يقول أحد القساوسة إنه تبنى «أسلوب TED Talk (سلسلة مؤتمرات عالمية تهدف إلى التعريف بالأفكار الجديدة والمتميزة ونشرها للعالم)» في عظاته؛ لأنه يعلم أن المشاهدة عبر الإنترنت يمكن أن تساعد في اختبار مدى تركيز المشاهدين والمتابعين.

نشر موقع «ڤوكس» الإخباري تقريرًا للمراسلة الصحفية، ريبيكا هيلويل، تناولت فيه تحوُّل بعض القادة الدينيين في الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام) إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة في تقديم عظاتهم وخُطَبهم إلى أتباعهم بسبب تفشي جائحة فيروس كورونا.

وفي مستهل تقريرها، تقول الكاتبة: ابحث عن الخطب الدينية الإسلامية، أو عظات الأحد، أو الطقوس الدينية اليهودية على «يوتيوب»، وستحصل على خليطٍ من النتائج. لقد جاء عديد من مقاطع الفيديو هذه استجابة للجائحة وتدابير التباعد الجسدي. وفي بداية تفشي مرض كوفيد-19، اضطرت المجتمعات الدينية في جميع أنحاء الولايات المتحدة إلى إغلاق أبوابها والتحول إلى البث المباشر، وتقديم الإرشادات والتوصيات والخطب الدينية في صورة مقاطع فيديو مسجلة للحفاظ على روحانيات أتباعها.

ولكن بعد مرور ستة أشهر على انتشار الجائحة، أصبح من الواضح أن الأمر يتطلب الاستثمار والإبداع وبعض الذكاء في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي. ونظرًا إلى أن كل شيء تقريبًا أصبح افتراضيًّا، لم تَعُد جماعة المصلين مقيدة بالجغرافيا، ويمكنهم مشاهدة المحتوى الخاص بمجتمعات دينية أخرى بنقرة بسيطة فوق مقطع فيديو منشور. وخوفًا من أن عديدًا من المصلين قد يتخلون عن الطقوس الدينية إلى الأبد، ومع عدم وجود نهاية تلوح في الأفق لمرض كوفيد-19، تحوَّل عديد من القادة الدينيين إلى صانعي محتوى عبر الإنترنت.

مجتمع

منذ 4 سنوات
الأديان قد تنقرض كلما ازداد سكان العالم ثراءً

القادة الدينيون صناع محتوى

وتشير الكاتبة إلى أن الأمر لا يتعلق بضمان حضور الطقوس الدينية فحسب، بل يتعلق أيضًا بالحفاظ على التبرعات المنتظمة، والتي اعتادت عديد من المجتمعات الدينية جمعها بأنفسهم. ووفقًا لمركز بيو، لم يغير معظم مَنْ يحضرون الطقوس الدينية مقدار ما يتبرعون به. لكن أولئك الذين غيروا ذلك المقدار على الأرجح سيتبرعون بالقليل.

تقول حميرة نواز، نائبة رئيس مجلس إدارة مركز الجالية المسلمة في إيست باي في مدينة بليسانتون بولاية كاليفورنيا، لموقع «ريكود» إنه في حين أن المجتمع تلقى تبرعات متزايدة للمحتاجين ولبنك الطعام في المسجد، شهدتْ التبرعات المُقدَّمة لتشغيل المسجد تراجعًا. وقالت: «نشعر بالقلق»، مشيرةً إلى أن تكاليف تشغيل المسجد – مثل الإصلاحات ودفع أجور الموظفين وفواتير الكهرباء – ظلت كما هي تقريبًا خلال الجائحة. وتساءلت: «إلى متى سنظل قادرين على الاستمرار دون حدوث نمو في قاعدة التبرعات الخاصة بعمليات التشغيل»؟

Embed from Getty Images

وأشارت حميرة نواز إلى أن معظم الخُطب كانت تُبَث بالفعل على «يوتيوب» و«فيسبوك» قبل تفشي الجائحة، وقد اكتسبت بالفعل جمهورًا في الخارج. وتحصل نسبة كبيرة من مقاطع الفيديو التي ينتجها المركز على مشاهدات كبيرة. وتساعد هذه الأدوات عبر الإنترنت في سد بعض الفجوات التي أحدثتها الجائحة في المجتمعات الدينية. لكن ما تزال هناك فجوات. تقول حميرة نواز لـ«ريكود»: «المساجد أو الكنائس أو المعابد اليهودية مُوجَّهة نحو المجتمع»، مؤكدة أن الأنشطة الشخصية العديدة في مسجدها كانت لبناء الروابط بين العائلات.

تحوُّل مفاجئ

ولفتت الكاتبة إلى أن قادة دينيين صرَّحوا لـ«ريكود» بأن عديدًا من المؤسسات الدينية تحتاج إلى نموذج هجين من التفاعل عبر الإنترنت والتفاعل الشخصي على المدى الطويل. وعلى غرار الكنائس، اختارت عديد من المجتمعات الإسلامية واليهودية أيضًا الاستمرار في بث الأنشطة الدينية، حتى مع عودتهم إلى ممارسة بعض الطقوس الدينية المحدودة الملتزمة بالتباعد الجسدي.

لقد حدث التحوُّل إلى ممارسة الطقوس الدينية عبر الإنترنت فجأة، كما يقول إيان حياة، نائب رئيس المبيعات في شركة «ريتس رايت» (Reach Right) التي تتخذ من ولاية ويسكونسن مقرًّا لها. ويوضح أنه قبل تفشي الجائحة، كانت أي كنيسة نموذجية تركز على تحويل الشخص الذي يزور موقعها الإلكتروني على الإنترنت إلى شخص زائر لها بشحمه ولحمه، لكن التركيز الآن مُنصَبٌ أكثر بكثير على المشاركة المنتظمة عبر الإنترنت. ويتذكر حياة، أن زعيمه الديني نفسه، مازحه مؤخرًا قائلًا إنه أصبح فجأة «صانع محتوى».

تقول الحاخام ليزا كينجستون من معبد «بينينسولا بيث إل» اليهودي في مدينة سان ماتيو بولاية كاليفورنيا: «كنت أمزح مع قائد جوقة الترتيل قائلًا: يبدو أن لقبك الآن أصبح قائد جوقة الترتيل/ صانع المحتوى». وفي الأعياد اليهودية في سبتمبر (أيلول)، تطلب بعض المعابد من أعضائها شراء تذاكر لحضور الطقوس الدينية، وهي ممارسة نموذجية لجمع التبرعات، بينما يقدم آخرون طقوسًا دينية مجانية عبر الإنترنت. تقول الحاخام ليزا كينجستون لـ«ريكود»: «إذا كان الناس يعانون ماليًّا، فإن المعابد اليهودية ستعاني ماليًّا. وإذا شعر الناس بأنهم لا يمارسون طقوسًا دينية، فسيتوقفون فعليًّا عن الانضمام إلينا».

هذه الأدوات ليست للترفيه فحسب

وأفادت الكاتبة بأن عديدًا من المجتمعات اليهودية الأرثوذكسية تجنَّبت تقديم طقوس دينية افتراضية – إذ ترى أن استخدام التكنولوجيا في أيام العطلات يُعد انتهاكًا للقانون اليهودي – وتبنَّت طرقًا أخرى للتواصل، مثل إقامة خيام لحضور الصلاة في الهواء الطلق. ونظَّمت حاباد، وهي حركة توعية يهودية أرثوذكسية دولية، حملة عامة لنفخ الشوفار – وهو تقليد يهودي في يوم مقدس كبير يتمثل في نفخ قرن الكبش – في الهواء الطلق، بالإضافة إلى إنتاج دورة تدريبية افتراضية عبر الإنترنت لتعليم الناس «أبجديات نفخ الشوفار» في المنزل.

Embed from Getty Images

وبالنسبة للكنائس التي تعمل افتراضيًّا، لا يتعلق الأمر ببث المحتوى فحسب، كما قال بيتر فيليبس، زميل أبحاث في اللاهوت الرقمي بجامعة دورهام في المملكة المتحدة، لـ«ريكود». يتعلق الأمر أيضًا ببناء آليات لمشاركة الجمهور والتواصل معه. وذلك من خلال «الانتقال إلى «يوتيوب» وخاصية البث المباشر عبر «فيسبوك» وتطبيق «زووم»، والتخلص من الشعور بأن هذه الأدوات للترفيه والتواصل مع الآخرين فحسب».

وفي بعض الحالات، أدَّى التحوُّل إلى الإنترنت إلى تغيير الرسالة المُقدَّمة إلى المتابعين. يقول دونالد كوك، وهو قس وزميل باحث في مركز سيسيل موراي للمشاركة المجتمعية في جامعة جنوب كاليفورنيا، إن هناك بعض المناقشات حول أعداد المشاركين، والتي يمكن أن تقدم للقادة الدينيين فكرة جديدة عن الرسائل التي تؤثر في أبناء الأبرشية. ويقول لـ«ريكود»: «هل المشاهدات على «فيسبوك» وأعداد المتابعين أهم من الكلمة الصائبة؛ الكلمة التوراتية الصائبة؟» لقد تمسك عديد من القساوسة بالكلمة الصائبة وتضاءلت أعداد متابعيهم ومشاهديهم، وهناك قساوسة أساءوا إلى الكلمة وصوابها لكسب مزيد من المتابعين».

وهؤلاء القادة الدينيون محقون في قلقهم بشأن فَقْد اهتمام أتباعهم. إذ وجد مركز بيو أن 30% من الحاضرين للطقوس الدينية الذين كانوا يشاهدونها على التليفزيون أو عبر الإنترنت كانوا يشاهدون أيضًا محتوى آخر لمؤسسات دينية أخرى. ويمثِّل هذا تحديًا للمؤسسات الدينية الأصغر التي تعمل بموارد محدودة. يقول ماكجوان: «كنا نسجل عظتي في قبو منزلنا… وكنتُ أخشى أن ينصرف أتباعي عني لأنه دائمًا ما يكون هناك شخص يفعل ذلك على نحو أفضل، أليس كذلك»؟ ويقول مايك موسر، القس الرئيس في كنيسة كونكشن كريسشيان في مدينة كولومبوس بولاية نبراسكا، لـ«ريكود» إنهم ما زالوا يستثمرون في المزيد من البرامج والمعدات لتحسين الفيديو الذي يقدمونه لمجتمع الكنيسة.

ردهة الدين

وأضافت الكاتبة أن بعض الزعماء الدينيين بدأوا في الاستثمار في معدات عالية الجودة. ويتعين على الكنيسة أيضًا أن تأخذ في الاعتبار الفجوة الرقمية: حوالي ربع أبناء الأبرشية النشطين البالغ عددهم 250 تقريبًا، ليس لديهم شبكة إنترنت جيدة بما يكفي لبث الفيديو، لذلك لجأت كنيسة سانت توماس أيضًا إلى قناة تليفزيونية محلية عامة لبث خدماتها. وشهدتْ بعض المجتمعات ارتفاعًا في محتواها عبر الإنترنت؛ إذ أصبح من المتوقع أن يحضر أكثر من 3600 شخص الطقوس الدينية الافتراضية.

Embed from Getty Images

وحتى إذا كانت للتغييرات التي أحدثتها الجائحة جوانب سلبية واضحة، فإن لهذه التغييرات جوانب إيجابية أيضًا. إذ أخبر عديد من القادة الدينيين «ريكود» بأن هناك أشخاصًا جددًا يظهرون ويساهمون في نوع جديد من التجمع عبر الإنترنت. يقول كيفين إيكستروم، الذي يقود الاتصالات في كاتدرائية واشنطن الوطنية، لـ«ريكود» إنه في حين أن المبنى التاريخي لا يتسع إلا لـ3 آلاف شخص، تجذب الكنيسة الآن ما بين 8 آلاف و15 ألف مشاهد لطقوسها الدينية يوم الأحد عبر الإنترنت.

ويقول مايك موسر لـ«ريكود» إنه يتوقع أن ينقر الأشخاص فوق فيديوهات أخرى – أي إنهم سيقومون بمهام متعددة – خلال العظات. ومع ذلك، يرى أن الطقوس الدينية عبر الإنترنت يمكن أن تكون بمثابة ما يسميه «ردهة» الدين.

ويشير فيليبس إلى فكرة مماثلة، الزوج الذي قد لا يذهب عادةً إلى الكنيسة مع زوجه، ولكنه قد يشعر براحة أكبر عند الجلوس بجانبها أثناء مشاهدتها الطقوس الدينية على الكمبيوتر المحمول. ويضيف أن المزيد من الناس يتجهون إلى أداء الصلوات الصباحية عبر الإنترنت، والتي قد لا تتاح لهم فرصة حضورها بأنفسهم.

وتختتم الكاتبة مقالها قائلة: «أعتقد أن الناس لم يروا مزايا الرقمنة قبل تفشي كوفيد-19، والآن، يمكنهم رؤية هذه المزايا بوضوح».

عام

منذ سنة واحدة
«الجارديان»: نمو هذه الأديان سيفاجئك.. تعرف على نسب الأديان في العالم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد