بين دفع غرامة لارتداء البيكيني في إيطاليا 1957، ودفع الغرامة لارتداء البوركيني في فرنسا 2016، مَن يحدد ما ترتديه النساء؟

نشرت «نيويرك تايمز» تقريرًا كتبته «أليسا بوربين» يحاول عرض تاريخ السيطرة على ما ترتديه النساء في أوروبا؛ فالتاريخ يظهر مدى التناقض بين الموقف من ما ترتديهالنساء على مر 70 عامًا فقط.

تظهر صورة قديمة شهيرة شرطيا يرتدي زيه الأنيق وتعتلي وجهه ابتسامة «متكلفة» بينما يحرر «مخالفة» لامرأة تقف أمامه في زي سباحة «مهين»، ربما هو يستمتع بإشعارها بعدم الراحة.

لعل الصادم في الصورة خاصة الآن هو أنها لا ترتدي البوركيني، إنما البيكيني.

يعود تاريخ الصورة لعام 1957، إذ ترتدي المرأة البيكيني على شاطئ ريميني بساحل الأدرياتيك الإيطالي، يُذكر أن إيطاليا منعت ارتداء زي السباحة الكاشف للجسد؛ فقد كان البيكيني «زيًا كاشفًا بدرجة كبيرة لا تؤهله للبس في الأماكن العامة».

تقول الكاتبة إنه في خضم معركة فرنسا حول حظر البوركيني، يحتفل البيكيني بعامه السبعين، تلك الصورة التي تؤرخ للجدل المثار حول البيكيني في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات تعرض في معرض بباريس الآن. فما أشبه اليوم بالبارحة، الصور تظهر مدى التشابه مع الجدل المثار في فرنسا اليوم.

التاريخ والهوس بما ترتديه النساء

ولعل السؤال الأهم هنا هو لماذا كل هذا الصراع حول ما ترتديه النساء للسباحة أو بشكل عام؟ ولماذا يثار الجدل حوله مرارًا وتكرارًا على مر التاريخ، بدرجة تستدعي المجتمعات لتشريع أو إصدار قوانين فيما يخص اختيارات النساء لما يرتدين؟

خاض المؤرخون وعلماء الاجتماع والأنثربولوجيا في نقاشات حول الأمر طوال عقود، وربنا تنطوي العبارة الرمزية البسيطة بأن «أجساد النساء أرض معارك» على حقيقة. سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، لطالما تحكم الرجال بشكل أساسي فيما ترتديه النساء طوال الوقت.

تتعجب «سارة فكيه»، 23 سنة، من مدينة ليون الفرنسية «ألا يمكننا أن نقرر ما نريد أن نرتديه في 2016؟» في تعليقها على مقال نشرته «نيويورك تايمز». وتضيف «أليس الأمر كله اختيارًا شخصيًّا سواء ارتداء الملابس الفاضحة أو الكاشفة أو حتى الساترة كلية، أليس ذلك اختيارًا شخصيًا لايمكن أن يلميه القانون؟».

تقول الكاتبة إن الجدل المثار حول البوركيني بالطبع لا يرتبط بالحركة النسوية فحسب، إنما هو مقدمة جدل آخر حول وضوح وجود الإسلام في فرنسا، ويأتي ذلك في سياق ما مرت به فرنسا مؤخرًا من أحداث إرهابية في «نيس» روعت البلد كله.

في 14 يوليو (تموز)، قاد رجل شاحنة ضخمة، داعسًا جموع المحتفلين في «نيس» بعيد «الباستيل»، متسببًا في مقتل 86 شخصًا، وإصابة 300 آخرين، وأعلنت الدولة الإسلامية لاحقًا أن الفاعل هو أحد «مجنديها».

عقب ذلك الحادث بما لا يتجاوز شهرًا واحدًا، صدر حوالي 30 حظرًا على الملابس «غير الملائمة» على الشواطئ الفرنسية؛ ضد ملابس المسلمين، مع العلم أن تنفيذها كان في مدينة «كان»، أي على بعد 20 ميلًا من مدينة «نيس».

صراع لن ينتهي!

تذكر «بوربين» أنه على الرغم من أن المحكمة الإدارية العليا في فرنسا، أسقطت مشروعية حظر البوركيني في الجمعة الماضية، ومن الواضح أنه سيطبق في جميع المدن الأخرى إذا ما قامت برفع دعوى هي الأخرى ضد البوركيني، يبدو أن الصراع لم ينتهِ على الإطلاق.

وتفسر قائلة إنه من الممكن أن يصدر البرلمان الفرنسي الحظر، فضلًاعن استعداد مرشحي البرلمان 2017 من اليمين واليمين المتطرف على تفعيل المزيد من الإجراءات التي تبدأ بمنع النساء المسلمات من ارتداء الحجاب في الجامعات وأماكن العمل، وتصل إلى منع ارتداء أي زي ديني في الأماكن العامة.

فبينما يستمر الجدل، بالطبع سيتطرق الحديث لأمور مهمة فيما يخص فرنسا والعنصرية والإسلام، لكن القضية الأساسية الأهم هي ملابس النساء بوجه عام.

صراع متجذر في التاريخ

«يبدو أن فرنسا اليوم تعتقد بشدة أن مثل ذلك التعري هو أمر «إلزامي»، مثلما اعتقدت إيطاليا تحت تأثير الفاتيكان أنه من الضروري تغطية أجساد النساء».

تذكر الكاتبة أنه على مر التاريخ، أثَّرت التشريعات والقوانين المحلية والضغوط الاجتماعية على طريقة لبس النساء، على سبيل المثال الكورسيت والديكوليت والتنانير والحمالات، فضلًا عن الخلاف حول السروال النسائي أول ظهوره. ويعد الجدل في المجتمع الفرنسي بعد مطالبة المرأة بالتعري جزءًا من نفس السياق.

تقول «ديردير كليمنت» أستاذة التاريخ بجامعة نيفادا، والتي تعنىبدراسة ملابس النساء في التاريخ، إن النساء في مراكز القوة يصرحن في خضم الجدل حول البيكيني أو البوركيني بـ«نحن نصنع تلك القوانين لصالح النساء»، لكن تتعجب «كليمنت» قائلة «أيعني ذلك أن النساء غير قادرات على تدبر أمر ملابسهن بأنفسهن!».

تذكر «كليمنت» أنه في الثمانينيات، كان للعديد من الشركات الأمريكية الضخمة قوانين موسعة بشأن لبس النساء في مكان العمل؛ كان كتيب الإرشادات الخاص بملابس النساء في مكان العمل يصل إلى أربع صفحات، مقابل أربع جمل للرجال.

عندما نتطرق للبيكيني، فهو لم يكن محظورًا في بعض البلاد فحسب، ولم يقتصر الأمر على إجبار من ترتديه على دفع غرامات ومغادرة الشاطئ (كما يحدث الآن مع البوركيني)، بل كان يعد لباسًا «هدامًا» ودليلًا على «الضعف الأخلاقي».

تقول «غيسلايني راير» (مؤلف مساعد لكتاب «البيكيني: الأسطورة» عن تاريخ بذلة السباحة القصيرة أو العارية) إن إيطاليا وإسبانيا وبعض شواطئ مدن فرنسا (التي تطل على الأطلسي) منعت ارتداء ملابس السباحة في السنوات القليلة التي أعقبت بداية تصنيعها وظهورها في الأسواق.

تقول «حنان كريمي» (الطالبة بقسم الاجتماع في جامعة ستراسبورج) إن لهذا الحظر القديم على البيكيني أصداء على النقاش المثار حول البوركيني اليوم. جدير بالذكر أن «حنان» تتزعم مجموعة نسائية مسلمة تطالب المساجد في فرنسا بأن تتيح مساحات أكبر للنساء في الصلاة، وأن تظهر احترامًا أكثر لمشاركتهن في الشئون الدينية.

تضيف الكاتبة أنه في بعض البلدان ذات الطبيعة المتدينة مثل إيطاليا، تعد «السيطرة على أجساد النساء جزءًا من الأخلاقيات الدينية للبلد»، وعلى الرغم من وجود «الدين المدني للعلمانية» في فرنسا، فالمفارقة أن لديه «نفس المنطق والعقلية في محاولة السيطرة على أجساد النساء»؛ فهؤلاء النساء اللاتي يخضعن للأخلاقيات العلمانية، يتم إجبارهن على خلع ملابسهن على الشواطئ.

يبدو أن فرنسا اليوم تعتقد بشدة أن مثل ذلك التعري هو أمر «إلزامي»، مثلما اعتقدت إيطاليا تحت تأثير الفاتيكان أنه من الضروري تغطية أجساد النساء.

فرنسا أول من تبنى البيكيني

Louis Réard bikini.jpg

لويس ريارد

تقول «راير» إن الوضع لم يكن هكذا دائمًا. عندما صمم «لويس ريارد» أول بكيني وأعطاه هذا الاسم (المستعار من الجزيرة المرجانية الصغيرة التي اختبرت أمريكا عليها القنبلة النووية)، ثم عرضه أول مرة على حمام سباحة «موليتور بول» في باريس، في 5يوليو (تموز) 1946، لم تقبل أي عارضة بارتدائه.

لذا استأجر «راقصات تعرٍ» من ملاهي باريس لترتدينه للعرض، وأضافت أن تلك كانت «الطليعة»، فقد كان البيكيني حينها «سابقًا لزمانه».

على الرغم من أن البيكيني كان يظهر في الأفلام على أنه زي له شعبية ورائج، تطلب الأمر ما يقرب من عام، بل وأكثر في بعض البلاد، ليدخل في صناعة الموضة. وكانت فرنسا من أول البلاد التي «احتضنته»، وأخيرًا سمحت للنساء أن تستحم أو تأخذ حمامات الشمس عاريات الصدر تمامًا.

الثورة الفرنسية السبب!

ترى «جوان والاتش سكوت» (أستاذ العلوم الاجتماعية بمعهد الدراسات المتقدمة بجامعة برينستون) أن استحسان فرنسا لملابس السباحة الكاشفة، فضلًا عن حظرها للبوركيني الحالي، كلا الموقفين هما نتاج أفكار تعود للثورة الفرنسية 1789.

فتقول إن الصراع في الجمهورية الفرنسية بين الالتزام بالمساواة وبين فكرة أن الاختلافات الجنسية هي اختلاف طبيعي يفسر استحالة أن تكون هناك مساواة بين النساء والرجال.

وتضيف «سكوت» أن الفرنسيين يعتقدون أنه من الضروري إظهار الفرق بين جسد المرأة والرجل حتى في الوقت الذي نعلن فيه المساواة بينهما.

على سبيل المثال نجد الرسام الفرنسي «أوجين ديلاكروا» يصور «الحرية» بأنها امرأة عارية الصدر تقود الفرنسيين الصالحين. فتلك المنحوتات لـ«ماريان» عارية الصدر أو شبة عارية الصدر هي رمز الثورة والحرية، إلا أن هذا الرمز الموجود في كل الوثائق والمباني وطوابع البريد، يعكس كيف يختلف الجنسان.

بينما على الجانب الآخر، هناك المجتمع المسلم حيث الجنس والاختلافات الجنسية تمثل مشكلة كبيرة. ففي المجتمع الإسلامي، سواء كانت النساء مسلمات أم لا، يجب أن تغطين أجسادهن، لأنها تختلف عن أجساد الرجال. لذا، فهم بصورة أو بأخرى «يفضحون» التناقض في المجتمع الفرنسي.

البوركيني «استفزازي»

ربما تلخص تصريحات «كريستيات إستروسي» (نائب ورئيس بلدية مدينة نيس) لماذا يعترض الفرنسيون على البوركيني؛ فقد أشار مرارًا إلى أن تغطية النساء أجسادهن على الشواطئ –سواء بارتداء البوركيني أو الفانلات الكبيرة أو السراويل أو الحجاب- بأنها «استفزاز» يوحي بتحدي النظام الفرنسي.

إلا أن هذا الموقف الذي يعتبر البوركيني تحديًا للنظام والقيم الفرنسية يبدو غير مفسر وغامضًا حال معرفة أن مصمم البوركيني في الأصل فرنسي غير مسلم.

يبيع مصممو البوركيني تصاميمهم في فرنسا وكثير من البلدان الأوروبية وغير المسلمة. تقول «فانيسا لورينزو» مصممة البوركيني أنها بدأت في تصميم البوركيني كي تعطي النساء المسلمات فرصة للمشاركة في نفس الأنشطة مثلهن مثل بقية المجتمع؛ فهي تحب السباحة وصعقت لدى معرفتها أن النساء المسلمات لا يمكنهن السباحة.

تبيع شركة «لورينزو» تصاميمها في 120 دولة، وغالبًا ما تواجه تساؤلات الناس «لماذا تصنع ملابس للمسلمات؟».

تجيب بأنه في النهاية «النساء نساء» سواء كن مسلمات أم لا، وأن جميع النساء يردن أن يشعرن بالراحة وبأنوثتهن وأن يبدون جميلات.

وتضيف أنها تتلقى رسائل من أغلب عميلاتها يعبرن عن امتنانهن، إذ يشعرن لأول مرة بالثقة الكافية لأن يستمتعن بأوقاتهن على الشواطئ مع أسرهن «بفضل ما تصنعه».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد