نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية مقالًا للكاتبة والأخصائية الاجتماعية ميراندا فيذر ستون تحدثت فيه عن التربية المبنية على الخوف، وماذا يتعين على الوالدين فعله لمقاومتها، بينما تعود الحياة إلى طبيعتها مع استمرار خطر الإصابة بفيروس كورونا.

كيف تؤثر تعبيرات وجه الأم على سلوكيات الطفل؟

تبدأ ميراندا مقالها مشيرة إلى تجربة أُجريت عام 1960 أقنعت فيها مجموعة من الأمهات أطفالهن بالحبو على لوح زجاجي منصوب فوق منحدر أرضي حاد. كانت الأرض ملساء وآمنة، ولكنها بدت محفوفة بالمخاطر للرضع سيئي الحظ. كانت هذه تجربة «الجرف البصري» وهي نوع كلاسيكي من تجارب علم النفس التنموي التي تهدف لإظهار عمق الإدراك لدى الرضع.

تضيف ميراندا أنها لطالما تذكرت التجربة التالية لتجربة الجرف البصري التي أجراها الباحثون في منتصف الثمانينات لمعرفة ما إذا كانت تعبيرات وجه الأمهات تؤثر في احتمالات إقبال الطفل على الخطر المتصوّر، إذ أسفرت التجربة عن أن تعبيرات وجه الأمهات تؤثر بالفعل. فالأمهات اللواتي أظهرن تعبيرات سعيدة ومهتمة اطمأن أطفالهن إلى أن الجرف ليس تهديدًا، فنظر هؤلاء الأطفال إلى الجرف، ثم تفحصوا وجوه أمهاتهم وعبروا فوق اللوح الزجاجي، على عكس الأطفال الذين ظهرت تعبيرات الخوف والغضب على وجوه أمهاتهم.

نبرة الصوت وقبضة اليد.. التربية الواعية

تذكر ميراندا تجربة خاصة لها مع طفلها توماس فتقول: كنا نسير أنا وابني البالغ من العمر عامين مرتدين كماماتنا في حي فيلادلفيا مبكرًا في صباح أحد الأيام. كان يسير خلفي، وكنت ألتفت لتفقده من حين لآخر. كانت الشوارع خالية، ثم ظهر شخص ينزّه كلبه، فمددت يدي وناديت ابني باسمه: «توماس». كانت نبرة صوتي طبيعية، لكن لم أستخدم الاسم المعتاد الذي أناديه به. أسرع توماس نحوي وأمسك بيدي.

في بعض الأحيان لا أضطر لمناداته، يكفي أن أمد يدي ليسرع إليّ. قلت له «انظر إلى هذا الكلب» تحدثت بنبرة صوت مرحة في محاولة لتحييد غرابة الحدث. مشينا يدًا بيد حتى مر الرجل وكلبه، ثم انتزع يده من قبضتي بمجرد أن شعر أنني مسترخية، فهو يعي ذلك.

Embed from Getty Images

تضيف الكاتبة: أيّ أم أنا في هذه التجربة؟ أحاول أن أكون أمًا مشجعة وهادئة وواعية، ولكني كغيري من الآباء في مواجهة هذه الجائحة أحاول أن أعلم طفلي أن يخشى العالم بطرق ضمنية تارة، وصريحة تارة أخرى. فهو أصغر من أن يستوعب وجود ناقلي المرض الذين لا تظهر عليهم الأعراض، أو أن يفهم أجهزة التنفس، وكل ما يعرفه هو أنني أشعر بالقلق عندما نكون خارج المنزل وهو بعيد عني. وهو يعلم أن الأماكن التي يحبها لم تعد آمنة، فالمكتبة مغلقة، وكذلك المدرسة، وساحات اللعب.

الوضع الاعتيادي الجديد

يواصل المقال: منذ مارس (أذار) تمكن أشخاص مثلي من إبقاء عائلاتهم معزولين تمامًا، والفضل في ذلك لسياسات العمل من المنزل لذوي الياقات البيضاء، وإسكان العائلة الواحدة، وعشرات الامتيازات الأخرى. ولكن مع إعادة فتح المدن والبلدات، وهو انفتاح مدفوع ليس بالسلامة وإنما بالسياسة، سيكون عليّ أن أحدد معايير الوضع الطبيعي الجديد الخاصة به.

هل سنعود إلى ساحات اللعب حيث يستمتع الأطفال بالعطس في وجوه أقرانهم؟ هل يمكنني ترك توماس في رعاية صديقة بينما أصارع الوقت لإنجاز مهام ثلاثة أسابيع في صباح واحد؟ والأهم من ذلك: متى سنرسله مرة أخرى إلى مدرسته المحببة؟

افترض المحللون النفسيون في منتصف القرن الماضي، أمثال مارجريت ماهلر، أن المرحلة العمرية بين سنة إلى ثلاث سنوات من عمر الطفولة هي مرحلة حاسمة بالنسبة للأطفال؛ ليتمكنوا من اكتشاف العالم وهم يعلمون أن والديهم مطمئنون لذلك، وموجودون إلى جانبهم في حال احتاجوا لهم. أما إيصال رسالة للأطفال مفادها أن العالم أكثر خطورة من أن يتمكنوا من اكتشافه يعزز لديهم الخوف وانعدام الثقة، وربما التحدي النابع عن الجهود المحبطة نحو الاستقلال.

بالنسبة للأطفال الذين سيعودون إلى مراكز الرعاية النهارية وغيرها، حيث سيتفاعلون مع أشخاص خارج أسرهم بعد أن قضوا كل هذا الوقت الغريب في العزلة، يمكننا أن نتوقع انهيارات ونحيبًا على المدى القصير، وقلقًا على المدى البعيد. وستكون العودة أصعب إذا تأجلت إلى أجل غير مسمى، أو إذا أبدى الآباء ترددهم عندما يحين وقت العودة للمدرسة.

إحدى مهام الكبار الأساسية في دعمهم للأطفال العائدين من جديد هي أن يتخلوا عن الأسطورة القائلة: إن الأطفال – أو أي منا – يمكن عزلهم تمامًا عن التعرض للآخرين. صحيح أنه لا يوجد علاج لكوفيد-19، ولا يوجد لقاح، ولم يعرف بعد متى يمكن أن يتحقق أي من هذين، ولكن هذا لا يعني أن يبقى الأطفال معزولين لأشهر، أو ربما سنوات.

Embed from Getty Images

قد تكون البيئة الآمنة والمعقمة تمامًا وهمًا للنخبة – غالبًا النخبة البيضاء. فعائلات السود اضطرت منذ زمن إلى موازنة واقع السياسات العنصرية والأخطار الأخرى، مع حاجة الأطفال إلى ممارسة الاستقلال وتكوين الروابط الاجتماعية خارج المنزل. وإمكانية وقوع الضرر لا تمنع الاستكشاف والاستقلال، بل تعني أن نتخذ احتياطات معقولة، ونوجه الأطفال بصراحة ليتجنبوا المخاطر ويحافظوا على سلامتهم.

خيارات الأهل حيال الاختلاط

تواصل الكاتبة مع السؤال الذي يتبادر في أذهان الآباء: عندما تبدأ المجتمعات بالانفتاح من جديد، كيف يمكننا التخفيف من خطر تعرض الأطفال للمرض مع السماح لهم بالتفاعل مع الآخرين؟

بالنسبة للبعض قد يعني ذلك تقاسم مهمة رعاية الأطفال مع عائلة أخرى وتوفير التواصل الاجتماعي مع الأطفال الآخرين خارج المنزل، أو ببساطة التحدث مع الأطفال حول شكل التفاعلات الاجتماعية في المستقبل.

ولكن بالنسبة للكثير منا، قد يعني ذلك أن نعيد أطفالنا إلى مراكز الرعاية الحريصة على معايير السلامة في أقرب وقت ممكن والتظاهر بالبهجة والهدوء لعودة أطفالنا. وتشير الأدلة القادمة من مراكز الرعاية التي بقيت تعمل في وقت الجائحة أنه مع الاحتياطات الصحيحة، يستبعد أن ينقل الأطفال المرض إلى البالغين.

توضح الكاتبة أنه ليس أمامنا إلا اتباع نهج الحد من الضرر تجاه رعاية الأطفال والدعوة لسلامة الأطفال والعاملين ونحن نسمح لأطفالنا بالتفاعل مع العالم بعيدًا عن شاشات الأيباد والكبار الذين يعانون من الإجهاد والإرهاق من مهام رعايتهم.

وسيكون على الكبار أن يتحدثوا للأطفال الصغار حول ما يحدث فيقولون: «لم نذهب إلى المدرسة لأننا لم نرغب في نشر فيروس كورونا، ولكننا سنعود قريبًا للمدرسة. ربما لا تزال هناك جراثيم، ولكننا سنكون حذرين للغاية كي لا ننشرها». التهديد ليس غامضًا أو يصعب وصفه، ربما يكون غير مرئي، لكنه محدد ويمكن وصفه.

نحن نتجنب عادة إعطاء الأطفال معلومات كثيرة، ولكن ما نعرفه هو أن عدم التفسير أو غياب التواصل يمكن أن يكون مفزعًا في حد ذاته؛ إذ سيترك التفسيرات لخيال الأطفال غير الناضج. واللغة تسمح للأطفال الصغار بتجسيد تجاربهم واحتوائها وهي الخطوة الأولى لفهم العواطف وتنظيمها.

التكرار وإعادة التأكيد مهم في الأعمار الصغيرة

تضيف الكاتبة: يحتاج الأطفال أيضًا إلى سماع الأخبار مرارا وتكرارًا، فسنحتاج لأن نشرح لهم المرة تلو الأخرى أن المعلمة لورا ستكون مرتدية الكمامة ولكنها لا تزال لورا التي نعرفها. وبأنهم حقًا وفعلًا وبجدية كما كررنا بالأمس يجب أن لا يضعوا أصابعهم في أنوفهم.

Embed from Getty Images

أقول لتوماس: «ستعود إلى المدرسة قريبًا» فيجيب: «أنا أجلس على الكرسي» فأقول: «نعم أنت تجلس على الكرسي، وستظل هناك جراثيم، ولكن أنا وأنت وأختك ومعلميوك سنكون حذرين للغاية كي لا نساعد في نشرها». أومأ برأسه متأرجحًا بين الحماس والجدية.

تختم الكاتبة مقالها قائلة: سأعيد له الكلام مرارًا وتكرارًا، سأقول أحيانًا أشياء خاطئة، وقد يسيء تفسير كلماتي أحيانًا أخرى. ولكن خلال الأسابيع التالية سيبدأ بفهم ما يحدث. لا أستطيع ضمان سلامتنا، ولكن يجب أن أشجعه على الذهاب إلى مكان الألعاب، وأحواض غسل اليدين الصغيرة؛ حيث سيواصل مشروعه بأن يصبح شخصًا صغيرًا في عالم كبير غير كامل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد