يقلق الجميع بشأن سنوات التقاعد بعد العمل، بغض النظر عن عملهم أو تخصصهم، لذا يسعى كل فردٍ لتطبيق خطته الخاصة من أجل النجاة وضمان عيش حياةٍ كريمة في سن الوهن؛ وتطرق مارك ميلر، الكاتب المتخصص في مجال التقاعد، لهذه المسألة على صفحات صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية وأدلى ببعض نصائحه حولها.

بدأ مارك تقريره برواية قصة كليو باركر، وهي امرأةٌ مُسِنَّة كانت لديها خطةٌ بسيطة قبل التقاعد: أن تعمل بجدية حتى الستينات من عمرها بوظيفة محللة التسويق في مجال صناعة السيارات، لكنها بدأت البحث عن خطةٍ بديلة مؤخرًا.

قررت وكالة الإعلان، التي لطالما عملت كليو لصالحها في منطقة ديترويت، إنهاء مسيرتها عام 2006 وهي على مشارف عامها الخمسين، وفي العقد الذي تلاه؛ عملت كليو بموجب سلسلةٍ من العقود قصيرة المدى وفي مناصب بدوامٍ كامل، وجاءت معظم وظائفها في مجال صناعة السيارات المُتقلِّب، الذي انخفضت فيه العمالة انخفاضًا حادًا منذ الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، بحسب التقرير، وكانت آخر وظائف كليو بدوامٍ كامل في عام 2018، حين عملت مُحلِّلَة تسويق في إحدى سلاسل متاجر مُستلزمات الحيوانات الأليفة.

«ذي أتلانتك»: هكذا ستكون حياتك بعد التقاعد إذا لم تدخر الآن.. كيف تحقق ذلك؟

وأفاد التقرير أنَّ كليو أجرت مقابلات توظيف للحصول على أكثر من 30 منصبًا منذ ذلك الحين، لتجد أنَّها في الثانية والستين من عُمرها، وتُطارد وظائف أقل من مُؤهِّلاتها، وبأجرٍ أقل من الذي كانت تتقاضاه.

وتقول كليو: «عليك إقناع الناس أولًا أنك مُستعدٌ لقبول أجرٍ يُساوي أجرك في منصبك الأخير، أو أقل منه»، وتعتقد أن التمييز على أساس السن مَثَّل عائقًا أمامها أيضًا: «أشعر أنهم يرغبون عادةً في رؤية شخصٍ متحمس أصغر سنًا يطمح إلى الوظيفة، ورغم أنني أميل لأن أكون شديدة الحماسة، لكنني أكبر سنًا من أي شخص أجريت معه مقابلة عمل منذ سنوات».

وتُمثِّل قصة باركر جرس إنذارٍ لأيّ شخص يخطط لتأجيل التقاعد والعمل لأجلٍ غير مسمى، ويرى مارك أنَّ تأجيل التقاعد هو طموحٌ رائع، ولكنه ينصح بامتلاك خطةٍ بديلة.

هوس الأمريكيين بالعمل لوقتٍ أطول

ويعتقد غالبية الأمريكيين أنَّ العمل لوقتٍ أطول يُمثِّل طريقةً جيدة لزيادة الشعور بالأمن عند التقاعد، بحسب «نيويورك تايمز»؛ إذ يتوقَّع 33% من العاملين أنَّهم سيتقاعدون بين سن الـ65 والـ69 من عُمرهم، بحسب «معهد بحوث انتفاعات الموظفين»، في حين يتوقع 34% منهم أنَّهم سيتقاعدون في سن السبعين أو أكثر، أو ربما لن يتقاعدوا على الإطلاق.

واكتشفت دراسةٌ حديثة أجراها «مركز دراسات التقاعد» في كلية بوسطن أنَّ 37% من العاملين يتقاعدون أبكر مما خططوا له، بحسب التقرير، وأنَّ احتمالات النجاح تتراجع مع زيادة طموح الهدف، وكشفت الدراسة أيضًا أنَّ 21% من العاملين كانت لديهم نية العمل حتى سن الـ66 أو أكثر، ولكن 55% منهم فشلوا في تحقيق هدفهم.

وتطرَّق التقرير إلى تصريحات جيوفري سانزنباخر، مدير الأبحاث المساعد في المركز، الذي قال: «إنَّ أكثر أسباب التقاعد المُبكر غير المتوقع شيوعًا هي المشكلات الصحية وخسارة الوظيفة»، لكن سانزنباخر أوضح سريعًا أنَّ الدراسة، التي تستند على بيانات الدراسة طويلة المدى التي أجرتها جامعة ميشيغان بعنوان «الصحة والتقاعد»، تُوفِّر أسبابًا واضحة للتقاعد المبكر غير المخطط في رُبْعِ حالات الدراسة فقط.

ويعتقد سانزنباخر أنَّ الأسباب الأخرى يصعب قياسها، بحسب التقرير. ويرى أيضًا أنَّ العوامل المُؤثِّرة في هذا الصدد تشمل الأنشطة الترفيهية وقضاء الوقت مع العائلة، إلى جانب احتمالية التمييز على أساس السن، لكن جودة العمل لها أهميتها أيضًا، إذ قال سانزنباخر: «هل تكون مُتحمسًا للذهاب إلى العمل، وهل تشعر أنَّك تُحقِّق شيئًا ما؟ ربما يُؤدِّي غياب تلك المشاعر إلى إحباط كبار السن الموشكين على التقاعد أسرع مما تعتقد».

وأجرى ريتشارد دابليو جونسون، مدير برنامج سياسات التقاعد في مؤسسة «المعهد المدني»، بحثًا أثبت ارتفاع معدلات مشاركة العاملين – الذين تتجاوز أعمارهم الـ62 عامًا – في القوى العاملة خلال الربع قرن الأخير، لكن ذلك الارتفاع حدث على الأغلب في أوساط العاملين الحاصلين على تعليمٍ أفضل، بحسب التقرير.

وقال جونسون: «ارتفعت معدلات المشاركة بمقدار ثلاثة أضعاف لدى خريجي الجامعات، مُقارنةً بالمتسرِّبين من المدارس الثانوية. ويحدث هذا غالبًا لأنَّ خريجي الجامعات يميلون لأن يكونوا أصحاء أكثر؛ إذ لا يعملون عادةً في الوظائف المُدمِّرة جسديًا، ويُقدر أصحاب العمل قيمتهم».

مزايا وعيوب العمل لوقتٍ أطول

ذكر الكاتب أنَّ العمل لمدةٍ أطول يُسهِّل تأجيل المطالبة بإعانة الضمان الاجتماعي؛ مما يزيد قيمة الإعانة الشهرية بفضل أرصدة التقاعد المتأخرة، وهذا يعني أيضًا قضاء سنواتٍ أكثر في الادخار من أجل التقاعد، وتقليل سنوات الاعتماد على تلك المدخرات بعد التقاعد.

لكن الاتكال على العمل لفترةٍ أطول من أجل تحقيق خطة التقاعد هو قرارٌ محفوفٌ بالمخاطر، بحسب التقرير، حتى في أفضل أوقات سوق العمل؛ إذ بلغ مُعدَّل البطالة بين العاملين الذين تتجاوز أعمارهم الـ55 عامًا قُرابة الـ2.6% فقط في أبريل (نيسان)، وفقًا لوزارة العمل، وهي نسبةٌ أقل من مُعدِّل البطالة الإجمالي بدرجةٍ مئوية كاملة. ولكن مُعدَّل البطالة طويلة المدى يرتفع بين العاملين الأكبر سنًا، إذ لم تحصل نسبة %26.6 منهم على عملٍ منذ 27 أسبوعًا على الأقل حتى الشهر الماضي، مقارنةً بنسبة 22.2% من إجمالي العاملين.

مترجم: كيف تكافح اليابان ظاهرة الموت والانتحار بسبب الإفراط في العمل؟

ويقول مارس ميلر، المدرب المهني وأخصائي إرشاد العاملين الأكبر سنًا بخصوص التغييرات المهنية في مدينة أوستن بولاية تكساس: «نعم، مُعدَّل البطالة منخفض، لكن فرص العودة إلى السوق في حال إقالتك أصبحت أصعب من أي وقتٍ مضى».

وأضاف جونسون أنَّ الأشخاص الذين يجدون وظائف جديدة، لا يعودون إلى مستوى دخلهم السابق: «ستكون محظوظًا في حال حصلت على نصف ما كنت تتقاضاه. وهذه ضربةٌ قاسية لأيّ فئةٍ عُمرية، ولكنها أسوأ بكثير، وأنت كبير لأنك لا تملك الوقت لتعويض الخسارة. ولن يكون لديك الكثير من الوقت لتعديل خطة التقاعد قبل أن تتوقف عن العمل».

مدخراتك قد تنفد قبل التقاعد

أورد التقرير أنَّ كليو وزوجها مايك، الذي كان يعمل فنيًا متخصصًا في إصلاح المحركات الصغيرة، ولكنه فقد وظيفته أيضًا أواخر العام الماضي، كانا يأملان أن يتقاعدا مُعتمدين على مدخرات حساب التقاعد والتأمين الاجتماعي.

لكن الزوجين اضطرا إلى استخدام المدخرات في وقتٍ أبكر من المُتوقع، إلى جانب بعض المال الذي ورثته الزوجة عن أمها. وسحبت بعض الأموال من حساب التقاعد الفردي قبل أن تتجاوز الـ59 من عُمرها، لكنه حسابٌ معفيٌ من الضرائب؛ مما جنَّبها دفع غرامات السحب المُبكِّر.

وتعتقد كليو أنَّ مدخراتها ستصمد حتى تبلغ الثمانين من عُمرها، لكنها ليست واثقةً في ذلك وفقًا لما أورده التقرير. إذ تابعت: «تشعرني هذه المسألة بعدم الراحة، لذا لا أُفكِّر كثيرًا في شكل الحياة حين تنفذ تلك المُدخرات».

وتبحث كليو في الوقت الحالي عن عملٍ بدوام كامل، بحسب التقرير، وتأمل تأجيل التقدُّم للحصول على التأمين الاجتماعي حتى تبلغ سن التقاعد الكامل في الـ66. وتتوقَّع أنَّ إعانة التأمين الاجتماعي لها هي وزوجها ستوفِّر لهما دخلًا شهريًا بقيمة 4 آلاف دولار.

وأفاد التقرير أنَّ كليو تريد أن تعمل لأطول فترةٍ مُمكنة، حتى تدعم حبها للكلاب منذ نعومة أظافرها، إذ تمتلك أربعة كلاب من فصيلة بول تيرير، وتُشارك في عروض الكلاب والفعاليات التنافسية الأخرى. وتقول: «أريد إيجاد عملٍ أستمتع به، ويمنحني الوقت لأعرض كلابي».

وتعمل كليو هذه الأيام على تطوير مهنةٍ جديدة تقدم فيها مهاراتها في التسويق للأعمال التجارية المرتبطة بالكلاب. وأطلقت مدونةً عن التسويق المرتبط بالكلاب، وتأمل أن تُحقِّق دخلًا يكفي للعيش من هذا العمل، لكنها لا تتوقع أن يقترب دخلها من الرقم الذي حققته سابقًا في مسيرتها، وهو رقمٌ مُكونٌ من ست خانات.

الادخار

وأورد التقرير تجربة إليزابيث وايت، خبيرة التطوير الدولية المتخصصة في منطقة جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا، التي تقول: «إنَّ الدخل المتقطع يمكن أن يكون مدمرًا، وخاصةً بالنسبة لأموال الأسرة»، فقد كانت إليزابيث تجني 200 ألف دولار سنويًا من وظيفتها الاستشارية حين حدثت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، واختفى دخلها من الاستشارات، وانتقلت إلى الأعمال الاستشارية قصيرة المدى، وإلقاء المحاضرات، والمحاضرات الكتابية.

وتُضيف إليزابيث: «لديك فجوات كبيرة في الأجور بين المهام الاستشارية. وحين تحصل على المال، ستجد أنَّك تكون مدينٌ لوالدتك وجميع الناس. حينها ستقع في الثقب نفسه مجددًا، وتفقد المال الذي حصلت عليه».

وحظي مقالٌ كتبته إليزابيث، على منصة «نيكست آفينيو» التابعة لشبكة «بي بي إس»، باهتمامٍ واسع على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2016؛ مما مهد الطريق أمامها لتنشر كتابها الجديد «سن الـ55، والعطالة الجزئية، والتظاهر بأنَّ الأمور طبيعية»، بحسب التقرير. وشُوهِدَ حديثها حول هذا الموضوع، على منصة «تيد إكس»، أكثر من 1.5 مليون مرة.

ويبلغ عُمر إليزابيث الآن 65 عامًا، بحسب التقرير، ولكنها استنفذت سريعًا كافة مدخرات تقاعدها. وما تزال تمتلك منزلًا في واشنطن، وتدين من أجله برهنٍ عقاريٍ منخفض النسبة، وأوشكت على سداده بالكامل رغم ذلك. وأجَّلت إليزابيث التقدُّم بطلب الحصول على التأمين الاجتماعي حتى تصل لسن التقاعد الكامل في الـ66 هذا العام.

النصيحةٌ الأخيرة: الادخار قدر المستطاع

يشير التقرير إلى رأي الخبراء بأنَّ التخطيط من أجل العمل لمدة أطول أمرٌ منطقي؛ إذ يتقاعد الكثير من العاملين قبل أن يبلغوا سن التعاقد المثالي، وكشف بحث سانزنباخر أنَّ أشهر الأعمار التي خطط الناس للتقاعد فيها هي 62 عامًا و65 عامًا، وهي الأعمار التي يمتلك فيها أولئك العُمال أهلية الحصول على التأمين الصحي والاجتماعي، على التوالي.

وأضاف: «لا تصل إعانة التأمين الاجتماعي للفرد إلى الحد الأقصى عند التقاعد في سن الـ62، والمطالبة بالتأمين في ذلك العمر هي خطوةٌ مُبكرةٌ للغاية بالنسبة لمعظم الناس».

ويضيف سانزنباخر أنَّه من الضروري أيضًا إدراك احتمالات تحقيق ذلك في الموعد المستهدف، ونَصح العاملين بتقييم صحتهم بشكل حقيقي، وفقًا للتقرير، ومعرفة كيف يمكن أن تؤثِّر على خطتهم. وفسَّر ذلك، قائلًا: «فكر بشكل واقعي في صحتك حين تضع الخطة؛ إذ لن تنجح الخطة في حال كنت تخطط للعمل حتى سن 65، وأنت بالفعل تعاني من مشكلات صحية في آواخر الخمسينات».

في حين شجَّع ميلر الأشخاص، الذين يأملون في العمل حتى الستينات أو السبعينات من عمرهم، أن يُجروا تقييمًا واقعيًا لمخاطر الوظائف المستقبلية قبل الحصول عليها، وأضاف: «إذا كنت تعتقد أنك آمن؛ فأنت غير واعٍ على الأرجح، وعليك البدء في التخطيط من الآن، في حال كنت تريد العمل حتى تبلغ الستينات أو السبعينات من عمرك».

ويرى جونسون أنَّ ذلك قد لا يكفي لنجاح خطتك، والخطة البديلة هي «الادخار قدر المُستطاع أثناء عملك».

مترجم: 5 تطبيقات تساعدك على الادخار وتوفير المال بشكل أفضل

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد