كتب الباحث الزائر في معهد «بروكنجز– الدوحة»، زاك فيرتين، تقريرًا حول سيناريوهات الجغرافيا السياسية لمستقبل الصراع الإقليمي والدولي في البحر الأحمر والدول المطلة عليه، في ظل تدشين الصين قاعدة بحرية في جيبوتي ومساعي دول الخليج للتدخل وتوسيع نفوذها.

ويرى فيرتين أن العديد من الدول المطلة على البحر الأحمر تعاني من مزيج من العنف والفساد وعدم الاستقرار والطغيان، ومما يزيد المشكلة تعقيدًا، أن الدول الخارجية تتدخل تدخلًا سافرًا في محاولة لزيادة نفوذها، بينما تقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقف المتفرج.

ويرصد فيرتين ست مناطق يتعين مراقبتها في الأشهر والسنوات القادمة، بدءًا من المنافسة المحتملة للقوى الكبرى إلى الدور المتزايد لدول الخليج في السياسة الأفريقية.

«الطريق السريع للكوكب»

يمثل البحر الأحمر منذ فترة طويلة رابطًا حاسمًا في شبكة من الممرات المائية العالمية الممتدة من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى المحيط الهندي إلى المحيط الهادي؛ وهو طريق استراتيجي واقتصادي رئيسي وصفه أحد مسؤولي الدفاع الأمريكيين بأنه «الطريق السريع 95 للكوكب».

ويلفت الباحث إلى أهمية هذا الممر المائي منذ الإسكندر الأكبر مرورًا بنابليون وحتى الآن، ويقول إن مركزية البحر الأحمر بالنسبة للتجارة ونقاط الاختناق البحرية جعلته موضع اهتمام جيوسياسي. ولكن نوعًا جديدًا من المنافسة ظهر في السنوات الأخيرة، مما أطلق سباقًا جيوسياسيًّا غير مسبوق على جانبي البحر الأحمر، حيث تتلاشى حدود المنطقتين اللتين يربطهما – الخليج العربي والقرن الأفريقي – بسرعة.

Embed from Getty Images

وتقود هذه المنافسات دول الخليج الغنية بالموارد، التي أدت مفاهيمها التوسعية تجاه البلدان المجاورة إلى بسط نفوذها عبر مساحات متزايدة من الأرض والبحر. وتشمل هذه الخريطة اليمن، التي تدور على أرضها رحى إحدى أكثر الحروب دموية في العالم، والقرن الأفريقي، الذي يشهد ثلاثة تحولات سياسية استثنائية وحساسة للغاية. في كل تحوُّل من هذه التحولات، تشتبك دول الخليج والمنافسون في الشرق الأوسط في صراعات خبيثة من أجل التفوق الإقليمي.

كذلك تغيرت الديناميات العابرة للأقاليم بفعل الهجرة وتدفقات اللاجئين، التي تتصدر المؤشرات العالمية، ويفوق إجمالي تعداد المهاجرين فيها تعداد الولايات المتحدة، وإنشاء أول قاعدة بحرية خارجية للصين على الإطلاق عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. واحتلت الجغرافيا الاقتصادية مكانة بارزة؛ فبالإضافة إلى 700 مليار دولار من التجارة المنقولة بحرًا والتي تعبر بالفعل عبر هذا المسار كل عام، كان طريق الحرير البحري الصيني الجديد، والطبقات الاستهلاكية الصاعدة في أفريقيا، واكتشافات الهيدروكربون في القرن الأفريقي، موضع حوار بين أصحاب النفوذ في المنطقة وما وراءها. وكذلك الحال بالنسبة للموانئ العميقة، والطرق والسكك الحديدية اللازمة لعمل مثل هذه الشبكة.

يتابع الكاتب: بعد ثلاثين شهرًا من العمل، يبدو أن الاندفاع الأولي لبسط النفوذ وصل إلى نهايته. وتتأمل القوى التي تنشط في البحر الأحمر الآن في تدخلاتهم حتى تاريخه، ويجرون عملية تقييم  للمناطق التي جرى تعديلها في البر والبحر. وبينما يدرسون تحركاتهم التالية، يرصد التقرير خلاصة لهذه التطورات، ويلقي نظرة على ستة سيناريوهات رئيسية، يرى الباحث أنها ستشكل الموسم التالي للجغرافيا السياسية في البحر الأحمر، سواء كان هذا التغيير للأفضل أو للأسوأ.

دولي

منذ 9 شهور
«فورين بوليسي»: 10 صراعات ننتظر تطوراتها في 2020

ساحة تنافس للقوى الإقليمية والعالمية

عندما قطعت السعودية والإمارات العلاقات السياسية مع دولة قطر المجاورة في عام 2017، وفرضتا عليها حصارًا اقتصاديًّا، جرى تصدير الخلاف الناجم عن ذلك – والذي اجتذب مصر وتركيا – على الفور إلى القرن الأفريقي.

ويتابع الكاتب أن القوى المتبارزة سارعت إلى حشد الأصدقاء، وتعهدات الولاء والإنشاءات الجديدة، بما في ذلك اندفاع جنوني نحو الموانئ التجارية والمواقع العسكرية على ساحل البحر الأحمر في أفريقيا. في حين أن اجتذاب المصالح (وتدفق النقد) الأجنبية أظهر إمكانيات هائلة للتنمية الاقتصادية في القرن الأفريقي، فإنه كشف أيضًا عن مدى هشاشة المنطقة أمام الصدمات الخارجية.

على الرغم من أن أزمة الخليج أدت إلى موجة جديدة من الانخراط في هذا السباق، فإن هذه الغزوات سبقتها مقدمات. إذ حولت السعودية والإمارات اهتمامهما لأول مرة إلى مصر في عام 2011، حين شعرتا بالقلق من اضطراب الربيع العربي وصعود جماعة الإخوان المسلمين.

وفي عام 2014، قامتا بشراء النفوذ في السودان وإريتريا لمنع إيران من ترسيخ موطئ قدم لها على جهتهم الغربي، وفي العام التالي أنشأتا قاعدة عسكرية في القرن الأفريقي، تشنان منها حربًا متنامية ضد الوكلاء الإيرانيين والخصوم الإسلاميين في اليمن.

بحلول عام 2017، كانت مسألة التنافس بين القوى الكبرى قد بدأت أيضًا في تنشيط ساحة البحر الأحمر.

وبحلول عام 2017، كانت مسألة التنافس بين القوى الكبرى قد بدأت أيضًا في تنشيط ساحة البحر الأحمر. إذ أنشأت بكين أول قاعدة عسكرية في الخارج في جيبوتي، عند تقاطع البحر الأحمر مع خليج عدن، وبدأت مؤسسة الدفاع الأمريكية – سواء في البنتاجون أو في مقر القيادة القتالية المسؤولة عن أفريقيا والشرق الأوسط والمحيطين الهندي والهادئ – في توجيه اهتمامها إلى المنطقة.

ويضيف الكاتب أن وجود جيش التحرير الشعبي الصيني عند تقاطع هذه المناطق، وأهمية عنق الزجاجة البحري هذا بالنسبة لطرق التجارة وحرية الملاحة في جميع أنحاء العالم، جعلت البحر الأحمر محك اختبار في الحوار الكبير حول تنافس القوى العظمى.

ما وراء اهتمام الدول الأوروبية بالمنطقة

وفي الوقت نفسه، فإن المصالح التجارية والهجرة غير المستقرة تعني أن الدول الأوروبية تولي اهتمامًا للتطورات الجارية في البحر الأحمر، في حين أن الاستثمارات الصينية المتزايدة تجعل منها لاعبًا لا يمكن أن تستهين به دول الخليج والقرن الأفريقي، بينما ما تزال واشنطن غائبة إلى حد كبير في مناقشات البحر الأحمر، باستثناء المناقشات الدورية التي تثار حول غيابها.

ويتساءل الكاتب: هل ستضع إدارة ترامب استراتيجية سياسية للمنطقة التي تتسارع فيها التطورات، أو تستعرض أيًّا من عضلاتها الدبلوماسية؟ ليجيب: المستقبل وحده كفيل بالإجابة عن هذا السؤال.

السيناريو الأول: حرب اليمن

أول هذه السيناريوهات الستة التي يرصدها التقرير هي الحرب في اليمن، والتي دفعت الرياض وأبو ظبي في عام 2015 إلى إقامة مواقع عسكرية على الشواطئ الأفريقية القريبة.

وعندما تسببت التداعيات المريرة مع جيبوتي (بسبب سوء الإدارة المزعوم من الإمارات لمينائها التجاري) في منع قوات التحالف الخليجية من بدء عملياتها، انتقلت خطوة واحدة شمالًا إلى إريتريا.

Embed from Getty Images

وبعد أن خطب الزعماء السعوديون والإماراتيون ود الرجل القوي المستبد في ذلك البلد المعزول، متعهدين بتقديم الأموال ومد يد التعاون، بدأت الطائرات المقاتلة الإماراتية والسفن الحربية في شن هجمات من إريتريا باتجاه مدينة عدن الساحلية المتنازع عليها، على بعد 150 ميلًا فقط إلى الشرق.

منذ ذلك الحين، فشلت المحاولات الدولية لوقف القتال في اليمن أو فرض تسوية سياسية، ولم يقتصر الأمر على استمرار الحرب لفترة أطول مما كان يأمله مشايخ الرياض وأبو ظبي، ولكن التوتر مع إيران في البحار المجاورة قد عكر المياه التي كانت ضبابية بالفعل. وتراجعت القوات الإماراتية في الأشهر الأخيرة، أما السعوديون، الذين لم تتحقق أهدافهم، بل يتعرض حلفاؤهم المحليين للخطر، فأجبروا على القيام بتحوُّل محوري صعب.

تفاوض السعودية مع الحوثيين

ويتابع الكاتب: بعد أن كشفت الهجمات التي استهدفت منشأتين نفطيتين سعوديتين في سبتمبر (أيلول) 2019 عن ضعف القطاع الاقتصادي المهيمن للبلاد، بدأت الرياض في التحدث مباشرة مع الحوثيين، عازمة على ما يبدو على إنهاء الصراع الكارثي ووضع مسافة بين الحوثيين وطهران، وكذلك تنظيف سمعتها الملطخة.

ويضيف: إن خاتمة الصراع التي يجري التفاوض حولها في اليمن يمكن أن تشكل ديناميات عابرة للأقاليم، ولا تشمل هذه النهاية إبرام صفقة سياسية فقط، ولكنها تنطوي أيضًا على اعتبارات إقليمية، إلى جانب السيطرة على الموانئ الموجودة على ساحل اليمن البالغ طوله 1200 ميل، وضمانات خاصة بمضيق باب المندب ذي الموقع الاستراتيجي.

السيناريو الثاني: الصومال

سوف يتكشف السيناريو الثاني الذي ينبغي مراقبته عبر البحر الأحمر، في الصومال، التي ما تزال أكثر دول القرن الأفريقي هشاشة؛ إذ مثل الرئيس محمد عبد الله فارماجو وإدارته بداية مضطربة بشكل خاص للتنافس الخليجي. فبعد أن قاوم فارماجو الضغط للانحياز إلى أحد أطراف النزاع عام 2017، واتهم الإمارات في وقت لاحق بالرشوة والتدخل (تبع ذلك مصادرة لمبلغ باهظ يبلغ 10 ملايين دولار نقدًا من الإمارات على مدرج المطار في مطار مقديشو)، تخلت أبو ظبي بعدها عن العلاقات مع الحكومة المركزية.

ونظرًا إلى غضبها من العلاقات السياسية والمالية بين حكومة فارماجو والدوحة، حولت الإمارات اهتمامها ودفتر شيكاتها إلى ولايات الصومال الفيدرالية.

ونظرًا إلى غضبها من العلاقات السياسية والمالية بين حكومة فارماجو والدوحة، حولت الإمارات اهتمامها ودفتر شيكاتها إلى ولايات الصومال الفيدرالية ومناطق الأطراف الانفصالية. وكشفت هذه الخطوة عن معركة مكثفة على النفوذ الأجنبي في الصومال وزادت من حدة التصدعات العميقة بالفعل في البلاد.

لكن بعد عامين من القطيعة من المشهد السياسي لمقديشو، والقلق المستمر بشأن النفوذ التركي والقطري، ربما يتطلع الإماراتيون إلى إعادة ترسيخ وضعهم في العاصمة قبل انتخابات الصومال عام 2020.

وبينما استخدمت دول الخليج المال لتخطب ود النخب المحلية، برهن الصوماليون أيضًا على أنهم بارعون في التلاعب برعاتهم الأجانب، من أجل الاستفادة منهم لتحقيق أهداف حملاتهم الخاصة.

وفي ظل انتخابات تلوح في الأفق، ربما لا تكون هناك حاجة إلى تنبيه يفسد المفاجآت ويحرق الأحداث، وقد يكون هناك موسم آخر، من الخداع بالوكالة وتوجيه أصابع الاتهام والمساهمات غير المشروعة، على وشك البدء.

السيناريو الثالث: إثيوبيا والسودان 

ويتابع الكاتب أن السيناريو الثالث يتعلق بالتغيير السياسي في إثيوبيا والسودان، حيث يحاول القادة الجدد، بعد إطاحة الأنظمة التي استمرت لعقود من الزمان، إحداث تحولات سياسية محفوفة بالمخاطر. وسارعت دول الخليج إلى التدخل في كليهما، مما أسفر عن نتائج متباينة.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن المؤسسة المسيحية الأرثوذكسية في إثيوبيا ظلت تشعر بالقلق منذ فترة طويلة من النفوذ الإسلامي الذي يمارس من الخارج، فإن رئيس الوزراء آبي أحمد قَبِل حزمة مساعدات واستثمارات كان في حاجة ماسة إليها، من الإمارات بقيمة 3 مليارات دولار في أبريل (نيسان) 2018.

وبعد أشهر، استضافت العائلة المالكة السعودية والإماراتية آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي؛ للاحتفال باتفاقية السلام التاريخية (التي حصل بسببها آبي أحمد في وقت لاحق على جائزة نوبل لعام 2019). وأعقب ذلك الحديث عن تنشيط الموانئ البحرية، وأنابيب النفط، والاتصالات السلكية واللاسلكية، وغيرها من الاستثمارات. وسعى آبي أحمد بحكمة لتحقيق التوازن في علاقاته مع البلدان المجاورة، إذ جعل تواصله الجديد مع السعودية والإمارات مقرونًا بزيارات رسمية إلى قطر وإسرائيل.

اضطرابات اجتماعية وتوتر سياسي بإثيوبيا

وأردف الكاتب أن وصول آبي للسلطة كان بمثابة انفتاح تاريخي في إثيوبيا، وبينما جرى الاحتفاء برؤيته للتحديث على نطاق واسع، فإن تغيير الحرس القديم أدى أيضًا إلى اضطرابات اجتماعية، وانعدام اليقين السياسي، وتصاعد الخطاب الإثني القومي.

آمن الشركاء الخليجيون (والكثيرون في الغرب) إيمانا شخصيًّا كبيرًا بهذا المُصلح ذي الكاريزما، على أمل أن يتمكن من قيادة تنمية سياسية واقتصادية مستقرة، وأن يتيح لهم إمكانية الوصول إلى الصناعة المخصخصة، ومائة مليون مستهلك. وفي حين يمكن للمساعدات القادمة من الشركاء العرب الأثرياء أن تساعد في تعزيز الانتقال، لكن المصالح طويلة الأجل لدول الخليج وإثيوبيا لن تستفيد على الوجه الأمثل إلا إذا ضربت تلك الاستثمارات على الوتر الحساس للسياسات العرقية الإقليمية المعقدة في البلاد. بينما ينبغي ألا تكون هذه الاستثمارات مصممة لخدمة فرد بعينه، وإنما تكون لصالح المؤسسات وقطاعات النمو التي تخدم جميع الإثيوبيين.

السعودية والإمارات في السودان

وينتقل الكاتب للحديث عن السودان قائلًا إنه عندما اندلعت الاحتجاجات الشبيهة باحتجاجات الربيع العربي في البلاد نهاية عام 2018، شعرت الرياض وأبو ظبي أن عهد الرئيس عمر البشير قد يكون  في النزع الأخير. وبعد مغازلة الديكتاتور الشهير بانتهازيته لسنوات، أوقف هؤلاء الرعاة الخليجيين ضخ الأموال التي دعمت نظامه، مما عجل بسقوطه في أبريل 2019.

وبالمثل، ولأنهما تشعران بعدم الارتياح إزاء علاقات الخرطوم مع قطر وتركيا، وينظران إلى الثورة السودانية من منظور التشجنات التي انتابت الانتفاضة المصرية، تحرك الدبلوماسيون، وضباط المخابرات، والعسكريون السعوديون والإماراتيون بسرعة. ولأنهم كانوا عازمين على الفوز بقطعة من رقعة الشطرنج الجيوسياسية، سعوا إلى القضاء على التوجه الإسلامي وتشكيل شريك سوداني جديد مطيع لهم. بالإضافة إلى تقديم المليارات من المساعدات، استثمروا في بوليصة تأمين قصيرة الأجل بشأن الاستقرار من خلال دعم رجل عسكري قوي جديد في المجلس المؤقت، وهو رجل له تاريخ أسود مثل البشير.

السودانيون يرفضون تدخل دول الخليج

ويستدرك الكاتب: لكن التدخلات الخليجية الخرقاء قوبلت بالغضب في شوارع الخرطوم. وهتفت الجماهير المحتشدة: «لا نريد مساعدتكم!»، إذ رأت الحركة الشعبية من أجل التغيير الديمقراطي أن ثورتها تختطف.

على الرغم من أنهم ما زالوا ينصبون شباكهم ويضعون رهاناتهم، تعهد الشركاء الخليجيون بتقديم دعم سياسي ومالي للسلطة الانتقالية.

وبينما عبر آخرون في السودان وخارجه عن مخاوف مماثلة، عدَّل المسؤولون السعوديون والإماراتيون المسار، وظهرت في النهاية حكومة مدنية وعسكرية مختلطة. وعلى الرغم من أنهم ما زالوا ينصبون شباكهم ويضعون رهاناتهم، تعهد الشركاء الخليجيون بتقديم دعم سياسي ومالي للسلطة الانتقالية بتنسيق مع المجتمع الدولي.

ويقول الكاتب إنه يتعين على حكومة السودان الجديدة التغلب على الانقسامات الداخلية، وإعادة تشكيل دولة دمرها الفساد وسوء الإدارة والعزلة. وسوف يعتمد نجاحهم بشكل كبير على المساعدات الخارجية، ليس أقلها من دول الخليج التي يمكنها ضخها بسرعة أكبر من الغرب، وهو ما قامت به بالفعل.

ويخلص الكاتب إلى أن التحولات في السودان وإثيوبيا محفوفة بالمخاطر، وكل منهما سيشكل القرن الأفريقي – والسياق الأوسع في البحر الأحمر – لجيل قادم.

السيناريو الرابع: منتدى البحر الأحمر

ويتابع الكاتب أن السيناريو الرابع يتعلق بإنشاء ما يسمى بمنتدى البحر الأحمر. لافتًا إلى أن الدبلوماسيين أصحاب الاهتمام بالتفكير المستقبلي على ضفتي البحر الأحمر وأوروبا مضوا العام الماضي في وضع الأسس لما يرون أنه اجتماع للحوار متعدد الأطراف. وتتركز هذه الفكرة حول استجابة معقولة للحقائق الجديدة، عبر حشد الدول الساحلية لمناقشة المصالح المشتركة، وتحديد التهديدات الناشئة ووضع الحلول المشتركة.

يمكن لمثل هذا المنتدى رفع تكاليف إقدام أي دولة بمفردها على نشاط مزعزع للاستقرار.

ويشير الباحث إلى أن التجسيد المثالي لهذا المنتدى قد يمكّن الدول الأفريقية والخليجية معًا من مواجهة قضايا متنوعة مثل التجارة وتطوير البنية التحتية، والأمن البحري، والهجرة المختلطة، وإدارة الصراع. وعلى أقل تقدير، يمكن لمثل هذا المنتدى رفع تكاليف إقدام أي دولة بمفردها على نشاط مزعزع للاستقرار، وتوفير منبر للدول الأفريقية للمشاركة مع دول الخليج على قدم المساواة.

لكن الرؤى المتباينة بشأن منتدى البحر الأحمر ما تزال قائمة: كيف ينبغي هيكلته، ومن الذي يجب دعوته، والأمور التي ينبغي أن تكون لها الأولوية؟ ستحدد الإجابات على هذه الأسئلة ما إذا كان المنتدى يمكن أن يخدم المصالح الجماعية للدول على كلا الشاطئين، أو ما إذا كان سيسخر لخدمة أجندات أضيق. (يشعر بعض المراقبين بالقلق من أن السعوديين – الذين أخذوا بمقاليد المبادرة مصرية المولد، وتولوا منذ ذلك الحين الدور القيادي في إنشاء المنتدى – قد يركزون بشكل لا مبرر له على كل من إيران وقضايا الأمن).

السيناريو الخامس: العلاقات الخليجية

وأضاف الكاتب أن السيناريو الخامس يتعلق بالديناميات البينية لدول الخليج. مشيرًا إلى أن أزمة الخليج بدأت بحادث درامي كبير تمثل في حصار سعودي – إماراتي لدولة قطر، وقائمة تضم 13 مطلبًا ومؤامرة مزعومة لخلع الأمير القطري. لكن الخلاف لم يسفر عن شيء منذ ذلك الحين، بينما أدى إلى تعطيل التدفقات التجارية وزعزعة استقرار المناطق المجاورة، وترك الخصوم الخليجين مكشوفين مع تصاعد التوتر مع إيران.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن ترامب ردد في البداية الخطاب المعادي لقطر، الذي روجت له خصومها، فإن موقفه تحول فيما بعد، ووجه دعوة إلى أمير قطر لزيارة المكتب البيضاوي في يوليو (تموز).

وفي حين كان من المفترض أن يكون للبيت الأبيض دور نشط في حل الأزمة الخليجية منذ فترة طويلة، فإن جلسة التقاط الصور مع زعيم قطر ساعدت في القضاء على أي آمال لدى السعوديين والإماراتيين في استسلام قطر.

ضعف التحالف السعودي الإماراتي 

موقف ترامب هذا كان من بين الأسباب التي وضعت التحالف السعودي الإماراتي على طاولة المراجعة في كلا العاصمتين الآن. وهناك أيضًا الاستراتيجيات المتباينة في اليمن، والتصورات المتنافسة للتهديدات (إيران في مقابل الإخوان المسلمين)، والقلق الإماراتي بشأن سمعة الرياض العالمية التي أضحت مثيرة للإزعاج، وإمكانية المنافسة الاقتصادية طويلة الأجل، كل هذه الأمور تعد أسبابًا دعت أيضًا إلى إعادة تقييم العلاقات بين البلدين.

لن يذهب الحليفان في طريقين منفصلين، لكن قد تبدو الشراكة مختلفة في الموسم المقبل.

ولن يذهب الحليفان في طريقين منفصلين، لكن قد تبدو الشراكة مختلفة في الموسم المقبل. وفي الوقت نفسه، سوف تعتمد الديناميات الأوسع بين الأصدقاء والأعداء الخليجيين على الأحداث في إيران، وعلى جهد جديد هادئ لإنهاء الخلاف مع قطر.

السيناريو السادس: المنافسة بين الدول الكبرى

ويصل الكاتب إلى السيناريو السادس والأخير للبحر الأحمر، المتعلق بمنافسة القوى الكبرى، وهو محور تركيز الطيف السياسي في واشنطن، ويحظى باهتمام خاص من إدارة ترامب.

في وصفه للبحر الأحمر بأنه «الطريق السريع 95» للعالم – في إشارة إلى الطريق السريع الساحلي الشرقي الممتد من مين إلى فلوريدا – كان الضابط العسكري الأمريكي يؤكد أهمية الممر المائي بالنسبة لعقيدة أساسية لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، والتي تتمثل في الحفاظ على المشاعات العالمية، بما في ذلك خطوط الاتصالات البحرية المفتوحة.

وتشمل نقاط الاختناق المهمة في البحر الأحمر: قناة السويس المصرية، ومضيق باب المندب الذي يبلغ عرضه 20 ميلًا بين اليمن وجيبوتي. ويُعرّف الاستراتيجيون العسكريون هذا الممر الأخير بأنه ممر يمكن إغلاقه، على ما ينطويه ذلك من عواقب وخيمة، في حالة حدوث نزاع كبير.

وباب المندب الآن ليس فقط موطنًا لكل من القواعد العسكرية الأمريكية والصينية، ولكن أيضًا حددته قوات الحرس الثوري الإسلامي الإيرانية بالاسم هدفًا محتملًا إذا فكر خصومها في إغلاق مضيق هرمز.

يُفترض أن تكون هذه القاعدة الصينية هي الأولى من بين قواعد أخرى قادمة.

ويردف التقرير: إن وجود بكين المتزايد في المنطقة يتطلب اهتمامًا استراتيجيًّا. كما أنه يوفر للجيش الأمريكي فرصة للتعلم والقيام ببعض الأمور غير المسبوقة. وعلى أي حال، يُفترض أن تكون هذه القاعدة الصينية هي الأولى من بين قواعد أخرى قادمة. لكن التركيز على بكين وحدها، بدون خطط تكميلية لإشراك الدول على جانبي البحر الأحمر، هو أمر قصير النظر، بحسب الباحث.

ومواجهة الصين تتطلب انخراطًا أمريكيًّا في المنطقة، وهذا يعني أن تحل مكان رواية الانسحاب دبلوماسية أكثر نشاطًا في الخليج والقرن تشمل تمكين التحولات السياسية، وتخفيف التنافس، وتعزيز التجارة، وتأكيد التعاون الأمني، ​​ودعم تعددية الأطراف.

 هل ستظهر واشنطن؟

ظلت إدارة ترامب في الغالب على الهامش، ولم تقل كلمة واحدة بشأن الجهود المبذولة لإنشاء منتدى للبحر الأحمر. فيما سعى المسؤولون الأوروبيون، الذين يدركون الأهمية العالمية للمنطقة وحدود نفوذهم لدى اللاعبين الرئيسيين، إلى زيادة الانخراط الأمريكي. ولكن نداءاتهم لم تقابل سوى بالقليل من الاهتمام، ليس هذا فحسب بل سعوا حتى لإيجاد مسؤول أمريكي بارز مناسب للتفاعل معهم بانتظام.

هناك مشكلة بيروقراطية أيضّا، إذ تتحدى الديناميات العابرة للأقاليم المؤسسات التي جرى تقسيمها منذ وقت طويل إلى مكاتب «للشرق الأوسط» و«أفريقيا». وفي وزارة الخارجية الأمريكية، لم يعتد مسؤولو الشؤون الأفريقية ومسؤولو الشؤون العربية على الانخراط معًا، ولا حتى تُبذل محاولات لتشجيعهم على التكيُّف.

في البنتاجون، حيث يمثل البحر الأحمر أيضًا نقطة تماس بين ثلاثة من القيادات القتالية الستة للجيش الأمريكي، يجد مسؤولو الدفاع صعوبة في التعامل مع هذا التحدي. ورغم أن وجود الصين حظي بالكثير من الاهتمام، فإن مهمة تطوير استراتيجية عالمية طويلة الأجل، وتوفير الموارد لها، ليست مهمة سهلة، خاصة في ظل غياب تهديد مباشر واضح المعالم.

ينبغي لواشنطن أن تظهر في الموسم الجيوسياسي المقبل على ساحة البحر الأحمر.

ويقول الكاتب: ينبغي لواشنطن أن تظهر في الموسم الجيوسياسي المقبل على ساحة البحر الأحمر. ولا يحتاج الأمر إلى أن تتولى تحريك الأمور، لكن غيابها المستمر يحبط الحلفاء، ويفوت فرصًا مطروحة على الطاولة لتعزيز المصالح الأمريكية. ويقترح الكاتب طرقًا بسيطة للبدء، دون إصلاح شامل للمؤسسات، أو إعادة صياغة الأوامر القتالية:

على سبيل المثال، ينبغي أن يجري مساعدو وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى وأفريقيا سويًّا جولة دبلوماسية في منطقة البحر الأحمر، مع الإشارة إلى نوع منتدى البحر الأحمر الذي يمكن أن تدعمه الولايات المتحدة، وما الموارد التي يمكن أن تسخرها. وبالنظر إلى الصمت الأمريكي حتى الآن، يمكن لمجرد إظهار الاهتمام الأمريكي أن يغير الحسابات في المنطقة، ويكشف عن فرص للتعاون، ويساعد في دفع الحلفاء على كلا الساحلين نحو الاستقرار والازدهار والتكامل.

في الختام، يشير الكاتب إلى أنه يمكن فهم تاريخ الخليج والقرن الأفريقي جزئيًّا من خلال الانقسام الثنائي، مع وجود مفاهيم متباينة عن البحر الأحمر سمةً مميزة للاتحاد أو الانقسام. وفي حين تفاعل البشر والدول عبر هذا الطريق البحري لعدة أجيال، فإن الاتجاهات العالمية – مثل تصاعد عدم المساواة، وتغيير مراكز القوة، وزيادة الهجرة، والمطالب الشعبية بالديمقراطية، والتنافس التجاري البحري الكبير – تطمس الحدود عبر البحر الأحمر كما لم يحدث من قبل. ولذلك فإن النظام الناشئ العابر للأقاليم، سواء كان تعاونيًّا أم تنافسيًّا، يتطلب اهتمامنا المستمر.

تاريخ

منذ 9 شهور
«نيويورك تايمز»: هكذا رسم الاستعمار خريطة الشرق الأوسط قبل 100 عام

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد