لقد تقاعدت وأنا في الثلاثين من عمري. وأفضل ما في الموضوع ليس وقت الفراغ – بل الحرية.

عندما يعرف أي شخص أني تقاعدت منذ عشرة أعوام مضت عندما كنت في سن الثلاثين، يكون السؤال الأول عادة هو “كيف فعلت ذلك؟!”.

وهنا تأتي مجموعة من الأسئلة المشككة عن كيف يمكن لشخص أن يدخر في 10 أعوام قدرًا كافيًا من المال ليعيش السبعين الباقية أو كيف استطعت تحمل الأعباء المادية لتربية الأطفال والتأمين الصحي ومصاريف الجامعة والحالات الطارئة والكماليات.
السر بسيط ومألوف لمن يعرفون مبادئ الاستثمار والمحاسبة الشخصية ويمكن تطبيقه على مختلف الحالات والأشخاص، وهو: أنفق أقل كثيرًا مما تحصل عليه وضع الفارق في صندوق مؤشر ذي عائد مجزٍ. عندما يصل ما جمعته من استثمارات 25 ضعف مصاريفك السنوية فقد وصلت للهدف.

أحيانًا يعترض عليّ البعض ممن يعانون في سداد حسابات كروت الائتمان أو قرض السيارة مصرين أن قصة نجاحي هي قصة مزيفة من تأليفي. أرى هؤلاء الأشخاص مثل من يعانون في صعود السلم ويقولون عن من أكمل المارثون أنه غشاش – حتى لو كان صاحب المركز رقم 200- حيث يرى أنه لا يمكن لشخص أن يجري تلك المسافة. وتجميع مال كافٍ لتقاعد مبكر مثله مثل الجري لمسافة 26 ميلًا – ليس شيئًا سهلًا وإن كان بسيطًا وواضح الخطوات.

في الحقيقة أرى أن التساؤل الأكثر إثارة للاهتمام هو: “لماذا يريد أي إنسان أن يتقاعد مبكرًا؟”. فإننا إن نظرنا لإنجازاتنا البشرية في آلاف السنوات الأخيرة فسنجد أننا – في أعماقنا- نحب العمل. فنحن – خلافًا لباقي الكائنات الحية- لا نكتفي بالغذاء والمأوى فقط، فننشئ دور العبادة وأماكن للحفلات ومركبات فضاء وخرائط جينية. وفي نفس الوقت نجد الكثيرين منا ما زالوا يموتون جوعًا أو يقتلون بعضهم بعضًا، ويمكن أن تقول إنه ما زال هناك الكثير من العمل للقيام به.

لكن ليست كل الوظائف ممتعة ومجزية مثل الفن أو إنقاذ العالم، ففي الولايات المتحدة ما يقارب الثلثين غير راضٍ عن عمله ويتمنى لو توقف عنه إذا كان له الخيار. وحتى معظم الناس الباقين على الأقل سيرحبون بعطل أطول في نهاية الأسبوع أو بفرصة أخذ شهر أو شهرين من الإجازات في الصيف إذا لم تسبب عجزًا في دفع الفواتير. تلك الإغراءات الصغيرة هي ما استخدمه عادة في شرح كيف تبدو فكرة التقاعد المبكر.

في البداية كان دافعي الشخصي للتقاعد المبكر هو رغبتي في أن أكون أبًا جيدًا. فعلاقتي مع صديقتي استمرت لوقت طويل وأرى زواجنا يقترب في الأفق وبدأنا في التخطيط لإنشاء أسرة. وحينها عندما نظرنا لزملائنا المهندسين وجدنا أن متطلبات الأطفال الصغار لا تتناسب مع طبيعة تلك الحياة المهنية التي تستحوذ على كثير من وقتنا ومجهودنا. فتساءلنا كيف يمكن أن يعمل كلانا في تلك الوظائف التي تتطلب العمل حتى ساعات متأخرة والرد على الرسائل الإلكترونية في عطلة نهاية الأسبوع، وفي نفس الوقت نستطيع توفير من 12 إلى 16 ساعة التي يحتاجها الرضيع يوميًّا. ومستفيدين من تنشئتنا الاقتصادية غير المترفة في دولة أقل غنى وأن مرتباتنا أكثر من المتوسط، فقررنا أن نعيش حياة أقل من المتوسط وندخر للوصول إلى الاستقلالية المالية قبل أن نصير آباء.

كان ذلك مجرد بداية لتجربة أكبر، فمنذ عشر سنوات بدأت أشعر أني أسير في الطريق الصحيح عندما ولد ابني ولم اضطر للصراع لمحاولة الحصول على إجازة. لم أرد العودة للعمل خلال تلك الشهور الأولى من الليالي التي لم أذق فيها النوم للعناية بالرضيع. وبمرور السنوات وعندما بدأت تظهر بعض أوقات الفراغ بصورة متزايدة اكتشفت أن العمل هو جزء أساسي في الحياة – أكثر كثيرًا مما توقعت. فتساءلت ماذا لو كان العمل هو شيء تقوم به فقط عندما تريد ذلك، هل من الممكن أن تذهب للعمل عندما تشعر بالحيوية والميل للقيام بذلك العمل في بعض الأيام أو الفصول أو السنوات وتقوم بشيء آخر عندما تتغير أولوياتك. قد ترى أن تقضي أغلب فترة العشرينات في صعود السلم الوظيفي في مؤسسة كبيرة أو أن تكون العامل الرئيسي لنجاح شركة ناشئة. لكن في عقد الثلاثينات قد تكتفي بتربية الأطفال كهدف رئيسي. وقد تهدف في الأربعينات لإنشاء شركات أكثر أو أن تحقق أحلام شبابك في أن تكون عازف روك متجولًا. وما زلت أخطط لعقديّ الخمسينات والستينات.

والآن بعد أن قابلت كثيرًا ممن سلكوا ذلك الطريق بالفعل يمكنني القول إن الاستقلالية المالية ليست بهدف التحرر من العمل، بل هي الحرية في القيام بالعمل الذي تفضله بدون أن يكون المال عائقًا.

هذا هو ما أقصده عند الحديث عن التقاعد المبكر. هو في الحقيقة ليس تقاعدًا، ولكنه كذلك لأني لا أعتقد أن أي فرد يجب أن يتقاعد (بالمعنى التقليدي للكلمة؛ وهو إنهاء أي نشاط يدر مالًا لصالح زيادة دراماتيكية في عدد ساعات مشاهدة التليفزيون ولعب الجولف)، فتنفيذ أفكار جديدة أو إنشاء شركات جديدة أو أشياء جديدة هي أكبر متع الحياة. فتعلم أشياء أكثر عن الحياة وعن نفسك وعن العالم وبعد ذلك محاولة تطبيق مما تعلمته هو أسعد مسار يمكن أن تسلكه كإنسان. إننا محظوظون لوجود ذلك الخيار في حياتنا هذه الأيام.

بالنسبة لي قد بدأت ذلك الطريق فقط بهدف أن أكون أبًا، لكني وجدت نفسي أنشئ شركة بناء منازل لتنفيذ ما أحببته طوال عمري من بناء أشياء. بعد ذلك أدركت أن الضغط العصبي وتنظيم مشروعات كبيرة يعمل بها العديد من الناس أكبر من إمكانياتي في ذلك الوقت، فتحولت إلى محل للقيام بأعمال النجارة في مشاريع محلية. وتكرر تغير نشاطي – فبدأت مشاريع وانتهيت أخرى لكن لم يكن أي من تلك المشاريع بسبب الحاجة للمال. فهذا هو تعريفي الشخصي للتقاعد في هذا العصر – فهو الأنشطة التي تقوم بها بعد الانتهاء من رحلتك للبحث عن المال.

كمقيم قديم في المنزل أستمتع بتعلم مهارات جديدة عندما تحين الفرصة، حيث إني أكون أكثر رضا وسعادة عندما أتعلم شيئًا جديدًا بدلًا من أن أطلب من شخص القيام بتلك الأعمال حتى لو كان عندي القدرة على دفع تكلفة العامل. وبعض الأمثلة لتلك الأشياء التي سعدت للقيام بها في العقد الأول من فترة تقاعدي هي الأعمال المنزلية وقص الشعر والطبخ والعناية بالحديقة وأيضًا اللحام والسباكة وإصلاح السقف وإصلاح مكيف الهواء والتدفئة وأيضًا إصلاح السيارة والقيام بتمرينات القوة والطبلة وتأليف الموسيقى وصناعة البيرة.

وفي ذاك الوقت أيضًا قمت بإنشاء مدونة تتحدث عن هدف تقليل الاستهلاك في العالم الغني مشيرًا إلى إمكانية ألا يقلل ذلك من معانتنا في الحياة. لقد كان الموضوع تقريبًا مثل النزوة، ولم يكن ذلك ممكنًا إلا بسبب وقت الفراغ الذي نشأ نتيجة عدم وجود وظيفة. فحتى الجانب المزعج نتج عنه شيء أكثر إمتاعًا من وظيفتي الأصلية. وفي الحقيقة فهي سبب معرفتنا ببعض أيها القارئ. رغم أن بعض تلك الأنشطة قد يبدو مثل العمل لكن كلمة “تقاعد” ما زالت كلمة مناسبة لوصف تلك الحرية المتاحة، حيث إن ذلك الأمر يتطلب منك ألا تتبع كثيرًا من الأعراف الاجتماعية.

فحياتنا في المجتمع عبارة عن مجموعة من الافتراضات أو الاختيارات التي نختبرها واحدة تلو أخرى. مثلًا: هل تكون سيارة مرسيدس ML550 بمقاعد جلدية سببًا في جعل حياتك أسعد أم تويوتا كورولا ذات نقل يدوي؟ هل ستكون حياة أولادك أسعد إذا درسوا الدكتوراه في هارفارد فضلًا عن الاكتفاء ببكالوريوس من جامعة أقل؟ وفي خلال حياتنا نظل نتساءل عن ما هي الاختبارات الأسعد في الموضة ووسائل الراحة والسفر والطعام والتسوق والعناية بالأشجار. ويجيب معظمنا على تلك الأسئلة بإجابات خاطئة بصورة منتظمة.

بصورة عامة فإننا دائمًا نختار أعلى درجة من الرفاهية وأقل درجة من المجهود، ما عدا في مجال العمل – حيث الاستهلاك الأقصى من عمر 25 حتى 67 هو الاختيار الوحيد المقبول.

لو تخيلنا حالة متطرفة في السوء، قد نتصور أن بعضنا غارق في النعيم الدائم بينما يعاني الباقون في الحياة غارقين في الديون دائمي التساؤل عن سبب صعوبة الحياة. وعندما أنظر لحال الطبقة الوسطى الآن أجد أننا نقترب يومًا بعد يوم من تلك الصورة. تقوم معظم المقالات المنشورة في الجرائد عادة بإلقاء اللوم على النظام في تحجيم الطبقة المتوسطة، لكني أرى أن المشكلة هي أكبر من ذلك. المشكلة أن الطبقة المتوسطة دائمًا ما تطاردها فكرة الحصول على المزيد – الذي لا يتوقف أبدًا.

والحل هو أن نخرج من الباب الجانبي لخيمة السيرك الخانقة التي نعيش فيها ونطلب حياة أفضل ومختلفة تمامًا. فبدلًا من البحث عن أسهل حياة تستطيع تحمل تكلفتها، ابحث عن الحياة الأكثر تحديًا التي تستطيع التعامل معها بإمكانياتك وقدراتك الحالية.

فبدلًا من استخدام أقرب مصعد، ابحث عن السلم الذي يصل بك لأعلى نقطة. تخلى عن المشوار الأطول في أفخم سياسة لصالح السير المتسق في الطقس الأكثر تنوعًا. في نفس الوقت الذي تنتج فيه قيمة أكثر للعالم وزيادة عائدك، قم أيضًا بزيادة فاعليتك وقلل احتياجاتك المادية. غير من عقليتك وقلل من ارتباط بالماديات. بينما تقلل الأشياء التي تشتريها لتسعد بها نفسك سيزداد رضاك وسعادتك بالحياة.

كانت تلك هي وصفتنا للاستقلال المادي، ولماذا لن تجلس بدون القيام بأي شيء عندما تصل لتلك المرحلة. حيث إن العمل يصبح أفضل عندما تمتلك الحرية في اختيار متى وكيف تقوم به. وكلما تحسن العمل استحق زيادة المجهود المبذول فيه.
إنها قصة طويلة. وأتمنى أن يتمكن الجميع من رؤية ذلك السر المبهج.

عن الكاتب:

السيد بيتي آديني Pete Adeney المعروف باسم Mr. Money Mustache تربى في كندا وعمل لعشر سنوات في مجال البرمجيات قبل أن يتقاعد من ذلك المجال وهو في سن الثلاثين في عام 2005. هو الآن رب أسرة وله ابن وحيد يبلغ من العمر 9 أعوام. وأحد اهتماماته الجانبية هو العلاقة بين التغير المجتمعي والاستهلاك العالمي للطاقة والمصادر الطبيعية. يمكنك أن تتابع كتاباته عن الأمور المالية وطريقة الحياة مع التقاعد المبكر على mrmoneymustache.com.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد