مصدر هذه الترجمة مدونة قراءات

هذا الكتاب – “حروب حديثة وحروب قديمة” – المهم منذ طبعته الأولى، بذلت مؤلفته ماري كالدور جهودًا مضنية لتواكب طبعته الثالثة التي نستعرضها هنا، أحدث هبّات العنف المنظم المستمرة والرائجة في شتى أنحاء العالم. أضافت كالدور إذن تمهيدًا تناولت فيه التحديات الجديدة مع التصدي أيضًا لبعض القضايا التي أثارها نقادها ومراجعو كتابها في تذييلها للكتاب.

تستعرض في المقدمة تعريفًا أساسيًا للمفهوم، وفيها تقدم نقطة بداية واضحة:

(الحروب الحديثة تضلع فيها شبكات من الدول وفاعلون غير تابعين لدول، وأغلب العنف موجّه إلى المدنيين)، (ص vi).

في هذا تمييز بين الحروب الحديثة والحروب الأهلية، من خلال مزج الأبعاد الداخلية والخارجية والإقرار بأنه رغم أن الحروب محلية بالضرورة، فهذه النزاعات “فيها جملة من الوصلات العابرة للحدود”، (ص 2).

ثم وفي الصفحات التالية تستعرض كالدور مسألة عدم الاستقرار والافتقار إلى الأمان في حالة الدولة الضعيفة، التي خسرت احتكار العنف المكفول لجهاز الدولة، وتستعرض الانتقال نحو الاقتتال بين أمراء الحرب وميليشياتهم و / أو الشبكات الإجرامية أو حتى عصابات أعمال الشغب. قبل البدء في التحليل التفصيلي للقضايا المتصلة بـ”الحروب الحديثة”، توضح كالدور مفهوم “الحروب القديمة”، معتمدة بالأساس على كلاوسفيتز، مع إلقاء الضوء على مسألة “الحرب – warfare” كنقطة مفصلية على طريق ظهور الدول الحديثة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. النموذج الدال على الحرب الحديثة في رأي كالدور هو حرب البوسنة والهرسك. التشظي السياسي وانهيار الشيوعية في يوغسلافيا أدّى إلى صعود الحراك والحشد بناء على الهوية، ما أدى في النهاية إلى “قومية عرقية سامة” (ص 31) وطائفية، مع التصعيد حتى وقائع التطهير العرقي المروعة، التي ارتكبها فاعلون عدة متورطون في عمليات القتال على الأرض. تقول كالدور بأنه بنهاية القرن العشرين، بدأ الساسة المحليون الذين تقوضت مشروعيتهم أيضًا على يد العولمة، في التنافس على السلطة من خلال اعتماد الشوفينية والأصولية في جذب وترضية وحشد المجتمعات المحلية. الفصل الخامس مخصص لتحليل اقتصاد الحرب؛ الحروب تُحارب في شبكة معقدة من المبادلات، توفر كل شيء تقريبًا تحتاجه جميع الأطراف المتورطة في منطقة القتال، من الطعام إلى الوقود، من النقود إلى الذخيرة، وحتى الأسلحة ونظارات الشمس.

(تحويلات المغتربين والمساعدات القادمة من الخارج وتورط الحكومات الأجنبية والمساعدات الإنسانية: تشظي المشهد السياسي في الدولة له مشهد مواز مذهل هو مشهد اقتصاد الحرب، الذي من خلاله تنشط وتُستغل قنوات اقتصادية عديدة ومتباينة)، (ص ص 109 – 110).

بما أن الحروب الجديدة ترتكز الآن على عدد من الأهداف لا هدف واحد، وتستند إلى مبادئ الاستبعاد، فلابد إذن من مقاربة كوزموبوليتانية، والإحساس بوجود مجتمع إنساني أكبر، و”الالتزامات والحقوق” المشتركة، و”التسامح والتعددية الثقافية والتحضر والديمقراطية” (ص 123)، وأن يتم العمل على استرداد هذه المقاربة وتبنيها. كالدور تعرف تمام المعرفة بمنتقدي التدخل العسكري والحروب الإنسانية في كوسوفو والعراق وأفغانستان وليبيا (ص 120). كيف إذن يحدث الانتقال من معضلة، وصفها تشومسكي بأنها لا تزيد عن كونها “النزعة الإنسانية العسكرية” (تشومسكي 1999)؟ ثمة عامل مهم في تسوية النزاعات، يتمثل في إشراك الجماعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني: “المناصرون المحليون للكوزموبوليتانية” (ص 131)، لا سيما المجموعات التي تديرها سيدات. هناك فصل كامل مخصص لتحليل حربي أفغانستان والعراق، ويمثلان مزيجًا عجيبًا من الحروب الحديثة والحروب القديمة، خاصة بعد انتهاء النزاع رسميًا مع صدام حسين وبداية حركة التمرد / المقاومة. في الطبعتين السابقتين من الكتاب، التزمت كالدور بحرب البلقان كونها المثال المفضل للحروب الحديثة، لكن مع تطور الوضع في العراق وانتقاله إلى سوريا في النهاية ومع انتشار الجماعات المسلحة في المنطقة بأسرها، حتى ليبيا بل وحتى تحت الرايات السوداء للدولة الإسلامية (داعش)، تبين أن ثمة حاجة إلى الكثير من التحليل على مدار السنوات القادمة.

الفصل الأخير “الحُكم والمشروعية والأمن” تحاول فيه استعراض خريطة منظمة للخروج من الفوضى. مع معارضة نظرية هنتنجتون عن صدام الحضارات، و”الفوضى القادمة”، الفكرة التي قدمها كابلان، يبدو أن فكرة فالكس عن “الحُكم الكوزموبوليتاني” قد حانت لحظتها. رغم الصعوبات الكثيرة الكامنة في المفهوم، فعلى النقيض من أفكار هنتنجتون وكابلان، فإن فكرة فالكس يبدو أنها لا تعتنق أفكارًا حتمية النزاعات في المستقبل. أم أن العكس صحيح؟ تبدو كالدور مقتنعة تمام الاقتناع بأن الخيار الأكثر رشدًا هو تهيئة “عملاء للعنف المنظم المشروع تحت مظلة المؤسسات العابرة للحدود” (ص 198).

مفهوم الحروب الحديثة مهم للغاية بلا شك، وفي الوقت نفسه وبقدر ما، فهو ما زال ينطوي على عدد من الإشكاليات: أثار بعض النقاد قضايا مهمة يبدو أن هذه الطبعة الجديدة لا تعالجها، رغم إقرارها بوجودها.

كما أوضح العديد من الناقدين، فإن العنف الموجه إلى المدنيين كان سمة من سمات الحروب القديمة بدورها، لا سيما في سياق الاستعمار (فرجسون ووايتهيد، 1991) وفي الحربين العالميتين الأولى والثانية.

بعد الحرب العالمية الثانية بدورها، كان المدنيون بشكل شبه دائم تقريبًا في صدارة النزاعات التي تُحارب في إطار الحرب الباردة. استهدفت قوات المتمردين هنا وهناك، وتحديدًا القوات المناوئة للمتمردين، القوات النظامية والمدنيين، فشنت عمليات منظمة وكاسحة في وضح النهار، وأعمال اختطاف ليلية، وجلسات تعذيب وقتل. كانت فرق الموت مرتبطة بوضوح بالقوى السياسية المحلية، وهذه القوات نفسها انخرطت في ارتباطات متعددة تتجاوز حدود الدولة. حقيقة نزاعات الحرب الباردة انغرست في عدد من الآليات التي نراها حاليًا في مسارح الحروب المعاصرة.

متحدثة عن ضعف الدولة، تستخدم كالدور كثيرًا فئة “الدولة الفاشلة” إشارة إلى أن الدولة الضعيفة تعد مصدر تهديد بسبب اختراق الفاعلين غير التابعين لدول والشبكات الإجرامية لها. لكن الموجة الأخيرة من النزاعات (ليبيا، سوريا، أوكرانيا) شهدت انفجارًا للنزاعات الداخلية الكامنة من بعد أن طرأت مؤثرات خارجية، غذت تصعيد المظاهرات المحلية تمامًا لتتحول إلى انتفاضات مسلحة، برعاية فاعلين دوليين انحازوا لمختلف الجماعات لحماية مصالحهم في أغلب الأحيان. بالنسبة لأفغانستان والعراق، يبدو أن هذين البلدين كانا في واقع الأمر المسرح الذي اختبرت عليه الحروب الجديدة وأعمال مناوئة التمرد وبناء الدولة من فوق، لا سيما في العراق: إذ أن تهيئة شبكات قطاع خاص من المقاولين لتوفير الخدمات لكل جانب من جوانب الحياة العامة، وتنفيذ سياسة “فرق تسد” الواضحة بين السنة والشيعة والكرد، وما سُمي بالتمرد، هي كلها أمور تشكل جهدًا ثوريًا من جهاز الجيش الأمريكي للتكيف مع تحديات جديدة، وليس عودة إلى مفاهيم الحرب القديمة. حتى حملة الإغارة الجوية من خلال الاستخدام غير القانوني بشكل بيّن ومفضوح للطائرات بدون طيار، أدى إلى تدهور الظروف الأمنية، وهو ما يمكن أن نرى فيه تحولًا باتجاه مستقبل مقلق ومخيف من الاستهداف بالقتل، والحرمان من أي إطار قانوني يخدم من يوصفون بأنهم متمردون.

وفيما يخص دور المؤسسات العابرة للحدود الكوزموبوليتانية المنخرطة في إنفاذ القانون، فإن كالدور نفسها تعرف تمام المعرفة أن هناك دائمًا خطرًا كامنًا في القلب من كل مشروع عالمي النطاق.

الأشكال الأحدث من الحروب الجديدة التي نشهدها اليوم تختلف كثيرًا عن حروب البلقان وأفغانستان والعراق.

الدولة الإسلامية (داعش) على سبيل المثال، تناقض العديد من الافتراضات المصاغة إلى الآن: إنها محلية، جذورها تعود لحالة التمرد السنية في العراق، لكنها في الوقت نفسه دولية، وتجذب المقاتلين المسلحين (وهو توجه شهدناه بالفعل في الحركات الجهادية منذ الثمانينيات) من أجل القتال لصالح مشروع عالمي: هو جزئي (إنشاء دولة الأمة الإسلامية) وكلي في الوقت نفسه.

عند صدور الكتاب للمرة الأولى عام 1999، أصبحت كالدور واحدة من الدّارسات الأساسيات المتصديات لتغير طبيعة الحروب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ونهاية الحرب الباردة. الانهيار الذي حدث بعد ذلك ليوغوسلافيا وحلقات القسوة والدموية المروعة ضد المدنيين على خطوط عرقية وبمعدل لم تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، بدا أنه يمثل نموذجًا لموجة جديدة من النزاعات التي هي في طور النمو والتشكل على مستوى العالم أجمع. بعد 11 سبتمبر / أيلول والحروب التالية على الإرهاب، أصبح الكتاب ذائع الصيت. في حين أن الأطراف غير التابعة لدول كانت لها الصدارة في كل نزاع من النزاعات، فالفاعلون من الدول بدورهم ما زالوا مهمين: تخصيص القوات المسلحة والمتعاقدين / المقاولين أصبحت ظاهرة هي بمثابة جزء لا يتجزأ من آلة حرب الدولة، والحدود بين الدولة والفاعلين غير التابعين للدولة يزداد غياب الوضوح عنها باستمرار. يمكن النظر إلى طبعات الكتاب اللاحقة (1999، 2007، 2012) كجهد لمحاولة تعقب هذه التغيرات مع حدوثها:

موجة النزاعات التي بدأت في بداية القرن الحادي والعشرين لم تكف، إنما مضت في انعطافات غير متوقعة، ويبدو أنها تتطور باستمرار.

كالدور تعي بصعوبات تعريف ما يحدث للحروب، وتلمح إلى العديد من المراجعات الانتقادية ضد حججها في مختلف الطبعات. أهمية وقوة هذا الكتاب تكمن فيما يلي: ما زال هناك نقطة جيدة يمكن البدء من عندها في التفكير في تطور الحروب وتداعياتها وتداعيات تطوراتها على النطاق العالمي.

الكتاب: Kaldor, Mary. 2012New and Old Wars. Organized Violence in a Global Era

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

علامات

عسكري, كتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد