تحل اليوم الذكرى الرابعة لقيام الحكومة المصرية – عبر الجيش والشرطة – بفض اعتصام رابعة العدوية الذي أقامه أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، والذي انتهى بمقتل المئات من أنصار مرسي وجماعة الإخوان المسلمين. وقد تناولت الكاتبة رانيا المالكي في مقال لها على موقع «ميدل إيست آي» ذكرياتها مع ذلك اليوم الفارق في تاريخ مصر الحديث، وإليكم ترجمة المقال كاملًا:

كيف للمرء أن يتذكر مجزرة ما؟

بعد أسابيع من قيام الشرطة المصرية بمساعدة الجيش بمهاجمة المتظاهرين بوحشية في ساحة رابعة في 14 أغسطس (آب) 2013، قابلني صحافي في مكتب لشؤون اللاجئين في القاهرة. لا أتذكر اسمه، ولكنني لن أنسى أبدًا قصة شاركها معي بشأن مصورة كان يعرفها غطت أحداث ساحة تيانانمن في بكين في عام 1989.

كانت المصورة قد شاهدت ووثقت كيف قامت الشرطة الصينية بقمع حركة ديمقراطية ناشئة ببنادق هجومية ودبابات، مما أدى إلى مقتل مئات المتظاهرين. كانت معجزة ألا يجري القبض عليها. وقد أخبرته في وقت لاحق أنه عند انتهائها من تحميض الصور، كان قد جرى طمس آثار المجزرة تمامًا من الساحة.

كانت البرامج التلفزيونية تغطي القصص اليومية المعتادة. وفي مرحلة ما، تذكرت أنها شعرت أنها لم تلتقط تلك الصور بنفسها، وأنها قد تكون قد شككت في وحشية هجوم الحكومة، أو ما إذا كان حتى قد حدث الهجوم على الميدان أصلًا.

لدى الناس طرق فريدة للتعامل مع الصدمة. كنتُ قد زرتُ ميداني رابعة والنهضة، وهما موقعا الاحتجاجات اللذان أقامتهما جماعة الإخوان المسلمين ضد الانقلاب الذي وقع عام 2013 قبل أيام قليلة من المجزرة. كان يوم صيف حار في نهار رمضان، وكان المتظاهرون صيامًا، فلا طعام أو شراب من الفجر حتى غروب الشمس.

سرتُ بين الخيام لأعثر على البلطجية المسلحين الذين زعمت وسائل الإعلام الحكومية والخاصة أنهم يملأون الميدانين، ويقتلون المارة ويخفون أجسادهم تحت منصة ضخمة أقيمت على بُعد أقل من 100 قدم من عدة مبانٍ إدارية عسكرية وشرطية.

لم يكن أي من تلك المزاعم صحيحًا.

ما رأيته هو أناس عاديين يفعلون شيئًا غير عادي. فعلى الرغم من المخاطر المحيطة بهم، فقد مارسوا دون خوف حقهم غير القابل للإنكار في الاحتجاج على ما اعتقدوا أنه انتهاك لكل ما ناضلت من أجله انتفاضة التحرير عام 2011.

لم يكن الأمر يتعلق بإزالة ديكتاتور قضى 30 عامًا في الحكم، حيث اغتصب نظامه أراضي الشعب واستعبد شبابه في حلقة لا نهائية من الفقر والجهل، بل كان الأمر يتعلق ببدء عملية ديمقراطية، بقدر ما كانت غير مكتملة، تحترم صندوق الاقتراع وتضمن انتقالًا سلميًا للسلطة المدنية كل بضع سنوات.

اقرأ أيضًا: بناء «ذاكرة العنف»: كيف تعيد شعبًا متمردًا إلى حظيرة الطاعة؟

قصص التنافس

بعد أيام، حاولتُ مشاهدة قناة الجزيرة للتحقق من ادعاءات التلفزيون الرسمي أن هؤلاء الرجال والنساء والأطفال العزل قد بادروا بالهجوم على قوات الشرطة والجيش الذين عرضوا عليهم الخروج الآمن من موقعي الاحتجاج. وعلى الرغم من أن السلطات قد عطلت محطة الأقمار الصناعية، فقد تمكنت من رؤية بعض اللقطات الحية.

لم يكن ذلك كافيًا، ولكن في غضون ساعات قليلة، كان موقع اليوتيوب يعج بمقاطع فيديو روت قصة مختلفة تمامًا. جرفت الشرطة جثثًا ملفوفة في ملاءات مخضبة بالدماء، وتركت الشباب للموت في المستشفى الميداني في مسجد رابعة. وأخيرًا، أحرقت المسجد نفسه بينما كان الجرحى لا يزالون في الداخل.

توقفت عن الكتابة لمدة عام بعد نشر آخر افتتاحية لي في 20 أغسطس (آب). لقد شاهدت واستمعت إلى آلة الدعاية العسكرية التي عملت بشكل جيد مع أتباعها في ما يسمى بوسائل الإعلام «الليبرالية»، و«المفكرين» التقدميين و«الناشطين»، وهي تنفذ بشكل منهجي حملة لتشويه الحقيقة حول ما حدث في ذلك اليوم.

لاحظت كيف بدأت هذه العملية الممنهجة فعليًا في 5 يوليو (تموز) عندما قُتل أول متظاهر سلمي أمام مبنى نادي الحرس الجمهوري بالقاهرة، حيث كان مؤيدو الإخوان المسلمين يعتقدون أن أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في مصر محمد مرسي محتجزًا.

بعد ذلك بثلاثة أيام، شهد الموقع نفسه المزيد من المجازر التي وثقتها منظمة العفو الدولي؛ إذ قتلت السلطات ما لا يقل عن 88 شخصًا بين 5 يوليو و 8 يوليو (تموز)، وفقًا لتقرير المنظمة.

لم تحظَ أي منها بتغطية في وسائل الإعلام المحلية. وبحلول ذلك الوقت، كانت آلة الدعاية الحكومية قد دشنت حملة موازية ضد جميع وسائل الإعلام الأجنبية (وفي مقدمتهم قناة الجزيرة التي جرى مداهمة مكاتبها) وحشد جيش من اللجان الإلكترونية على وسائل الاعلام الاجتماعية لوصم شهادات شهود العيان بالتلفيقات والأخبار الوهمية التي يروجها «الإرهابيون الأشرار» والمتعاطفون معهم.

وشملت الخطوة الأخيرة توجيه نقد لاذع لمنظمات حقوق الإنسان أو أي شخص يشعر أنه مضطر أخلاقيًا للتحدث عن الفظائع التي تعرض لها شخصيًا أو يعرف أنها قد أثرت على شخص ما من معارفه.

في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 6 يوليو (تموز)، قال مراسل في إحدى الصحف إن محررها أعطى موظفيه تعليمات صريحة بعدم الإشارة إلى المظاهرات المؤيدة لمرسي، والتأكد من أن المواد المنشورة تشدد على أن مرتكبي العنف كانوا دائمًا من الإسلاميين.

لم يكن يُسمح إلا بوجهة النظر الإعلامية اليومية التي تشجع الخوف من نشوب حرب أهلية للتضخيم من مزاعم الحرب الثقافية التي بدأها الإخوان. وإذا انحرفت أي وسيلة إعلامية عن الخط الرسمي، يجري إغلاقها أو اعتقال موظفيها. شملت حملة التبييض أيضًا تنظيف الميدان وإعادة فتحه في أقل من شهر وإعادة بناء المسجد وطلائه باللون الأبيض.

بحلول الذكرى الثانية للمذبحة، قامت الحكومة بإعادة تسمية الميدان إلى ميدان هشام بركات، النائب العام المصري، الذي اغتيل في هجوم بالقنابل في يونيو (حزيران) من عام 2015. تولى بركات منصبه في 10 يوليو (تموز) 2013، بعد أيام من عزل الجيش لمرسي. وشملت ولايته المثيرة للجدل عددًا قياسيًا من أحكام الإعدام الصادرة بحق أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين في ما وصفته منظمات حقوق الإنسان الدولية بأنها محاكمات هزلية. كما قاد عمليات المحاكمة للصحافيين ونشطاء المعارضة غير الإسلاميين المعروفين بمشاركتهم في انتفاضة التحرير.

كتب هتلر في مذكراته: «تحاول الدعاية فرض عقيدة بعينها على الشعب بأسره؛ إذ تعمل الدعاية على إقناع عامة الناس بفكرة ما وتجعلهم مهيئين لانتصار هذه الفكرة». أدت استراتيجية هتلر في نهاية المطاف إلى معسكرات الاعتقال في ألمانيا النازية. وفي مصر، أدت هذ الاستراتيجية إلى اعتقال أكثر من 40 ألف شخص، وحدوث مئات من حالات الاختفاء القسري؛ مما رسخ ثقافة الصمت واللامبالاة.

على خلاف نظيره النازي وغيره من الديكتاتوريين العسكريين الذين يشبهونه مثل ناصر، فإن حملات الدعاية التي قام بها عبد الفتاح السيسي خلقت مناخًا متسامحًا مع العنف ضد الإسلاميين، وشجعت السلبية وقبول الإجراءات اللاإنسانية ضدهم، إذ تصور الحكومة الأمر على أنه خطوة على طريق «استعادة النظام».

وفي الوقت نفسه يقومون بزراعة فكرة «الإرادة الشعبية والدعم» للقيادة العسكرية باعتبارها القوة الوحيدة المستقرة القادرة على قيادة المصريين نحو الازدهار.

لكن ما يثير السخرية هو أنه قد اتضح للمصريين بجلاء تام على مدى السنوات الأربع الماضية تدهور سبل عيشهم وسط تضخم غير مسبوق وارتفاع أسعار الوقود وفشل الخدمات. لم يعد في قلوبهم قدر من التعاطف أو قدرة على التفكير في وسيلة لرفع الظلم الذي يقع عليهم، ناهيك عن التعاطف مع القتلى الذين سقطوا منذ أربع سنوات.

اقرأ أيضًا: «ساسة بوست» يتحدث مع أهالي المختفين منذ فض «رابعة».. 4 سنوات من البحث دون جدوى

خوف شديد

سأختم بحكاية تلخص كل شيء.

كان ذلك في يوليو (تموز) 2015، بالقرب من الذكرى الثانية للانقلاب. اخترقت شمس القاهرة الحارقة ملابسي بيضاء اللون. كنت أعمل على مشروع فيلم وثائقي عن شاب يبلغ من العمر 21 عامًا، الذي دافع عن نفسه لمواجهة التحرش المتفشي في القاهرة. وكنت بحاجة لتصوير رجال يسيرون داخل محطة مترو الأنفاق في ميدان رمسيس لثوان معدودة.

مسلحة فقط بهاتفي الآيفون، وقفت عند مخرج المترو وبدأت في التصوير. ولكن في غضون أقل من ثلاثة دقائق، انقض عليّ حشد من الرجال، بعد أن صرخت إحدى السيدات – التي ما زلت أتذكر وجهها وربما تكون أصغر بكثير مما تبدو  – بأعلى صوت، متهمة إياي بأنني أعمل جاسوسة لصالح قناة الجزيرة.

أصرت على أخذي إلى مركز الشرطة. لجأت إلى ضابط الدورية وأنا مذعورة، وهو رجل بالغ أدرك على الفور أن الطريقة الوحيدة للخروج من هذا المأزق هو مصادرة هاتفي وهويتي الشخصية والإبلاغ عني إلى شرطة المترو.

أفلحت الحيلة. نزل بي تحت الأرض وشاهدت شرطيًا في زي مدني يفتش كل الأغراض في محفظتي، وكل صورة على هاتفي، بل حتى استمع إلى بعض من رسائلي الصوتية الشخصية. وبينما كنت أنتظر قراره، دخل رجل عجوز خائف ومذعور ويكاد يبكي؛ للإبلاغ عن اثنين من الرجال «المثيرين للشبهة» الذين شاهدهما يمشيان على القضبان.

في اعتقاده لا بد أنهم إرهابيون. هذا هو حال مصر الآن: رجل عجوز مفزوع وعصابات غاضبة.

ما حدث في ميدان رابعة لم يكن مثلما حدث في ساحة تيانانا من قبل 25 عامًا. ولكن من المذهل حقًا أن نرى كيف أننا – وفي غضون سنوات قليلة، وعلى الرغم من ثورة الاتصالات التي قدمت بديلًا (مؤقتًا) للسيطرة الإعلامية الحكومية – في نفس المكان بالضبط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات