سيذهب الأتراك إلى صناديق الاقتراع للمرة الثانية خلال ستة أشهر، فيما أسماه الرئيس رجب طيب أردوغان «إعادة الانتخابات». أسفرت الانتخابات الماضية في 7 من يونيو عن برلمانٍ مُعلَّق، مُجرِّدةً حزب العدالة والتنمية من أغلبيته البرلمانية للمرة الأولى منذ 13 عامًا. ثم أعقبها فشل الجهود المبذولة لتشكيل حكومة تحالفية، مع ازدياد الاستقطاب في تركيا وتورُّطها في العنف.

من المفترض أن تنهي انتخابات الأحد هذه الأزمة عبر منح إردوغان فرصةً ثانيةً لإنعاش طموحه السياسي لتحويل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، الذي سيتمتَّع فيه بسُلطات تنفيذية أكبر.

ولكن تقترح استفتاءات الرأي العام أنَّ النتائج لن تُكوِّن صورةً جديدةً، فبينما قد يتحسَّن أداء حزب العدالة والتنمية تحسُّنًا قليلًا، ربما لن يكون هذا التحسُّن كافيًّا ليُشكِّل حكومةً بمفرده.

من المحتمل حدوث أحد السيناريوهات الثلاثة التالية في أعقاب التصويت:

أولًا، قد تكون هناك حكومة تحالفية تشمل حزب العدالة والتنمية، إمَّا مع حزب الشعب الجمهوري، أو مع حزب الحركة القومية.

ثانيًا، تشير الشائعات إلى أنَّ مجموعة من نواب البرلمان المنتمين إلى حزب الحركة القومية قد ينضمُّون إلى حزب العدالة والتنمية، وهكذا يُمكِّنونه من الحصول على المقاعد اللازمة (276 مقعدًا) لتشكيل حكومة حزب واحد.

ثالثًا، قد يُحدَّد موعد لانتخابات أخرى في نهاية مارس أو أبريل.

(هناك في الحقيقة احتمال رابع، سيُحقِّق لحزب العدالة والتنمية فوزًا أكيدًا بنسبة تُقدَّر بحوالي 47% من الأصوات وفقًا لجريدة داعمة للحكومة، ولكنَّنا لا نعتقد أنَّه مُحتمَل).
إنَّ إردوغان ومؤيِّديه عازمون على الاستمرار في المحاولة، مُعتقدين أنَّ الاضطراب في البلاد سيُعيد إلى الناخبين عقولهم ويجعلهم يُجدِّدون دعمهم لحزب التنمية والعدالة. مهما كان السيناريو الذي سيتحقَّق، فإنَّ التحدِّيات التي تواجه تركيا تنمو يومًا بعد الآخر، وهناك ثلاثة مسائل بارزة مُلِحَّة بالأخص.

التوتُّرات المتزايدة سريعًا

أصبحت تركيا مستقطبة بدرجةٍ غير مسبوقة، فالانقسامات تتخلَّل الانتماءات الدينية والعرقية والسياسية، مؤثِّرةً على أفراد المجتمع من المُحافِظين والعلمانيين والقوميين والعلويين والأكراد. ففي مباراة كرة قدم يوم الأحد الماضي ـ على سبيل المثال ـ كانت هناك دقيقة صمت حدادًا على أرواح ضحايا تفجير أنقرة يوم 10 من أكتوبر.
ولكن صاح بعض الجمهور في تهكُّمٍ بأنَّ الضحايا كانوا إرهابيين بدلًا من إظهار بعض الاحترام. ففشل الموت المأساوي لأكثر من 100 مواطن تركي، بالإضافة إلى تأهُّل الفريق القومي لدورة يورو 2016، في توليد حسٍّ بالوحدة، وهو مثال صارخ على الاستقطاب في البلاد.

أحد العوامل التي تُثير وباء الاستقطاب هو تدهور العلاقات التركية الكردية مؤخرًا، يعتقد الكثير من الأكراد أنَّ الحكومة تعاونت مع الدولة الإسلامية (أو داعش) لمنع الأكراد من توطيد سيطرتهم على شمال سوريا. والرأي الكردي الشائع هو أنَّ أنقرة تجنَّبَت الدفاع عن مدينة كوباني السورية في أكتوبر 2014 ضد هجوم داعش لكي تُضعِف الأكراد، يُزيد من عدم الثقة. وأنهى انفجار سوروج في نهاية يوليو اتفاقية وقف إطلاق النيران بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، ممَّا أدَّى إلى تجديد التنظيم العسكري للمسألة الكردية.

هذه التطوُّرات مثيرة للسخرية نوعًا ما، فإنَّه في ظل بداية حكم إردوغان قد تحقَّقت سلسلة من الإصلاحات لدعم حقوق الأكراد الثقافية، كما كان إردوغان قد بدأ حوارًا مع عبد الله أوجلان؛ زعيم حزب العمال الكردستاني السجين، في 2012 في محاولةٍ للعثور على «إجابة» سياسية للسؤال الكردي المزعوم. حقَّقت هذه الجهود نتائج إيجابية لحزب العدالة والتنمية، إذ فاز الحزب بستة وعشرين مقعدًا من أصل 38 مُوزَّعة على الأقاليم التي يسكُنها الأكراد بنسبةٍ كبيرة في 2007 و2011.

ما الذي أحدث هذا الانعكاس إذًا؟ هو قرار حزب الشعب الديمقراطي باستغلال استياء الأكراد قبل انتخابات يونيو، وأصبح حزب الشعب الديمقراطي قوة مانعة لطموحات إردوغان في تحويل نفسه إلى رئيس شديد القوة، بحصوله – أي الحزب- على معظم المقاعد «الكردية» التي كان يحصل عليها حزب العدالة والتنمية قبل ذلك ودخوله البرلمان بنسبة 13 بالمائة من الأصوات. صوَّر إردوغان حزبَ الشعب الديمقراطي منذ ذلك الحين بأنَّه حليف لحزب العمال الكردستاني، ومن ثم شريك في العنف الذي انفجر في تركيا، مفترِضًا أنَّ هذه الإستراتيجية ستُعيد إليه أولئك المُصوِّتين الذين قد انتقلوا لدعم حزب الشعب الديمقراطي وحزب الحركة القومية.

كيف يمكن لتركيا التغلُّب على هذا الاستقطاب؟ من الصعب الإجابة على هذا، ولكن الأكيد أنَّ إبعاد تركيا عن حافة الحرب الأهلية سيكون أحد أصعب التحدِّيات التي ستواجهها الحكومة التالية.

الاقتصاد في حالة اضطراب

تُشكِّل حالة الاقتصاد تحدِّيًا آخر، فهي تُصنَّف باستمرار بأنَّها إحدى أهم مخاوف الناخب التركي، وذلك مع انخفاض الاقتصاد التركي من معدل نمو 9 بالمائة في 2011 إلى 2,9 في 2014. يُشير الاقتصاديون إلى أنَّ تركيا تحتاج إلى معدل نمو حوالي 5 بالمائة – وهو ما لا يمكنها تحقيقه على المدى القريب – لكي تكون قادرة على تقليل معدل البطالة.
وفي هذه الأثناء أعلن البنك المركزي التركي أنَّ البنوك والشركات الخاصة والهيئات العامة مدينون بما يصل إلى 170 مليار دولار (ما يقرب من رُبع الناتج المحلي الإجمالي التركي) من الديون قصيرة المدى التي ينبغي تسديدها في أقل من عامٍ واحد. بالنظر إلى البطالة المتزايدة والانهيار الحاد لليرة التركية أمام الدولار الأمريكي واليورو، ربما لا يمكن سداد الديون.

هناك عامل آخر يعرقل الاقتصاد وهو انخفاض حجم الصادرات والسياحة، وهما مصدران هامان للدخل. انخفض إجمالي صادرات تركيا في النصف الأول من عام 2015 بنسبة 10 بالمائة مقارنةً بنفس الوقت من العام الماضي.

يتوقَّع صندوق النقد الدولي – برغم خلفية الحرب الأهلية السورية بالإضافة إلى انهيار أسعار النفط – «نموًا ضئيلًا» وتجارة أقل ربحًا في الشرق الأوسط، وسيكون كل هذا على حساب الاقتصاد التركي.

وتُزيد حقيقة أنَّ الاتِّحاد الأوروبي؛ وهو أهم سوق صادرات لتركيا، يُكافح للخروج من الكساد من سوء الأمور، وبالنظر إلى العنف المتنامي في تركيا والمنطقة، فلن تحقِّق صناعة السياحة على الأرجح دخلاً كثيرًا في المستقبل القريب أيضًا.

الجارة التي تهدمها الفوضى

من بين كل القضايا التي تشغل أجندة تركيا، فإنَّ أخطرها الموقف في سوريا، وقد عقَّد تدخُّل روسيا العسكري الأخير في سوريا من سياسة تركيا أكثر، فقد كانت أنقرة وموسكو في خلاف على مصير الرئيس السوري بشار الأسد منذ عام 2011، فبينما الأولى عازمة على إسقاط قيادة الأسد، تظل الثانية ملتزمة بدعمها. فروسيا تُخلّ بالميزان الواقعي باستهدافها الجماعات التي تدعمها تركيا، ويساعد تدخُّلها الأسد على توسيع دائرة نفوذه وتقويض أهداف تركيا، ويُخاطر بالتسبُّب في تضخُّم آخر في نزوح اللاجئين إلى تركيا.
كما لا يساعد كَون تركيا في خلاف مع حلفائها من الناتو حول الأزمة السورية، فتُركِّز الولايات المتحدة على إسقاط داعش بينما تنشغل تركيا أساسًا بالديناميكيات الكردية في المنطقة. ويتَّضح هذا جليًّا في عدد أهداف داعش التي هاجمتها القوات المسلحة التركية مقارنةً بالأعداد الأكبر من الهجمات على مقاوميها من حزب العمال الكردستاني.

والأكثر من ذلك أنَّ الأطراف لا تتَّفق على دور حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمال سوريا، فالزعماء في واشنطن يرون الأكراد في سوريا باعتبارهم الجنود الوحيدين الذي يمكن الاعتماد عليهم في محاربة داعش في أرض المعركة، بينما تركيا تُعرِّفهم بأنَّهم إرهابيون. وأخيرًا، لم يلقَ طموح تركيا في خلق منطقة آمنة على طول الحدود التركية السورية – يفترض أن تكون منطقة للمساعدة في إعادة توطين اللاجئين- دعمًا من الولايات المتحدة والحلفاء الآخرين من الناتو حتى الآن.

لا عجب أنَّ اتِّباع سياسات تتعارض مع سياسات كلٍ من روسيا وأمريكا يوصَف بأنَّه إخفاق تام. مهما كانت نتيجة الانتخابات، ستحتاج تركيا إلى مراجعة سياستها تجاه سوريا في ضوء هذه الحقائق الواقعية.

نحو صناديق الاقتراع

سيُرسِل المُصوِّتون الأتراك على الأرجح رسالةً مشابهة لتلك التي أرسلوها في يونيو؛ أنَّ الأمة بحاجة إلى حكومة تحالفية لمواجهة هذه التحدِّيات. ربما كان حزب العدالة والتنمية مصدرًا للرخاء والاستقرار في الألفينيات، ولكنَّه لم يعُد كذلك. كانت نتائج انتخابات يونيو تعبيرًا واضحًا عن انزعاج الناخبين من الحكومة الحالية، ولكن يبدو أنَّ القيادة تتجاهل هذه الحقيقة.

بغض النظر عن كيفية تعبير الشعب عن نفسه اليوم، من الهام جدًا أن يفعل ذلك عبر انتخابات حرة ونزيهة، وإلَّا سيكون من الصعب مواجهة الحكومة التالية لهذه القائمة الضخمة من التحدِّيات وتتجنَّب في الوقت نفسه أن تبدو مثل جارتها المضطربة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد