الاضطهاد الديني مشكلة عالمية

يبدو أن اضطهاد المسيحية أيضًا آخذٌ في الزيادة في بعض أنحاء العالم، بل ويتم إذكاء نيرانه. فحسب وصفها، تقول صحيفة الجارديان إن السبب في ذلك هو “التطرف الإسلامي والحكومات القمعية”. فتذكر في تقريرها، مثل العديد من التقارير الأخرى، أن المتطرفين يضطهدون المسيحيين وغير المسيحيين على السواء، لكن يولد هذا انطباعًا بأن ذلك القمع حديث، ويتعلق في المقام الأول بالمسيحيين الذين يعيشون في العالم الإسلامي فقط، لكن هذا غير صحيح: فالتمييز الديني لطالما كان مسعى متكافئ الفرص.

 

لا شك في أن الحرية الدينية في العديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة تواجه تهديدات خطيرة. فبعض الأقليات الدينية الأكثر اضطهادًا تشمل الأقلية المسيحية القبطية في مصر، والبهائية في إيران، الأحمديين في باكستان، والمسيحيين والهندوس والبوذيين والمسلمين الشيعة في المملكة العربية السعودية. ففي تلك الأماكن، كان القمع الديني حقيقة واقعة واسعة الانتشار لسنوات طويلة، بغض النظر عن عقيدة الأفراد. إلا أن القمع الديني لا يقتصر فقط على الحكومات المستبدة ذات الأغلبية المسلمة.

 

يقيس مشروع الدين والدولة -الذي أترأسه- الحرية الدينية في جميع أنحاء العالم، وقد توصل المشروع لعدد من الأنماط الواضحة من القمع الديني يعود تاريخها لعام 1990. من بين 30 نوعًا من أشكال الاضطهاد الديني قاسها المشروع، يوجد 28 نوعًا هي الأكثر انتشارًا وشيوعًا الآن مما كان في عام 1990. على سبيل المثال، التبشير محظور الآن في 99 دولة حول العالم، مقارنة بـ 79 دولة فقط في عام 1990. وبينما توجد الآن 82 دولة من بينها  النمسا وروسيا البيضاء والصين وروسيا تطالب الأقليات الدينية بتسجيل ديناتها لدى الدولة، في عام 1990، كان عددها 60 دولة فقط. وعلاوة على ذلك، توجد الآن 73 دولة تحد من بناء أي دور عبادة جديدة للأقليات الدينية، و65 دولة تشدد على ممارسة الشعائر الدينية علنًا، بينما في عام 1990 كانت الأعداد هي 53 و36 على التوالي.

 

على الرغم من أن الديموقراطيات الغربية تمارس حرية الاعتقاد، إلا أنها ليست بمنأى عن الاضطهاد الديني. ففي عام 2004 في الدنمارك ظهر “قانون الإمام”، وبموجبه تم تقييد عدد تأشيرات الإقامة الدينية لرجال الدين، وهي نوع من التأشيرات الممنوحة لرجال الدين لديانة ما، والتي تستند أعدادها إلى حجم الأقلية الدينية أو المجتمع  الذي سيخدمه رجال الدين هؤلاء. والحصول على تأشيرة، يتطلب تقديم ما يثبت ديانة الفرد، وذلك لبناء خلفية تحليلية مؤكدة يتحدد على أساسها حجم العمل الديني المطلوب، إضافة لاعتماده على التمويل الذاتي. وطالما أن هناك اعتقادًا بأن الأجنبي سيشكل تهديدًا للسلامة العامة، والأمن، والنظام العام، والصحة، والآداب العامة، أو حتى حقوق وواجبات الآخرين،بالطبع سيتم رفض طلبه للحصول على التأشيرة. فالعديد من المجتمعات التي تعتمد على رجال الدين الأجانب، تحد من تلك الإجراءات، ولا سيما حصول أفراد تلك الديانات والطوائف على الإرشاد الروحي والخدمات الدينية الأخرى.

 

في استفتاء 2009، أيد  السويسريون حظر  بناء المآذن في المساجد، ويعتبر ذلك التشريع أكبر حظر مفروض على بناء دور العبادة للأقليات في الغرب كله. وفي العديد من الحالات، القيود المفروضة ليست رسمية ولا وطنية، وإنما ترفض الحكومات المحلية طلبات ترخيص البناء، أو أن تستخدم عراقيل بيروقراطية لمنع بناء دور عبادة جديدة. ففي إيطاليا، على سبيل المثال، الدين الإسلامي ليس معترفًا به كدين رسمي، الأمر الذي يجعل من بناء المساجد الجديدة أمرًا صعبًا للغاية. وإيطاليا ليست وحدها في ذلك، فالعديد من بلدان الغرب تترك للدولة قرار الاعتراف بالديانات كديانات رسمية. في الواقع يجب أن تسجَّل الديانة لدى الدولة بشكل أو بآخر أولاً في العديد من البلدان الغربية. وعادة يتم  الاعتراف بالديانات؛ لكن ليس دائمًا. ففي النمسا، لم يتم السماح لكنيسة التوحيد بالعمل قانونيًّا إلا في الآونة الأخيرة منذ أن انتهكت الكنيسة وضعها القانوني في عام 1974. وإلى أن تم تسجيلها رسميًّا مؤخرًا، لم يكن مسموح لها بالتملك أو حتى فتح حسابات مصرفية من قبل.

الصورة الأكبر للقمع

بالطبع، لا تنفي حقيقة الاضطهاد الذي تواجهه الأقليات الدينية في جميع أنحاء العالم التهديدات التي تتغرض لها الأقليات المسيحية. فوفقًا لمقاييس مشروع الدين و الدولة، والذي يقيم 30 نوعًا من التمييز، تواجه المسيحية أعلى مستوى اضطهاد على مستوى العالم.

 

ولا يمكن بحال من الأحوال أن نعزي المشكلة للتطرف الإسلامي والحكومات الاستبدادية فقط في البلدان ذات الأغلبية المسلمة. على الرغم من أن الحكومات والمتطرفين في الشرق الأوسط كليهما جزء من المشكلة، فهم يعاملون الأقليات الأخرى بطريقة أسوأ. فعلى سبيل المثال، تعتبر البهائية طائفة مرتدة عن الإسلام، وهو تمييز تصاحبه عدة عواقب في العديد من البلدان. ففي تونس والأردن على سبيل المثال، لا يعترف بالبهائية كديانة شرعية، مما يحد من قدرتها على بناء دور العبادة، وممارسة الشعائر الدينية علانية. وعلاوة على ذلك، على الرغم من أن المتطرفين الإسلاميين يستهدفون بشكل واضح غير المسلمين، هم يستهدفون أيضًا المسلمين الذين لا يمتثلون لحكمهم أو تفسيرهم للإسلام.

في الواقع، الكثير من الاضطهاد الذي يقع على المسيحيين، يحدث في البلدان ذات الاغلبية المسيحية. وعلى وجه التحديد، يتم تطبيق بعض أشد القيود على طوائف الأقليات المسيحية في البلدان ذات الأغلبية الأورثوذكسية في دول الاتحاد السوفيتي سابقًا.

 

على سبيل المثال، في روسيا صدر قانون يعترف بالبوذية والمسيحية والإسلام واليهودية وغيرها كديانات رسمية كونها تشكل جزءًا من التراث التاريخي للبلاد. ويعترف بـ”الإسهامات الخاصة” التي قدمتها الكنيسة الأرثوذكسية لروسيا. وعلى الرغم من أن العديد من الروس يرون في تلك الطوائف تهديدًا، بما فيهم المسيحيين من غير الروس، وأنها تحاول جميعها تغيير الوضع الديني والثقافي القائم في البلاد. لذلك تقع تلك الطوائف من بين أكثر الطوائف اضطهادًا.

في 2013، زاد  الوضع سوءًا للأقليات المسيحية، عندما نشرت روسيا قائمة “الطوائف الشمولية”  التي ألزمت المؤسسات المحلية بمنعهم من استخدام دور السينما ومراكز الترفيه، ورفضت روسيا تقديم أي تسهيلات لهم أيًّا ما كانت الحاجة. واشتملت تلك القائمة على علماء مسيحيين، والمسيحيين الإنجيليين، وشهود يهوه، والمورمين،  والخمسينيين -أتباع الطائف المسيحية الخمسينية-، فجميع تلك الطوائف تتعرض للمضايقات بصفة مستمرة على أساس أنهم ليسوا مسجلين رسميًّا أو مرخصين بسبب ديانتهم، فهم دائمًا ما يدفعون الغرامات وتغلق كنائسهم، وممنوعون من تقديم الخدمات الدينية. بل وعادةً يتم اعتقالهم مع غيرهم من المشاركين في أية نشاطات منظمة، علاوة على رفض طلباتهم بصفة عامة إذا ما تقدموا بطلباتٍ للحصول على تراخيص سليمة أو التسجيل.

 

وبالمثل في 2007، أصدرت رومانيا قانون الحرية الدينية والحالة العامة للطوائف الدينية، والذي يعترف بـ 18 طائفة دينية. أما المجموعات الدينية مثل المورمين، لا تقع ضمن الـ 18 طائفة. وبموجب القانون، يجدون صعوبة في بناء أو استئجار  أماكن للاجتماع، وغالبًا ما يتم اضطهادهم إذا ما شاركوا في أية ممارسات تبشيرية. وبالتنسيق مع الحكومة، نشر كتاب دين مدرسي أرثوذكسي يصف المورمين والديانات غير الأصلية وغير المعترف بها رسميًّا بأنها “تهديد”. ويزعم الكتاب أن هذه الطوائف تتبع أساليب غسيل المخ والرشوة والابتزاز كجزء من جهودهم التبشيرية.

بينما تحد روسيا البيضاء من انتشار المنظمات الدينية للطوائف غير الرسمية وغير الأصلية من خلال قوانين التسجيل المرهقة. إلا أنها في كثير من الأحيان تتعرض بمضايقات للطوائف المعترف بها بموجب القانون. إذ تداهم الشرطة بانتظام الخدمات  التي تقدمها الطوائف الكاثوليكية والإنجيلية والبروتوستانتية وشهود يهوه. وغالبًا يتم التحقيق مع المشاركين حتى الأطفال منهم، وتوجه لهم اتهامات بتقديم خدمات دينية غير مصرح بها. وعادة ما ترفض الحكومات المحلية إصدار رخص البناء؛ حتى للطوائف المسيحية المسجلة والمعترف بها بموجب القانون، إضافة إلى إلغائها ورفضها تجديد رخص الممتلكات التي تقيم فيها الطوائف خدماتهم الدينية وشعائرهم.

في أرمينيا، صدرت مادة رقم 162 من القانون الجنائي، تجرم المنظمات الدينية التي تشكل خطرًا على صحة الأفراد أو تأثر على حقوق الآخرين، أو تشجع على رفض أداء الواجبات المدنية. و في عام 1991، صدر قانون حرية العقيدة والمنظمات الدينية، والذي أكد على تقييد الحريات الدينية لصالح الأمن العام والصحة والأخلاقيات وحماية حقوق الآخرين وحرياتهم. ونتيجة لذلك، فإن الحكومة لم تصف فقط الطوائف الدينية المسيحية غير الرسمية بالـ”مدمرة”، بل قامت أيضًا بتأسيس لجنة مشتركة في عام 2011، لرصدها تحركات تلك الطوائف ومكافحتها. ومذ ذلك الحين، كانت هناك العديد من التقارير الصادرة عن ضباط جهاز الأمن الوطني مهددة رجال الدين وأعضاء المنظمات المعمدانية والإنجيلية.

إلا أنه في بلدان العالم الأخرى التي لا أغلبيات لها سواء أغلبية مسلمة أو مسيحية، لا تزال الأقليات الدينية مضطهدة. فعلى سبيل المثال، تدعم الصين الجمعيات الوطنية الرسمية للبوذيين والكاثوليك والمسلمين والبروتستانت والطاويين، لكنها بلا هوادة تقمع ممارسة طقوسهم الدينية خارج جدران أماكن العبادة أو التجمع. ففي وقت قريب، ركز ذلك القمع على الحركات التي لم تنضم للمؤسسات الوطنية، مثل حركة هاوس تشيرش، وهي حركة تدعم ممارسة المجموعات الدينية شعائرهم الدينية داخل المنازل، لكنها الآن بدأت تضم أبرشيات منتسبة، وصارت كبيرة جدًّا. وفي كوريا الشمالية، على الرغم من قلة المعلومات الدقيقة بشأن الوضع الديني للبلد، يمكن تصنيفها تقريبًا بأنها دولة لا ديانة لها، أو أن ديانتها متفردة بكونها عبادة زعيمها، وعلى الأرجح يبلغ عدد المعتقلين المسيحين على خلفية قضايا الاعتقاد الديني الآلاف على أقل تقدير.

توجيه أصابع الاتهام

وبالتأكيد، على الرغم من أن العديد من الحكومات في الدول ذات الأغلبية المسيحية لديها معدلات حرية دينية تنافس أكثر الحكومات القمعية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، يظل العنف الذي ترتكبه الجماعات المتطرفة الإسلامية مثل بوكو حرام  وتنظيم الدولة الإسلامية داعش أو القاعدة ضد غير المسلمين في زيادة مستمرة، وتشتد حدته بشكل ملحوظ مقارنة بأفعال المسيحين ضد أي أقليات دينية.

ولكن إلقاء اللوم فقط على المتطرفين الإسلاميين بأنهم السبب الوحيد لتراجع الحرية الدينية في العالم، سيكون حتمًا من الخطأ. هم بالتأكيد المخالفين الأبرز للحرية الدينية. ولكن الخطر الأكبر تشكله الحكومات في أنحاء العالم والتقاليد الدينية. توجد فقط 7 دول من إجمالي 177 دولة رصدها مشروع الدين والدولة، حافظت على حرية دينية كاملة منذ عام 1990، وهي: بنين، بوركينا فاسو، الكاميرون، غينيا بيساو، وناميبيا، ونيوزيلندا، وبابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان، وسورينام. وهناك قليل من الحكومات لا تزال أيديها نظيفة لم تتلطخ بانتهاك الحريات الدينية، لكن توجد أيضًا ملاذات آمنة لممارسة بعض التقاليد الدينية. فمن بين البلدان ذات الأغلبية المسيحية، تعتبر بلدان العالم النامي هي الأكثر تسامحًا، وبالتحديد في جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا. في المتوسط، تعتبر دول أمريكا اللاتينية أكثر تسامحًا من الديموقراطيات الغربية. ومن بين البلدان ذات الأغلبية المسلمة، تعتبر العديد من دول إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، وغرب إفريقيا مثل بوركينا فاسو وغامبيا والنيجر والسنغال وسيراليون  مساحات آمنة للعبادة وحرية المعتقد الديني، حيث لا تفرض أية قيود على الأقليات الدينية، كما لا تفرض أيًّا منها على الأغلبية.

 

على الرغم من أن كل بلد يعتبر حالة فريدة من نوعها، أحد أهم الأسباب في أن العديد من الحكومات في العالم النامي متسامحة تجاه الأقليات الدينية، هو أنها تمتلك موارد محدودة لا تمكنها من القيام بعكس ذلك. وكما يقول أنتوني جيل ،الأستاذ في جامعة واشنطن، إن القمع الديني يتطلب موارد. فالبلدان الأقل نموًا، ببساطة هي أقل قدرة على تحمل ترف قمع الأقليات الدينية. لا يعتبر هذا التفسير شاملًا على الإطلاق، فبعض الدول الأكثر تعصبًا في العالم، مثل أفغانستان وجزر القمر وإريتريا ولاوس وميانمار وباكستان وأوزبكستان، هي أيضًا من بين الدول الفقيرة. ويبدو أن الديموقراطية لها دور هام هنا، لأن معظم الدول النامية غير المتسامحة هي بالفعل دول ديكتاتورية استبدادية. ولكن لا تنطبق تلك القاعدة على جزر القمر وباكستان، فكلاهما تعتبر ديموقراطيات معيبة لكن لا يمكن وصفها بالاستبدادية. إلا أن حقيقة أن تلك البلدان بتعددها وتنوعها لا تزال جميعها تصارع عناصر القمع الديني، يوضح أن المشكلة تتجاوز حدود الطبقات واللون والعقيدة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد