علَّمتنا جائحة كورونا أنه وبالرغم من أن الشدائد نفسها قد تمرُّ على الجميع في آنٍ واحد، فإن ردود الفعل وقدرة التحمل والتأقلم تختلف إلى حد بعيد بين الأفراد. ينشر موقع «ساينس فوكس» العلمي مادةً لعالم الأعصاب المعرفي كريستيان جاريت يشرح بها سرَّ قدرة بعض الناس على مواجهة شدائد واختبارات الحياة، وكيف يمكن لنا جميعًا تعلُّم هذه المهارة النفسية وتطويرها.

ما هي المرونة التكيفية؟

يطلق علماء النفس على القدرة على تجاوز التجارب السيئة اسم المرونة التكيفية (المرونة النفسية أو المرونة الذهنية). تشرح المفهوم بصورة أدق عالمة الأعصاب د. جولناز تابيبنيا التي تدرس الأساس العصبي للمرونة في جامعة كاليفورنيا: «تعني المرونة عامةً القدرة على التكيف جيدًا في مواجهة المحن المزمنة أو القاسية».

يشير الكاتب إلى تزايد الاهتمام البحثي الآن في السبب الكامن وراء المرونة التكيفية الأفضل لبعض الناس مقابل نظرائهم؛ إذ تعرِّض جائحة كوفيد-19 وتداعياتها الناس لمختلف أنواع الشدائد والابتلاءات، بما في ذلك المرض، والفقدان، وخسارات الوظائف، والعزلة، وغير ذلك الكثير، فضلًا عن شعور الناس القوي بحالة عدم اليقين والضياع بشأن ما يُخبِّئه المستقبل. يطرح الكاتب سؤالًا بهذا الخصوص: ماذا يمكن لنا أن نتعلم من دراسة المرونة التكيفية الآن لمساعدتنا على التأقلم مع الأشهر والسنوات الصعبة المقبلة؟

علوم

منذ 11 شهر
النفس والجسد.. هل نحدد ما نستحقه في الحياة وفقًا لجاذبية أجسادنا؟

ينوِّه الكاتب إلى إحدى الطرق التي حاول بها علماء النفس التوصل لمعرفةٍ أفضل بشأن المرونة النفسية، وتتمثل بدراسة مجموعاتٍ من الأشخاص الذي واجهوا المحن بأشكالها، ومن ثم محاولة فهم ما المكوِّن المختلف في التركيب النفسي لمن أظهروا تأثرًا أقل نسبيًّا من غيرهم. على سبيل المثال، عمل فريق بقيادة اختصاصي علم النفس السريري د. إريك ماير في وزارة شؤون المحاربين القدامى في تكساس العام الماضي، في دراسة مئات من قدامى المحاربين الأمريكيين ممن خدموا في الحروب في العراق وأفغانستان.

توصلت الدراسة إلى أن من أظهروا انخفاضًا في علامات اضطراب ما بعد الصدمة (انخفاضًا أقل من المتوسط، وهو ما يدل على مرونتهم التكيفيَّة) يميلون إلى تحقيق درجاتٍ عالية فيما يُعرف باسم «المرونة النفسية» (وتُقاس الأخيرة عبر عبارات من قبيل «أنا خائف من مشاعري»، و«العواطف تسبب مشكلات في حياتي»، وتزداد المرونة مع ازدياد مُعارضة هذه العبارات).

Embed from Getty Images

تشرح اختصاصية علم النفس والمستشارة د. سيلدا كوديمير التي تعلِّم المرونة للأفراد والمؤسسات – علمًا بأنها تُشارك في الدراسة أعلاه – بقولها: «تمنحنا المرونة النفسية القدرة على تغيير وجهات النظر والأفعال حين نشعر بالضيق أو الصعوبة دون أن يتجاوز ذلك طاقتنا». يتجلى الجانب الرئيسي الآخر للمرونة النفسية في عدم تجنب المشاعر الصعبة، بل قبولها جزءًا من الحياة، وفي ذلك ينقل الكاتب عن كوديمير توضيحها: «حين نبقى على اتصال بالتجارب المُنفِّرة ونتعامل مع المواقف الصعبة بطريقةِ القبول والمرونة، تزداد مقاومتنا وقدرتنا على التحمل وتزداد احتمالية مواصلتنا لحياةٍ ذات معنى».

وأخيرًا، يأتي الجزء الأخير والأهم من سمة المرونة النفسية والذي يتمثل بمنح الأولوية لما يهمك حقًّا – قيمك وأهدافك المركزية في الحياة – عن طريق التركيز على ما يمكنك فعله – بالرغم من كل الشدائد – للوصول إلى تلك الأهداف، وكما تضيف كوديمير: «يُظهر الأشخاص المرنون نفسيًّا استعدادًا للترحيب بالحالات المزعجة، في حال ساعدهم ذلك على متابعة أهدافهم المتماشية مع قيمهم».

تنمية القدرة على التكيُّف

تنسجم قصص الأفراد الذين حققوا ثباتًا وجَلدًا عظيمًا في حيواتهم مع المبدأ الذي يحيل المرونة إلى القدرة على التكيف، جنبًا إلى جنب مع وجود دافع قوي للسعي وراء تحقيق قيم الفرد. يذكر الكاتب مثالًا، جوه فوستر، التي حتى قبل تشخيص إصابتها بنوع عدواني من سرطان الثدي في عمر 31، كانت قد تعرضت بالفعل لاعتداء جنسي خطير، وعلاقة مؤذية، وتحدِّيات صحية جسدية – بما في ذلك تشخيص متأخر لمتلازمة إيلرز دانلوس وهو اضطراب وراثي يؤثر في الأنسجة الضامة في الجسم – بالإضافة للعديد من المشكلات في مجال الصحة العقلية. مع ذلك، حققت فوستر المعجزات بقدرتها النفسية على التأقلم والتعافي. أكملت شهادتها في علم النفس حتى أثناء خضوعها للعلاج الكيميائي والإشعاعي، وربَّت ابنها الذي كان يبلغ من العمر أربع سنوات فقط، وبالرغم من التجارب التي مرَّت بها فهي تؤمن بأنها «شخص أقوى وأكثر مرونة وتكيفًا وانفتاحًا وتعاطفًا بسبب تلك التجارب».

توافق فوستر على الفائدة التي وجدتها عن طريق إيجاد استراتيجيات مختلفة للتكيف والتحمل لتطبِّقها في شتَّى المواقف الصعبة (يشير الكاتب هنا إلى أن طرقه الشخصية المفضلة تتمثل في تمارين التنفس، واليقظة الذهنية لكسر الحلقة المفرغة لأنماط التفكير المضطربة)، وترى فوستر أن توجيه طاقاتها وخبراتها نحو الجانب الإيجابي ساعدها في التعامل مع المحن الصعبة.

تحكي فوستر عن تجربتها: «بعد عامين من إصابتي بالمرض، تطوعت في الجمعية الخيرية للتوعية بسرطان الثدي (CoppaFeel). داومت على التحدث عن تجربتي بانتظام في المدارس والكليات والجامعات وأماكن العمل وتثقيف الناس بشأن ذلك. أحدث هذا الأمر فرقًا كبيرًا بالنسبة لي؛ إذ شكَّل بارقة الأمل لتجربة السرطان المظلمة».

Embed from Getty Images

وجد علماء النفس المتخصصون في دراسة المرونة التكيفية النفسية ضمن سياق جائحة كورونا، أن المرونة النفسية هي المفتاح للتحمُّل والتعامل مع الأمر كله. ويحيل الكاتب إلى المسح الذي أجراه عالما النفس الإكلينيكي والباحثان في جامعة لينكولن د. نيما جوليجاني مقدم، ود. ديفيد داوسون، على أكثر من 500 مواطن بريطاني في شهر مايو (أيار) 2020، لمعرفة كيف كانوا يواجهون الأمر عاطفيًّا تمامًا حين كانت البلاد في خضمِّ إغلاق عام بسبب الجائحة. وينقل الكاتب عن مؤلفَي الدراسة توضيحهما: «تقابلنا الجائحة الحالية بمطالب غير مألوفة ودائمة التغير، وفي سياق انتشار الخوف وعدم اليقين، أردنا استكشاف وعد المرونة النفسية بوصفها مصدرًا للقدرة التكيفية على التحمل في ظلِّ هذه الظروف».

وكما هو متوقع، وجد الباحثان مستويات مرتفعة من القلق في عينتهما؛ إذ استوفى 27% من الخاضعين للمسح معايير اضطراب القلق مقابل الرقم المعتاد للأوقات العادية ويبلغ 6%. لكن اكتشاف المسح الأهم أن من سجلوا درجات أعلى في المرونة النفسية قلَّ احتمال معاناتهم من القلق أو الاكتئاب، كما أنهم أبلغوا عن مستوى أعلى من العافية بصورةٍ عامة. وينوِّه الكاتب إلى وجود خبر سارٍّ بهذا الخصوص؛ إذ يمكن تطوير مرونتنا التكيفية وتحملنا للأشهر والسنوات المقبلة، فمعظم علماء النفس يتفقون على أنه أمر قابل للتعليم – جزئيًّا على الأقل – وإن كان الباحثان السابقان مهتمين بدراسة المرونة النفسية في سياق جائحة الكورونا بصورةٍ خاصة، فإنهما يؤكدان وجود أدلة جيدة على قابلية التغيير في حال وجود الإرادة لذلك.

كيف تحسِّن من مرونتك التكيفية؟

إذا ما أردت العمل على مرونتك التكيفية وزيادة قدرتك على التحمل، سواء لك أو للأشخاص الذين تهتم بهم أو تحمل مسؤولية تجاههم، هنالك ثلاثة عناصر يوجهك الكاتب للتركيز عليها: تطوير مجموعة جيدة من استراتيجيات التأقلم عبر تنمية المرونة النفسية لتقبل المشاعر الصعبة، ومعرفة متى وكيف تُستخدم استراتيجيات التأقلم المختلفة التي طورتها، وأخيرًا إدراك قيمك جيدًا بحيث تتمكن من الاستمرار في عيش حياة ذات مغزى في مواجهة أيِّ شدائد تصادفك.

بالنسبة لاستراتيجيات التأقلم، يذكر الكاتب عدة تقنيات نفسية يمكن استخدامها من أجل تخفيف تأثير المشاعر السلبية، أمور من قبيل: «التعريف الوجداني» أي صياغة المشاعر على شكل كلمات أو تسمية المشاعر، «إعادة التقييم الإدراكي» أي التفكير في الأشياء ضمن منظور أكثر إيجابية، مثل أن تعتبر الإغلاق العام الناجم عن كورونا فرصة لتعلم مهارة جديدة وغير ذلك.

Embed from Getty Images

وتنوِّه تابيبنيا إلى أن هذه التقنيات بالغة الأهمية والفائدة حين تكون الضغوطات قسرية لا يمكن تجنبها. هناك طرق أخرى يمكن استخدامها لتعزيز مشاعرك الإيجابية أيضًا، منها التركيز المتعمد على ذكريات التجارب الجيدة من ماضيك، البحث عن طرق لتعزيز تفاؤلك (مثل التدرب بتمرين «أفضل ذات ممكنة» النفسي) وغيرها من الطرق والاستراتيجيات المخصصة لبناء الإيجابية وتخفيف آثار التوتر.

ومع ذلك، لا يكفي استخدام هذه التقنيات وحدها لتحمل الصعاب ومواجهة الحياة؛ فالمرونة النفسية والقدرة على التكيف أمور تتعلق بمعرفة نوع التقنيات التي يجب استخدامها والوقت المناسب لها. تتطور هذه المعرفة جزئيًّا من خلال الممارسة، بمعنى الاستعداد لمواجهة المواقف الصعبة من الحياة، بدلًا من تجنبها. وكما توضح تابيبنيا فإنه في كثيرٍ من الأحيان، عندما نواجه موقفًا عصيبًا نميل إلى إيقافه وتجنبه تمامًا، لكن نادرًا ما يساعد هذا في التعامل مع الموقف، بل قد يزيد الأمر سوءًا ويقوِّض ثقتنا بأنفسنا، ويزيد من عبء المشكلة، أو يتسبب بتصعيدها حتى.

بالمقابل، فإن مواجهة مصادر التوتر والتركيز على النقاط التي يمكن السيطرة عليها يساعد في إدارة الموقف، ويعدُّك أيضًا لتصبح أقوى وأفضل في المستقبل أمام أيِّ مصاعب جديدة. وينقل الكاتب عن تابيبنيا توضيحها هنا: «حتى ولو اتخذت إجراءً لم يغيِّر من عامل التوتر في النهاية، فإنه سيغير استجابة دماغك للضغط ويخفف من تجربة الضائقة، ما يعني أن مجرد الشعور بالسيطرة على الموقف هو أمر مفيد».

أدوات التأقلم

يعود الكاتب إلى اختصاصية علم النفس كوديمير، والتي توضِّح أن قبول المشاعر الصعبة بدلًا من السعي الدائم لتجنبها لا يعني السلبية أو الإذعان، بل على العكس: «إنه موقف خالٍ من الأحكام في مواجهة ما يجري، موقف يجعلنا نتعرف إلى خياراتنا لاتخاذ إجراءات والتحرك نحو المكان الذي نريد أن نذهب إليه دون سيطرتنا. اسأل نفسك: ماذا بوسعي أن أفعل في هذا الموقف؟ ووجه طاقتك وجهدك نحو ما يمكنك التأثير فيه».

والمبدأ الإرشادي الأخير الذي يتحدث عنه الكاتب في سياق استراتيجيات التنظيم العاطفي وتقبل المشاعر دون أحكام، يكمن في بناء مفهوم للحياة أركانه القيم. حدد منظومة قيمك المهمة لك واتَّبعها في حياتك، أو كما تشرح كوديمير: «تعرَّف إلى ما يهمك في الحياة وتصرف بالطرائق التي توصلك لذلك. اسأل نفسك: هل ما أفعله مفيد لذلك؟».  تعد أساليب المرونة النفسية وطرائق تطوير القدرة على التحمل جزءًا من علاج القبول والالتزام، وهو فرع من العلاج السلوكي المعرفي. تلخص كوديمير الأمر على هذه الشاكلة: «يتعلق الأمر كله بالتعامل مع ما هو موجود لنا هنا في هذه اللحظة، والمضي قدمًا بالرغم من المشقة المحتملة».

Embed from Getty Images

نتكيف الآن جميعنا مع حالة عدم اليقين التي تنتظرنا، وقد تكون الأدلة الواقعية المبدئية التي تشير إلى القدرة على تعلم المرونة التكيفية أمرًا مشجعًا للغاية. يشير الكاتب إلى عمل عالم النفس التنظيمي في جامعة جيمس ماديسون، د. آدم فانهوف مع زملائه، حيث أجرى مسحًا لنتائج 37 دراسة سابقة في برامج تدريب المرونة التكيفية في مكان العمل. وقد خلصوا إلى وجود فائدة متواضعة للبرامج، قد لا يبدو ذلك خبرًا عظيمًا، لكن ضع في اعتبارك أن معظم البرامج ما تزال في طورها غير الناضج من جهة التأسيس. وقد جنى الفائدة الكبرى من البرامج من كانوا بأمسِّ الحاجة إليها إن صح التعبير. يقول فانهوف: «يمكن للأشخاص الذين يعملون في وظائف عالية الضغط، أو لديهم تاريخ من قصور المرونة التكيفية، اكتساب أدوات (التأقلم) وتعلم كيفية استخدام هذه الأدوات من تدريبات المرونة التكيفية».

ختامًا، قد يكون هنالك جانب مشرق للجائحة، وفقًا لما ينقله الكاتب عن فانهوف؛ إذ إنه أدى إلى سيل من البحوث النفسية الجديدة حول المرونة التكيفية والقدرة على التحمل. نحن نعرف الكثير بالفعل عن معادلة التعافي من الشدائد، لكن وفي غضون سنوات قليلة نأمل بمعرفة المزيد في هذا الخصوص، وكما يعِد فانهوف: «ستساعدنا البحوث التي تجرى على المرونة التكيفية خلال هذه الجائحة على تجاوز أيًّ مما تخبئه لنا 2021 أو 2030 أو 2050 بطريقةٍ لم يسبق لها نظير من أيِّ حدثٍ في الماضي القريب».

لايف ستايل

منذ 11 شهر
مترجم: السعي نحو الكمال يجعلك مُرهَقًا ووحيدًا.. كيف تتعامل مع الأمر؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد