مرض الهزال العضلي أصاب والد شريف تابيبوردبار بالوهن؛ مما دفعه إلى تكريس حياته للعلم، ومن ثم توصَّل إلى اكتشاف طبي مهم.

قدَّمت جينا كولاتا، الصحافية المتخصصة في مجال العلوم والطب، التي وصلت إلى القائمة النهائية لجائزة بوليتزر مرتين، لمحة شخصية عن باحث أمريكي من أصول إيرانية يحاول علاج والده من مرضٍ مستعصٍ وجهوده البحثية في هذا الصدد.

وفي مستهل تقريرها الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، أشارت الكاتبة إلى أنه عندما وُلِد شريف تابيبوردبار عام 1986، كان والده جعفر يبلغ من العمر 32 عامًا، وكان يعاني بالفعل من أعراض مرض الهزال العضلي. ومن ثم سيحدد هذا المرض الغامض حياة شريف.

واستطاع جعفر تابيبوردبار المشي عندما كان في الثلاثينات من عمره، لكنه كان يتعثر ويفقد توازنه في كثير من الأحيان. ومن ثم فقد قدرته على قيادة السيارات. وعندما كان في الخمسين من عمره، كان بإمكانه استخدام يديه. والآن عليه أن يدعم إحدى يديه بالأخرى. ولم يستطع أحد الإجابة على السؤال الذي حيَّر شريف وأخاه الأصغر شايان: ما هذا المرض؟ وهل سيُداهمهما كما داهم والدهما؟

طريقة جديدة

وعندما شبَّ شريف ورأى والده على هذا الحال، تعهَّد بحل اللغز وإيجاد علاج. وقاده سعيه إلى الحصول على درجة الدكتوراة في بيولوجيا النمو والتجدد، كما قاده إلى اكتشاف، نُشر في سبتمبر (أيلول) في مجلة «Cell»، يمكن أن يُحدِث تحولًا في العلاج الجيني لجميع أمراض الهزال العضلي تقريبًا. ويشمل ذلك أنواع الضمور العضلي الذي يصيب حوالي 100 ألف شخص في أمريكا، وفقًا لجمعية ضمور العضلات.

صحة

منذ شهرين
الأندروفوبيا.. عندما يصل الخوف من الرجال لمستوى المرض

وغالبًا ما يستخدم العلماء فيروسًا معطلًا يسمى بالفيروس المرتبط بالغدة أو «AAV»، لتوصيل العلاج الجيني للخلايا. لكن الخلايا العضلية التالفة كتلك التي أصابت والد الدكتور تابيبوردبار يصعب علاجها. ويتكون 40٪ من الجسم من العضلات. ولإيصال الفيروس إلى تلك الخلايا العضلية، يجب على الباحثين تقديم جرعات هائلة من الأدوية. وينتهي المطاف بمعظم الفيروسات في الكبد، فتتلِفه وأحيانًا تقتل المرضى في بعض الأحيان. وأُحبِط الباحثون وأوقفوا التجارب.

ونجح الدكتور تابيبوردبار في تطوير فيروسات تذهب مباشرة إلى العضلات، وقليل منها ينتهي به المطاف في الكبد. واكتشافه هذا يمكن أن يتيح العلاج بجزء بسيط من الجرعة دون آثار جانبية.

Embed from Getty Images

يقول الدكتور جيفري تشامبرلين، الذي يدرس علاج أمراض العضلات في جامعة واشنطن، إن الطريقة الجديدة «يمكن أن تنتقل بالعلاج إلى المستوى التالي»، مضيفًا أن الطريقة نفسها قد تسمح أيضًا للباحثين باستهداف أي نسيج تقريبًا بدقة، بما في ذلك خلايا المخ، والتي بدأ العلماء للتو في استهدافها بالعلاج الجيني.

وقال الدكتور فرانسيس كولينز، مدير المعاهد الوطنية للصحة، التي ساعدت في تمويل البحث، في منشور على إحدى المدونات أن البحث يحمل «إمكانية استهداف أعضاء أخرى»، وبذلك «يمكن أن يوفر العلاج لمجموعة واسعة من الأمراض الوراثية».

يحتوي المكتب الصغير لتابيبوردبار في معهد برود على باب زجاجي يفتح مباشرة على طاولة مختبره. وهناك يعمل الرجل عادة لمدة 14 ساعة في اليوم، باستثناء الأيام التي يلعب فيها كرة القدم مع مجموعة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

المجال الذي يحمل الأمل

تقول إيمي ويجرز، التي كانت مشرفة على رسالة الدكتوراة التي تقدم بها تابيبوردبار وأستاذة ورئيسة مشاركة في قسم الخلايا الجذعية والبيولوجيا التجديدية في جامعة هارفارد، إنه «مُنتِج وفعَّال على نحو لا يصدَّق. ويعمل طوال الوقت ولديه شغف وتفانٍ يفوقان الخيال. وحالته هذه مُعدِية تنتشر إلى كل من حوله. وهذه مهارة حقيقية – قدرته على أخذ رؤية أكبر ونقلها».

يعيش تابيبوردبار وزوجته في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس، ويحب طهي الطعام الفارسي. وأثناء عمله في مكتب مختبره، يستمع إلى الموسيقى الفارسية، أو البودكاست، أو الكتب الصوتية.

ولد تابيبوردبار في مدينة شيراز بإيران، لكنه انتقل إلى مدينة رشت عندما كان في التاسعة من عمره.

والتحق بمدرسة ثانوية تابعة للمنظمة الوطنية الإيرانية لتنمية المواهب الاستثنائية. وهناك، وبدافع من رغبته في مساعدة والده، ركَّز على العلوم البيولوجية. ودفعت والدته، طاهرة فلاح، التي كانت تتوق إلى أن تصبح طبيبة، لكنها لم تتمكن من مواصلة تعليمها شريف وأخاه إلى التفوق.

وبعد المدرسة الثانوية، قرر شريف أن يكون واحدًا من ثمانية إلى 10 طلاب في البلاد قبلوا في برنامج معجَّل بجامعة طهران. ويمكِّن البرنامج من الحصول على درجة البكالوريوس والماجستير والدكتوراة في تسع سنوات فقط. واحتل شريف المركز السابع من أصل 1.3 مليون طالب.

وتخصص في التكنولوجيا الحيوية بجامعة طهران. وبعد أربع سنوات ونصف، حصل على درجة الماجستير وبدأ في التقدم لبرامج الدكتوراة في أفضل الجامعات العالمية التي تقوم بأبحاث حول ضمور العضلات، على أمل أن يؤدي ذلك إلى اكتشاف يمكن أن يساعد والده. وانتهى به الأمر في مختبر الدكتورة ويجرز بجامعة هارفارد.

Embed from Getty Images

وظل السؤال يراوده: ما السبب وراء مرض والده؟

وعندما جاء والده جعفر إلى هارفارد لحضور حفل التخرج لعام 2016، اغتنم تابيبوردبار الفرصة للحصول على التسلسل الجيني له واكتشاف اللغز. ولم يعثر على طفرات. وتساءل تابيبودبار: «كيف يمكن هذا»؟

وكشفت الاختبارات الأكثر تفصيلًا وتطورًا أخيرًا عن الإجابة: يعاني والده من اضطراب وراثي نادر للغاية، «الضمور العَضَلِيُّ الوَجْهِيُّ الكَتِفِيُّ العَضُدِيُّ (FSHD)»، والذي يؤثر على ما يقدر بأربعة إلى 10 من كل 100 شخص. ولا ينتج عن طفرة في الجين، ولكن يحدث بسبب طفرة في منطقة بين الجينات، مما يؤدي إلى إفراز مادة كيميائية سامة تقتل خلايا العضلات.

وزاد من رعب تابيبوردبار، أن لديه فرصة 50-50 لوراثة الطفرة من والده. وأجرى له صديق اختبارًا ليكتشف أنه ورث الطفرة، ولكن الجين المتحور كان يفتقد إلى آخر قطعة من الحمض النووي السام؛ مما حال دون ظهور المرض عليه.

وفي مختبر ويجرز عمل تابيبوردبار على الضمور العضلي باستخدام تقنية كريسبر لتعديل الجينات. وحاول استخدام الفيروس المرتبط بالغدة لنقل إنزيمات كريسبر إلى خلايا العضلات، حيث يمكنها تصحيح الطفرة. ولم يكن الأمر سهلًا.

وفي عام 2004 أفاد الدكتور تشامبرلين من جامعة واشنطن أن الفيروس المرتبط بالغدة يمكن أن يقدم العلاج الجيني لعضلات الفئران، ولكنه يتطلب «جرعات فلكية» من الفيروس المعطل.

وأضاف: «وأثناء هذه الجرعات العالية جدًّا، يكون المريض عرضة للوقوع في مشكلات أخرى»، ويتعرض الكبد لضغط شديد.

الحل في العلاج الجيني

وعلى الرغم من مخاطر الجرعات العالية من الفيروس المرتبط بالغدة، فإن التجارب السريرية للعلاج الجيني جارية للمرضى الذين يعانون من أمراض العضلات، ولكن عند الأطفال فقط. ويمكن أن تتحمل أجسامهم الأصغر جرعات أقل تحتوي على عدد أقل من الفيروسات.

وجرت الموافقة على العلاج الجيني باستخدام الفيروس المرتبط بالغدة لمرض عضلي قاتل هو ضمور العضلات الشوكي.

يقول الدكتور مارك كاي، باحث العلاج الجيني في جامعة ستانفورد: إنه «مرض مروِّع». حتى مع وجود جرعات بحجم الأطفال، مات بعض الأطفال بسبب الدواء الذي كان يهدف إلى إنقاذهم. وأضاف: «لكن إذا لم نحاول علاجهم، فسوف يموتون من المرض».

وعانى مشروع تابيبوردبار في هارفارد من مشكلات الجرعات العالية أيضًا. وعلى الرغم من أنه تمكن من تصحيح الضمور العضلي في الفئران – وهو إنجاز أبلغ عنه في الوقت نفسه مختبران آخران – إلا أنه لم يكن ضمانًا بأن العلاج الجيني سيعمل على البشر.

Embed from Getty Images

ومرض مثل الذي يعاني منه والد تابيبوردبار صعب صعوبة خاصة. ويحدث الضمور العضلي الأكثر شيوعًا بسبب طفرة تترك المرضى يفتقرون إلى بروتين معين. ويجب على العلاج الجيني تجديد هذا البروتين في بعض خلايا العضلات، ولكن ليس كلها.

ومرض والد تابيبوردبار يتضمن مادة سامة ينتِجها حوالي 1٪ من خلايا العضلات، ثم تنتشر بعد ذلك عبر ألياف العضلات. ولتخلِيص العضلات من هذا السم يجب أن يصل العلاج الجيني إلى كل خلية عضلية.

وبعد تخرجه من جامعة هارفارد، اعتقد تابيبوردبار أن لديه فرصة لتطوير العلاج الجيني لضمور العضلات في شركة للتكنولوجيا الحيوية. ولكن بعد حوالي عام أعلنت الشركة عن إلغاء برنامج الضمور العضلي. وعرف تابيبوردبار أنه يجب عليه الذهاب إلى مكان آخر.

وحصل تابيبوردبار على منصب في مختبر براديس سابيتي في معهد بورد وشرع في العمل. وكانت خطته تتمثل في تحوير ملايين الفيروسات وعزل تلك التي تنتقل حصريًّا تقريبًا إلى العضلات. وجاءت النتيجة وفق آماله – فيروسات اتجهت للعضلات مباشرةً في الفئران والقرود أيضًا؛ مما يزيد من احتمال نجاحها في البشر.

وقال الدكتور تابيبوردبار: «سأقوم بـ100 تجربة، 95 منها لن تنجح».

لكنه قال إن هذه هي الشخصية المطلوبة من العلماء.

وقال تشامبرلين إنه مع كل العمل قبل السريري الذي قام به تابيبوردبار، يمكن للفيروسات الجديدة أن تنتقل إلى التجارب السريرية قريبًا، في غضون ستة أشهر إلى عام.

والآن انتقل تابيبوردبار إلى خطوته التالية، حيث قرر أنه يريد تطوير أدوية. ومنذ حوالي عام شارك في تأسيس شركة أدوية تسمى «كيت ذيربوتيكس»، والتي ستركز على العلاج الجيني لأمراض العضلات.

ويأمل أن يساعد عمله في تخليص المرضى من المعاناة. ومع ذلك فإن مصير والده لا يفارقه كظله.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد