ويأتي هذا المقال ضمن إطار مبادرة لمركز «بروكينغز» تحت عنوان «إعادة النظر في الإسلام السياسي» يحاول «جوناثان براون» عرض علاقة المصطلحات المستخدمة بواقع الإسلام السياسي وأثر استخدامه على صانعي السياسات في الغرب وقادة الدول الإسلامية. ويجدد الكاتب التنويه على أن المادة المنشورة هي محاولة ضمن مشروع «بروكينغز» المعنون «إعادة النظر في الإسلام السياسي»، والتي وجهت مجموعة تساؤلات للباحثين المسلمين وغيرهم كمحاولة للوصول للبؤر التي ينبغي الانتباه والعمل عليها لمعالجة التطرف.

ويحاول الكاتب التطرق لمفارقات تكررت في مواقف التيارات الإسلامية، وكذلك تخوفات التيارات الليبرالية من تغول الإسلاميين. ولعل الأبرز هو ما اختتم به تقريره حيث يتساءل: أليس منع نقاش عام حول مدى قانونية الحجاب في بلد أغلب نسائه يرتدين الحجاب أمرًا ديمقراطيًّا، بل ويبدو حكيمًا؟

الإسلاموية.. بين العالمية والمحلية

يقول الكاتب أن كثيرًا من الأمور يعتمد على طريقة تفكيرنا في مصطلح الإسلاموية «islamism»، وهل هو وصف سيء أم لا؟ وهو الحال نفسه بالنسبة لصانعي السياسات في الغرب وقادة الدول الإسلامية، إلا أن الكاتب يشير إلى أنه وصف فضفاض غير متبلور وبلا ملامح، فضلًا عن كونه محل خلاف كبير، ربما لأنه يعكس الرأي السائد أو أحيانًا المخاوف تجاه أي شخص يستخدمه أكثر من كونه وصفًا لأي حقيقة ثابتة.

يضيف الكاتب إن المشككين من هذا الوصف في ظل وجود تنظيم كجماعة الإخوان المسلمين، هم دائمًا ما يتخيلونها «شبكة متينة عابرة للحدود الوطنية، وتتوحد في خصائصها الأكثر تهديدًا وخطرًا أينما حلت».

ولعل أهم ما أثبتته ثورات الربيع العربي ولا سيما فشلها المحزن، أن «الإسلاموية» هي بلا شك أمر محلي شكلًا وتوجهًا على السواء. فبعد دراسة الحركات الإسلامية وتحليلها، يتضح أنها بالأساس ترتكز على أسس محلية خاصة بكل بلد. وربما يرجع هذا إلى النظام الأيديولوجي لكل دولة، واحتكاره لتشكيل الأحداث في بلد ما. وحسب ما ذكره الكاتب تتعدد العوامل في نظام الدولة الواحدة، فعلى سبيل المثال ردود فعل الحكومة على المعارضة الإسلامية كما في المغرب، والفضاء التاريخي للمشاركة السياسية كما في الكويت، وتاريخ الحركات الإسلامية كما في الأردن، أو حتى مجرد تاثير الاعتبارات السياسية الخارجية مثل التخوفات من تفوق إيران في المملكة العربية السعودية.

الإسلامية والجهادية

يتطرق الكاتب لرأي ستيفن بروك أحد المشاركين في مبادرة «بروكينغز»، إذ يقول (في بحثه الذي يدور بالأساس عن محاولات جماعة الإخوان المسلمين الوصول للمجتمع المصري بعد الانقلاب) إن إحدى الخصائص الأساسية في تعريف الجماعات الإسلامية هي سعيها للتأقلم مع أنظمة الدول الحالية. ويظهر ذلك من خلال مشاركتها في الأنظمة السياسية وتبنيها الخطابات القومية، وترويض مذهبها في الفعالية السياسية ليوائم قوانين الأنظمة. ويؤكد بروك إن ذلك تحديدًا هو ما ميز الإسلاميين عن الجهاديين. فالجهاديون يتحركون في عنف نظرًا لأنهم لا يعتبرون أنفسهم تابعين للأنظمة الحاكمة، ولا يذعنون لفكرة احتكار الدولة لاستخدام العنف.

الإسلاموية وعنف الأنظمة الحاكمة

ويرى الكاتب أن المفارقة الأبرز منذ اندلاع ثورات الربيع العربي أنه بعكس الاتجاه السائد أن العوامل العابرة للحدود كانت «إسلامية» بالأساس، بل الأحرى أن العامل الذي تخطى الحدود كان الردود البشعة المروعة المتهورة للأنظمة العربية في مواجهة الأخطار المحتملة.

فدعم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لنظام السيسي في مصر، أدى إلى ارتداد مصر لذكريات الديكتاتورية الفاشية العسكرية القمعية في منتصف القرن العشرين، في حين تضاءل التطور والاستقرار الاقتصادي. وحسب وصف بروك أن الأسوأ من قتامة المستوى المعيشي في مصر، هو تغول سيطرة نظام السيسي الذي استهدف تراجع منظمات المجتمع المدني التي كانت تسد فجوة فشل الدولة في توفير الخدمات، لتنضم للمؤسسات الحكومية بفشلها الذريع وعدم كفاءتها.

فكانت الرسالة الأبرز التي بعث بها انقلاب السيسي 2013 للإسلاميين في ليبيا وسوريا واليمن وغيرهم، حسب وصف عمر عاشور (في إحدى الأوراق البحثية ضمن المبادرة) هي عسكرة السياسة: فقط الجيوش هي المنوطة بالحقوق السياسية؛ لا الدستور، ولا المؤسسات الديمقراطية، وبالتأكيد ليس التصويت في الانتخابات. فمع تلك الرسالة اندحرت أي إمكانية لنجاح الانتقال في اليمن وليبيا. ولعل أبرز الأسباب في نجاح ذلك هو تدخل السعودية ودول الخليج بشدة في الصراعات المسلحة. إلا أن مأساوية تدخل دول الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات العربية المتحدة، تتمثل في عدم سعيها لمواجهة أي خطر حقيقي، إنما كان تدخلها من منطلق «معاداة الإسلاموية» وبهدف منع انزلاق أي حكومة في المنطقة نحو إيجاد بدائل حاكمة أخرى.

لماذا تعد الإسلاموية (الإسلام السياسي) أكثر قبولًا من الجهادية؟

يذكر الكاتب أن استيعاب وجود الإسلاموية يبدو اتجاهًا أكثر حكمة من محاربتها، ولا سيما بعد الدمار الذي خلفه هذا التدخل. ويضيف مؤكدًا أن ظاهرة الإسلاموية أكثر قبولًا من الجهادية.

فما المقصود إذًا من إطلاق أحد أو مجموعة على أنفسهم «إسلاميين»؟ باختصار يسعى الإسلاميون بشكل عام نحو صبغ «إسلامي» أكثر وضوحًا للحياة العامة والقانون والأولويات السياسية الخارجية والداخلية للدول التي يعيشون بها. لكن غالبًا ما تتداخل تلك الأهداف جوهريًّا مع تخوفاتهم بشأن العدالة الاجتماعية وتحدي الهياكل النخبوية ومقاومة التجاوزات والتدخلات الخارجية، فضلًا عن تعبئة كل التوترات في دعواتهم لتطبيق رؤية الإسلام في المساواة بين البشر جميعهم، والتضامن الإسلامي العابر للقوميات الوطنية، والذي يبدو أكثر تماشيًا مع الرؤى المحافظة الثقافية للنخب المتفرنجة.

ولهذا السبب يرجع الكاتب نجاح جماعة الإخوان المسلمين بشكل جوهري في جذب الشباب، والمهنيين صغار السن، وذوي التعليم العالي، الذين لم تضمن لهم سياسات الاقتصاديات الفاسدة والفاشلة أي فرص تكافئ توقعاتهم. ويبدو أن صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا هو الآخر عامل جذب. فدعوات سيادة القانون والمحاسبة والعدالة الاقتصادية الاجتماعية جميعها أمر محمود. كما يقر الكاتب بوجود تكتلات عابرة للقوميات الوطنية ومنها الإسلامية بالفعل، إذ أنه من حق المواطنين في بلد ما تشكيل جماعة ضغط نيابة عن أولئك الذين يتفقون معهم في أماكن أخرى.

1 2

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد