في العام 1877، كتب الروائيّ الفرنسي العظيم فكتور هوغو يقول “من الممكن مقاومة الجيوش الغازية، أما غزو الأفكار فيستحيل مقاومته”. وفي الوقت الراهن، يتعين علينا وضع قوة الأفكار، خيرها وشرها، في الحسبان، وخاصة عندما نفكر في الإسلام الراديكالي. لقد مثلت الهجمات الإرهابية التي وقعت أخيرًا في كل من الكويت وفرنسا وتونس أحدث تذكير لأهمية فهم أن هناك أفكارا خطيرة، وليس مجرد مجرمون غاضبون.

لا تمثل جماعات العنف الجهادية الإسلامية أي خطر وجودي على أوروبا أو أميركا الشمالية. ربما يكونون قادرين على تنفيذ هجمات مميتة بين فينة وأخرى، ولكنه ليس بوسعهم تدمير المجتمعات الغربية أو السيطرة عليها. ولم تؤدِّ المحاولات المذعورة بغزو دول إسلامية وسحق هذا التهديد إلا إلى نتائج عكسية، وخدمت فقط زيادة شعبية الإسلام المتشدد.

يرفض معظم المسلمين النسخة المتشددة من الإسلام، إلا أن الكثيرين، إن لم تكن الأكثرية، تتعاطف مع فكرة مقاومة الإملاءات الغربية والعودة بالإيمان إلى أيام قوته ومجده. وسيكون من الخطأ التأكيد على أن أقلية صغيرة من المسلمين هي من تدعم أفعال المتشددين أو أن الفصائل المتشددة قد استولت على دين لا يمثلونه بالمطلق، فالمتشددون الإسلاميون يتمتعون بدعم كافٍ يجعل منهم خطرًا حقيقيًا في جزئهم من العالم. ومن المهم فهم كيف حدث ذلك.

ظهر علم التوحيد الراديكالي المتحفظ تقريبًا منذ وفاة النبي محمد في العام 632 ميلادية، إلا أنه جرى مواجهة ذلك بصورة متكررة من قبل علماء مسلمين متسامحين ومعتدلين. ومثلما هو الحال مع الكتب المقدسة في المسيحية واليهودية، فإن القرآن الكريم مفتوح لتفسيرات مختلفة، سواءً كانت متحررة للغاية أو شديدة التحفظ.

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، اعتقد العديد من المفكرين الإسلاميين، وأشهرهم جمال الدين الأفغاني، أن اعتناق العديد من القيم الغربية خلال حقبة التنوير هو السبيل الوحيد للترويج للتقدم. وقد كتب الأفغاني وغيره من العلماء قائلين إن رفض الإسلام العلم والتقدم الغربي هو تفسير خاطئ للقرآن.

ولكن، ومع مضي القرن العشرين، خسر الإصلاحيون المسلمون نفوذهم لصالح القوميين العلمانيين الذين شددوا على أن الاشتراكية هي السبيل إلى الحداثة. إلا أن وعد العلمانية ثبُت أنه أجوف، مع دول مثل مصر وليبيا والعراق تغرق في الاستبداد والفساد. وقد وفر هذا أرضًا خصبة للنسخة العنيفة من الإسلام المناوئة للغرب.

تلك الأفكار لها العديد من الجذور الفكرية. ولكن ربما يكون أهمها هو ما كتب العالم المصري سيد قطب. فإلى جانب أصوليين آخرين مثل الفيلسوف الباكستاني أبو العلاء المودودي، قال كتب إن الإسلام الحقيقي جرى تحريفه وإفساده بأفكار خارجية. فقط عند العودة إلى طريق السلف، فإن قرنين من الإذلال على أيدي الغرب، والأهم من ذلك، القضاء على إسرائيل، سينحاز الله إلى المسلمين في مواجهة أعدائهم، الذين نعتهم قطب “بالصليبيين واليهود”.

لقد سعت الدكتاتوريات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى قمع المحافظين الإسلاميين. لكن السعودية، معقل المحافظين، استخدمت النفط لمواجهة النزعة العلمانية وأي نوع من الإسلام الإصلاحي، وقامت بتمويل بعثات لأصوليين ومساجد يسيطر عليها محافظون حول العالم. كان قد جرى إعدام قطب من قبل الدكتاتور جمال عبد الناصر في العام 1966 كجزء من محاولة وحشية وفاشلة للقضاء على الإخوان المسلمين.

في الواقع، لم تؤدِّ حملات القمع إلا لتقوية شوكة الإسلاميين المتشددين، الذين ساعدهم إيمانهم على النجاة من القمع. وقد أدى ذلك أيضًا إلى إقناع الشباب المسلم المهمش بأن التشدد هو الحل الوحيد الممكن لمواجهة ضعف المجتمع وغياب العدالة.

إن مواجهة الأفكار بوسائل عسكرية مآله الفشل حتمًا. فعندما ترسل القوى الغربية جنودًا إلى الدول الإسلامية، بحجة القضاء على الإسلاميين، أو إسقاط الدكتاتوريات الوحشية، أو لتوفير دعم أعمى للسياسات الإسرائيلية، فإنها تؤكد مزاعم المتشددين، ما يدفع إلى حشد المزيد منهم.

إن ميدان المعركة الحقيقي هو الأفكار. فبدلًا من ردود الأفعال العسكرية المذعورة، ما نحتاج إليه هو التبادل الثقافي. ثمة العديد من المفكرين في المجتمعات الإسلامية الذين يرغبون بإحياء نداء الإصلاح القاضي باعتناق بعض الأفكار الغربية المستنيرة، مثل قيمة العلم، وأهمية التسامح الليبرالي، والحاجة إلى حوار حر ومفتوح. ويتعين على المفكرين الغربيين الذين يفهمون الإسلام ويتحدثون العديد من اللغات الخاصة بالمسلمين دعم تلك الحركات الفكرية.

ربما يصف جناح الصقور في الغرب تلك الخطوات بالضعيفة. ولكن رغم أنها لن تقدم الكثير على المدى القصير، فمن المؤكد أنها ستُثبت أهميتها الكبيرة على المدى الطويل. في نهاية المطاف، فإن القوة التي أسقطت الشيوعية في أوروبا، التي هي أيديولوجيا أشد خطرًا بكثير من الإسلام الراديكالي، لم تكن ببساطة الاحتواء العسكري، ولكن أيضًا قوة الأفكار والمبادئ.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد