قال رباح أرزقي في تقرير له على موقع معهد «بروكنجز»: «إن الشعوب العربية – في الجزائر، ومصر، والأردن، والكويت، ولبنان، والعراق – خرجت مرة أخرى إلى الشوارع . وعلى الرغم من تباين الوضع من بلد لآخر، إلا أن السبب الأساسي المشترك هو انعدام الثقة في أنظمة الحكم».

وأوضج أرزقي أن هذه الاحتجاجات تشير إلى الحاجة لتغييرات اقتصادية واجتماعية جذرية لتحفيز النمو الاقتصادي وخلق الوظائف لملايين الشباب الذين سيدخلون سوق العمل على مدى العقود القليلة القادمة.

ومع ذلك لم يُنجز الكثير لتلبية تلك الاحتياجات. فقد فشلت جميع الحكومات تقريبًا في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية العميقة، مثل المنافسة العادلة، اللازمة لتحويل الاقتصادات الريعية إلى اقتصادات حديثة ومثمرة.

في الواقع، كان النمو في عام 2019 متواضعًا بنسبة 2.2% – وهي زيادة تافهة من حيث نصيب الفرد من الدخل – في حين لا يزال معظم العرب يعملون في القطاع الخاص غير المستقر.

وبالنظر إلى انعدام الثقة في الحكومات العربية، فإن هذه المقالة تناقش مقاربة مختلفة للإصلاح. يجب أن تكون الأولويات الرئيسة هي اجتثاث الفساد من خلال الشفافية في الحكومة وخفض الدعم الضمني الذي يستفيد منه المنتجون – على عكس المستهلكين الفقراء – بما في ذلك المرافق العامة المملوكة للدولة.

الربيع العربي

منذ 5 شهور
«الثورات العربية لا تشبه الثورة الفرنسية».. حوار مع المفكر الأسترالي جون كين

تطلعات متزايدة وإصلاحات خجولة

بعد التباطؤ في النمو الذي أعقب بداية الربيع العربي – بحسب الكاتب – ركزت السلطات في عام 2011 في الغالب على جهود تثبيت الاقتصاد الكلي التي تأخرت حتى أصبحت حتمية. ولم تحظَ هذه السياسات – التي شملت تخفيضات في إعانات المستهلك وزيادة الضرائب – بشعبية كبيرة وتآكلت القوة الشرائية للطبقة المتوسطة.

وفقًا للمقياس العربي فإن 26% فقط من السكان الذين شملهم الاستطلاع يرون أن الوضع الاقتصادي مواتٍ و37% يعتقدون أنه سوف يتحسن قريبًا، لكن انعدام الثقة في الحكومة مرتفع: فـ25% من السكان فقط لديهم نظرة إيجابية عن أداء الحكومة، في حين يعتقد 84% بوجود فساد في مؤسسات الدولة و41% فقط يعتقدون أن الحكومة تعالج هذه القضية.

تتناقض التطلعات المتزايدة بين الأغلبية المثقفة من الشباب مع الأداء الضعيف للحكومات في تحديث الاقتصاد وتوفير الوظائف. إن عدم قدرة الحكومات العربية على تقديم خدمات عامة جيدة بأسعار معقولة، إلى جانب مكافحة الفساد الحكومي الذي يطلق يد القطاع الخاص، يؤدي إلى تفاقم انعدام الثقة بين المواطنين.

وتعمل وسائل التواصل الاجتماعية على تضخيم السخط؛ إذ تسمح هذه التكنولوجيا للمواطنين بالتفاعل بسرعة مع الأخطاء التي ترتكبها الحكومات وعادة ما تكون سرية، لتنتشر المشاعر المناهضة للحكومة بسهولة.

ثمة حاجة إلى نهج جديد للإصلاحات

عادة ما تحدث الإصلاحات الاقتصادية في البلدان العربية بعد فترة من المكاسب الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط كما كان الحال في أوائل الألفية الجديدة – يؤكد أرزقي – ليستفيد منه كل من مصدري النفط والمستوردين في المنطقة من خلال الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتحويلات، والمنح المقدمة من المصدرين.

ويضيف الكاتب، أنه في مقابل ذلك، فإن سوء الإدارة الاقتصادية وتأخر استقرار الاقتصاد الكلي يعجلان بالهبوط الاقتصادي عندما تظل أسعار النفط منخفضة باستمرار كما كانت في عام 2014، ثم تدعو الحكومات المنظمات الدولية إلى إنقاذ البلاد من مخاطر عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي.

غالبًا ما تبرر الضرورة التركيز على إجراءات محددة تخفي آثارها الأوسع. على سبيل المثال، هناك مبررات قوية للابتعاد عن منح الإعانات، خاصة فيما يتعلق بالوقود – كحد أدنى بسبب ضغوط الدعم على الميزانية. ومع ذلك تسببت محاولات الإصلاح في الاحتجاجات، وأحيانًا العنف، حتى عندما اتخذت تدابير للتخفيف من تأثير ذلك على الفقراء.

إن معارضة إصلاح الإعانات قوية للغاية؛ لأن إعانات المستهلك تقع في قلب الميثاق الاجتماعي غير المعلن الذي يتخلى فيه المواطنون العرب عن صوتهم، ويتسامحون مع عدم محاسبة الحكومة في مقابل الإعانات، والتعليم المجاني، والرعاية الطبية، والوظائف العامة. ولكن يتعرض هذا العقد الاجتماعي الآن للاختبار بواسطة عدد كبير من الشباب المتحمس وعجز الميزانية. يتفاقم عدم الرضا بسبب فشل العديد من الدول العربية في تقديم خدمات كافية في القطاعات المدعومة مثل النقل العام. ففي العديد منها يوفر المشغلون من القطاع الخاص حصة الأسد من خدمات النقل. تدخّل هؤلاء المشغلون في الأماكن التي فشلت فيها الدولة في تقديم الخدمات، وكان دعم الوقود بمثابة تعويض لهم عن قيامهم بوظيفة الدولة. وينظر عدد كبير من المشغلين الصغار في كثير من الأحيان إلى إلغاء دعم الوقود على أنه تحويل من جيوبهم إلى تلك التي لم تفعل شيئًا يستحقها.

وبالتالي، هناك حاجة إلى نهج جديد للإصلاح يفسر ديناميات العقد الاجتماعي المتطور باستمرار بين النخب السياسية والاقتصادية والشعب. لا يمكن النظر في إصلاح إعانات المستهلك بشكل مستقل عن إعانات المنتج – يشدد أرزقي – بما في ذلك المؤسسات غير الفعالة المملوكة للدولة والإسناد المباشر للعقود العامة من قبل المقربين منها.

يجب أن يعبر النهج عن الرؤية الأوسع للتحول الاقتصادي نحو قطاع خاص أكثر مصداقية، وبالتالي معالجة مشكلات كل من المستهلك والمنتج. وينبغي أن يُستكمل التحول بنظام حماية اجتماعي أكثر حيوية يحمي الأفراد من الصدمات الاقتصادية والفقر. حاليًا أنظمة الحماية في الدول العربية محدودة وغير فعالة. يمكن للنظم المصممة والمنفذة جيدًا تشجيع الاستثمار الفردي وتطوير كل من روح المبادرة والقطاع الخاص.

الشفافية والبيانات لضمان مساءلة الحكومة

يرى الكاتب أن عدم قدرة العديد من الحكومات العربية على تقديم خدمات أساسية مثل الكهرباء والمياه، وإدارة النفايات والنقل العام والاتصالات هو لب عدم الثقة. فبينما ينبغي إصلاح الإعانات الشاملة على الفور، من المناسب أن تقوم الحكومة أولًا بتحسين أدائها وتشجيع المنافسة في القطاعات الرئيسة التي يعتمد عليها المواطنون. إن مثل هذه الإصلاحات من شأنها تحسين جودة الخدمات؛ مما يجعل من الأسهل تبرير التعريفات الأعلى التي قد تنجم عن تخفيض الإعانات.

تعد الشفافية وكشف البيانات ضرورية لإصلاح القطاع العام وإنشاء آليات للمساءلة للحد من الفساد، بحسب أرزقي. ففي العديد من الدول العربية، تحجب الحكومة البيانات؛ مما يقلل من احتمالية تحقيق أسواق مفتوحة لا توجد فيها عوائق أمام الدخول.

على سبيل المثال: إن الافتقار إلى الشفافية حول المشتريات العامة والفشل في تطبيق النظام الرقمي للمدفوعات والإيصالات الحكومية يشجع على البيروقراطية والاستيلاء على الأسواق من قبل النخب التي لها صلات بالحكومة.

والأهم من ذلك أن الإفصاح غير الكافي عن البيانات والإحصاءات يمنع وضع السياسات القائمة على الأدلة ويحد من قدرة الحكومات على تصحيح مسارها وتجنب الأخطاء الكبيرة. بمعنى آخر: يجب أن يقع عبء الإصلاحات في الدول العربية أولًا على عاتق الحكومات للمساعدة في ضمان قبول المواطنين للأعباء الناجمة عن الإصلاحات التحويلية.

الأمر يتعلق أيضًا بالأشياء الصغيرة

عند وضع سياسات الإصلاح، يجب على السلطات أيضًا الانتباه إلى الأشياء الصغيرة مثل عواقب إزالة ضوابط الأسعار على بعض الأطعمة الأساسية الشعبية مثل الخبز. حتى لو لم تكن مهمة بالنسبة للحكومة، فإن هذه المواد الغذائية تحمل طابعًا رمزيًا كبيرًا بالنسبة للسكان ككل. إن الخيط المشترك في الاحتجاجات الضخمة في العالم العربي هو الأهمية التي يوليها الأفراد للحفاظ على كرامتهم – بطرق كبيرة وصغيرة.

الربيع العربي

منذ 7 شهور
«فورين أفيرز»: الربيع العربي لم يكن سوى مرحلة أولى.. هكذا سيغير العرب مستقبلهم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد