نشر مركز «ستراتفور» الاستخباراتي الأمريكي للدراسات الإستراتيجية والأمنية تحليلًا حول الوضع في السودان، موضحًا أن إعادة رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك إلى موقعه السابق لن تكون كافية لتهدئة المظاهرات وإرضاء القوى المؤيدة للديمقراطية التي فقدت ثقتها بالجيش كليةً، ولن تقبل بأقل من خروجه من قيادة الفترة الانتقالية.

ويستهل المركز الأمريكي تحليله بالقول إن إعادة رئيس الوزراء المدني إلى منصبه لن تكون كافية لإرضاء حركة الاحتجاج المؤيدة للديمقراطية، والتي ستستمر في زعزعة استقرار البلد الهش بالفعل، وفي 21 نوفمبر (تشرين الثاني)، أُطلِق سراح رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك من الإقامة الجبرية ثم أُعِيد إلى منصبه بوصف ذلك جزءًا من صفقةٍ مع قائد الجيش السوداني وزعيم انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول)، الجنرال عبد الفتاح البرهان؛ وبموجب هذه الصفقة، يقود حمدوك حكومة مدنية تكنوقراطية ستستمر في تسهيل الانتقال الديمقراطي في السودان كما هو مخطط، بما في ذلك تنظيم الانتخابات قبل يوليو (تموز) 2023.

عربي

منذ أسبوع
تسوية أم جرعات مفرطة من العنف.. كيف سيتمكن البرهان من إنقاذ رأسه؟

وصرَّح حمدوك علنًا أن تعاونه مع البرهان يهدف إلى الحيلولة دون وقوع خسائر بشرية إضافية وسط الاحتجاجات المستمرة في الخرطوم وأم درمان، والتي أسفرت عن مقتل 41 مدنيًّا منذ انقلاب الشهر الماضي؛ غير أنه على الرغم من ذلك، أدان المتظاهرون المؤيدون للديمقراطية من تجمع المهنيين السودانيين هذا الاتفاق، ووصفوا رئيس الوزراء بأنه خائن وأنه قد باع القضية.

ويشير التحليل إلى أن البرهان ادَّعى في البداية أن الاتفاق مع حمدوك سيكون شاملًا غير أن قوى الحرية والتغيير – التحالف المدني الذي عقد اتفاق تقاسم السلطة مع الجيش قبل الانقلاب – لم يكن ممثلًا في الاتفاق باستثناء حمدوك، وكان حمدوك قد اعتُقل في 25 أكتوبر في إطار استيلاء عسكري على حكومة السودان المدنية والعسكرية المشتركة، التي تشكلت عام 2019 بعد الإطاحة بالرئيس السلطوي السابق عمر البشير.

على الجيش التنحي عن القيادة

يلفت التحليل إلى أن عودة حمدوك ستخفف الضغط الغربي على البرهان بعد الانقلاب، على الرغم من استمرار الاحتجاجات التي تقوض الاستقرار الداخلي في السودان، وفي بيان مشترك صدر في 21 نوفمبر، أعربت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والنرويج وسويسرا وكندا عن دعمها لإعادة حمدوك إلى منصبه ودعَت إلى إطلاق سراح أعضاء مجلس الوزراء المدنيين المتبقين الذين اعتُقلوا في أعقاب استيلاء الجيش على السلطة خلال الشهر الماضي، وهو ما تعهد البرهان بالقيام به في الأيام المقبلة.

Embed from Getty Images

من جانبهم، أعلن قادة الحركة المؤيدة للديمقراطية في السودان – قوى الحرية والتغيير وحزب المؤتمر السوداني (وهو عضو في قوى الحرية والتغيير) وتجمع المهنيين السودانيين – أنهم لن يعترفوا بأي اتفاق مع الجيش لأنه ليس لديهم تأكيدات بأن قوات الأمن لن تحاول الاستيلاء على السلطة مرةً أخرى، وزعموا أن المؤسسة العسكرية التي يقودها البرهان فقدت كل مصداقيتها منذ الانقلاب في الشهر الماضي.

ويشير اتفاق الآراء الآخذ في التبلور بين منظمي الاحتجاج إلى أن العودة إلى الوضع الراهن قبل الانقلاب لا تكفي، وأنه يتعين على الجيش أن يتنحى عن القيادة الوطنية بالكلية، غير أن البرهان لا يملك حافزًا كبيرًا للتخلي عن السلطة قبل انتخابات 2023؛ مما يضمن تقريبًا استمرار جماعات المجتمع المدني في الاحتجاج، ويأتي اتفاق 21 نوفمبر بين حمدوك والبرهان بعد أيام من اختتام وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين جولته في كينيا ونيجيريا والسنغال، والتي ناقش خلالها أزمة السودان مع عديدٍ من القادة الأفارقة ودعا إلى عودة الحكومة الائتلافية الانتقالية.

هل تقبل الجماعات المؤيدة للديمقراطية بخطط الجيش؟

يوضح التحليل أنه بالنظر إلى المستقبل، فإن السؤال الرئيس في تحديد مستقبل السودان هو ما إذا كانت الجماعات المؤيدة للديمقراطية ستقبل بأي شيء آخر أقل من التنازل الكامل من جانب السلطة العسكرية. وسيستمر البرهان في مواجهة معارضة داخلية قوية في شكل احتجاجات واسعة النطاق وسلمية نسبيًّا، حيث أظهرت مجموعات مثل تجمع المهنيين السودانيين سابقًا إصرارها خلال المظاهرات التي سبقت الإطاحة بالبشير عام 2019، بحسب التحليل.

ومع استمرار الضغط المحلي، من المرجح أن تُقدِم قوات الأمن على قمع المتظاهرين كما فعلت ردًّا على احتجاجات يوم 17 نوفمبر، مما يزيد من الخسائر في صفوف المدنيين، كما أنه من المرجح أن تكون قدرة رئيس الوزراء السوداني، الذي أُعِيد إلى موقعه مؤخرًا، على التخفيف من هذا العنف محدودة، إذ لا تزال السلطة الممنوحة لحمدوك بموجب اتفاقه الجديد مع البرهان غير مضمونة.

عربي

منذ أسبوع
مترجم: برغم عودة حمدوك.. هل يتجه السودان إلى ديكتاتورية أخرى؟

وإذا قبلت جماعات مثل تجمع المهنيين السودانيين التدابير الأساسية لإجراء الانتخابات وإنشاء مؤسسات ديمقراطية وفقًا للجدول الزمني الذي حدده الجيش، فقد يؤدي ذلك إلى تجنب الاضطرابات العنيفة؛ غير أن التصريحات العلنية الأخيرة والسلوك السابق للجماعات المؤيدة للديمقراطية تشير إلى أنه من المرجح أن يتمسكوا بمسارِهم الحالي، مما يزيد من مخاطر حدوث مزيد مما وصفه المركز بالاشتباكات الدموية والمزعزِعة للاستقرار في الشوارع.

واختتم المركز الأمريكي تحليله بالإشارة إلى أن الفضل يعود إلى تجمع المهنيين السودانيين في تنظيم عديد من المظاهرات وقيادتها، مما أدَّى في نهاية المطاف إلى سقوط البشير، وعلى الرغم من عمليات التعتيم والعرقلة من جانب قوات الأمن، لا يزال تجمع المهنيين السودانيين فعَّالًا للغاية في التظاهر ضد الحكومة العسكرية الحالية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد