والقانونية في السياسات الدولية، بينما يرى المثاليون أن القيم والمؤسسات هي القوة الدافعة, مع ذلك فإن واقعيا محافظا كهنري كيسنجر دعم بشدة دور الشرعية والمؤسسات الأممية في تشكيل النظام العالمي، بينما ليبرالية مثالية كمادلين أولبرايت غالبا ما كانت نهمة في استخدام القوة والمخاطرة بالنسبة لمسألة فرض السيادة القانونية، كما في قضية كوسوفو. حتى المحافطين الجدد الذين هم بالأساس ليبراليين أحاديين، حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية تلاحظ حضور القوة والقيم، لا كبدائل مطروحة بل كإستراتيجية مدمجة تستعمل العربات العسكرية الأمريكية لنشر مفهومها الفريد عن الحقوق الأخلاقية والمسؤولية. في الحقيقة في عالم الواقع  ما يميز المرء كونه واقعيا أو مثاليا ليس واضحا دائما، بالمقارنة بالأبراج العاجية للنظريات المجردة. هل أوباما واقعي لأنه يخالف رينهولد نيبور (Reinhold Niebuhr) ويحجم عن استخدام المغامرات العسكرية أحيانا؟ أم أنه مثالي لأنه أحيانا يستشير سوزان رايس وسامنثا باور؟

بعيدا عن الأبراج العاجية، فالسياسات الواقعية لا تنتج مباشرة من كاتالولجات النظريات الواقعية أو المثالية، إنما التآلفات العابرة للاختلافات النظرية. خذ في الاعتبار مثلا الرفقة الغريبة التي نشأت في مسألة فيتنام: ليبرالي كهنري جاكسون انضم لواقعي محافظ كريتشارد نيكسون، لصالح دعم الحرب في المقابل وقف ضدها  جورج ماكجوفرن وجورج كنعان. مثال آخر على الانقسام داخل المعسكر الواحد، جاءت افتتاحية النيويورك تايمز في 22 من سبتمبر في العام 2002 مبرزة للخلاف في المعسكر الواقعي؛ حيث قسمت الصفحة لقسمين: في أحدهما مانيفستو من ثلاثين باحثا معارضين للحرب القادمة ضد العراق، بينما في الجزء الآخر مقال لكينيث بولاك يشرح الحاجة الملحة لشنها.

يتفق الواقعيون أن القوة هي المحرك للسياسات الدولية، ولكنهم يختلفون حول متى وأين يجب أن يطلق لها العنان، ومتى يجب كبحها. كما أنهم يختلفون كذلك في ماهية التوزيع الأفضل للقوة التي تضمن السلام والاستقرار في العالم، هل هي الأقطاب المتعددة كما يقترح معظم الواقعين التقليدين، أم هي الثنائية القطبية كما يقترح كينيث والتز وجون ميرشيمر، أم هي الأحادية القطبية كما يرى جوفري بلايني وروبرت جليبين.

لو أراد الواقعيون اليوم أن يتم أخذ نصائحهم بالاعتبار المطلوب في مواجهة الأزمات الحالية، عليهم أن يشرحوا لم تختلف نصائحهم بشدة في مسائل الحرب والسلام على الرغم من اتفاقهم على المبادئ النظرية التي يجب أن تبنى عليها إستراتيجية إتخاذ القرار. سبب الاختلاف في التطبيق، هو عدم اليقين في مسألة تقييم الأخطار، وعدم الاتفاق حول طبيعة ومدى نوايا وقدرات الخصم.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد