يمتلك الحرس الثوري الإيراني يدًا قوية يزداد بطشها كل يوم، ولكن ربما يمنعها ذلك من أن تصبح حارسًا على الدولة الإيرانية.

نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالًا لـعلي رضا إشراقي، باحث زائر في مركز دراسات الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية بجامعة نورث كارولينا، وأمير حسين مهدوي، طالب دكتوراة في العلوم السياسية بجامعة كونيتيكت، حول الحرس الثوري الإيراني والدور المتعاظم الذي يلعبه في إيران، وهل هذه المنظمة مؤهلة لحكم البلاد.

منطقة الشرق

منذ 10 شهور
«ف. بوليسي»: «استعدوا لأحداث كبرى».. ما مصير الحرس الثوري الإيراني بعد خامنئي؟

يستهل الكاتبان مقالهما بالإشارة إلى مقولة جديدة منتشرة في إيران، مفادها أن «السلطة تُنتزع من الرأس ليتولَّاها القدم، أي من رجال الدين الذين يرتدون العمامات إلى الرجال الذين يرتدون البيادات العسكرية».

والبرلمان الإيراني أحدث دليل على ذلك، فرئيسه، محمد باقر قاليباف، عميد سابق في الحرس الثوري الإسلامي، وثلثا أعضاء الهيئة المشرفة على البرلمان إما أعضاء سابقون، أو لا يزالون منتمين إلى الحرس الثوري الإيراني ومنظماته. ولطالما توقع كثيرون في إيران والولايات المتحدة استيلاء الحرس الثوري على الحكومة الإيرانية. وستكون الخطوة التالية انتخاب مرشح تابع للحرس الثوري الإيراني رئيسًا في عام 2021.

نتيجة ليست حتمية ولكن

وأشار الكاتبان إلى أن إيران دولة منقسمة إلى معسكرين سياسيين رئيسين (المحافظون والإصلاحيون)، وتدير المؤسسات المنتخبة (التي يسيطر عليها المحافظون) شؤون الدولة في ظل قوة منصب المرشد الأعلى الذي تخضع له المنظمات الأمنية، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني. ويكافح الإصلاحيون لأكثر من عقدين داخل المؤسسة السياسية الإيرانية لتعزيز قوة المؤسسات المنتخبة ضد سلطة الدولة الموازية (الحرس الثوري). والآن يرفع الإصلاحيون الراية البيضاء ويقرون بفشل مشروعهم، ويستعدون لهزيمة المؤسسات المنتخبة على أيدي قادة الدولة الموازية الذين سيستولون عليها لتعزيز سلطتهم.

Embed from Getty Images

ويرى كاتبا المقال أن حقيقة أن إيران ستشهد قريبًا حكومة يديرها الجيش ليست نتيجة حتمية ولكنها النتيجة الأكثر ترجيحًا. والإيرانيون محبطون من التوترات الحزبية والأزمات المتفاقمة. واستنزفت العقوبات الأمريكية اقتصاد البلاد. وأدَّى كبرياء الإيرانيين المجروح واستياؤهم من عدم الوصول إلى المكانة الدولية اللائقة إلى ظهور شكل جديد من القومية.

وقد أقر الرئيس حسن روحاني، بعد أن عجز عن الوفاء بوعوده داخليًّا وخارجيًّا، بالهزيمة، حسبما تشير إدارته الأخيرة لجائحة فيروس كورونا. وبالمقارنة يمتلك الحرس الثوري الإيراني يدًا قوية يزداد بطشها كل يوم، ولكن ربما يمنعها ذلك من أن تصبح حارسًا على الدولة الإيرانية.

الحرس الثوري كعلاج لداء إيران القومي

ولفت الكاتبان إلى أن الحرس الثوري الإيراني أصبح محور الاهتمام الوطني والدولي ابتداءً من أواخر التسعينات، بعدما تولى الإصلاحيون السياسيون مقاليد الحكومة الإيرانية المنتخبة. وبدأت إحدى وسائل الإعلام الإصلاحية الذائعة الصيت في انتقاد الحرس الثوري الإيراني.

وردًا على ذلك بدأ الحرس الثوري في رسم صورة مبالغ فيها عن نفسه. ويقدِّم الحرس الثوري نفسه كعلاج لداء إيران القومي، وهو في الواقع جزء كبير من المشكلة؛ إذ توسَّع في الاقتصاد السري في ظل العقوبات الأمريكية، وطفح الكيل بظهور نخبة فاسدة جديدة من «رواد الأعمال المهربين»، بحسب التقرير. ويمنع الحرس الثوري الحكومة من تجنيد الخبراء الذين يَعدُّهم غير لائقين سياسيًّا، كما يتلاعب بالسياسات والمشاريع الحكومية كما يشاء. وطوال الوقت يلقي بالمسؤولية على السياسيين والبيروقراطيين.

واعتاد الحرس الثوري تشويه سمعة منافسيه، مثل أعضاء إدارة روحاني، حيث يصفهم بانتظام بأنهم «غير أكفاء». وعلى مدار العقد الماضي، استثمر الحرس الثوري الإيراني في صناعة تاريخ مُنقَّح عنه من خلال الأفلام الوثائقية والروائية لجذب جماهير الشباب الذين لم يعاصروا ثورة 1979 وما بعدها. ويؤكد على رواية مفادها أن الحرس الثوري حمى الشعب وحارب من أجل الوطن بينما كانت النخب السياسية تتقاتل لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية.

الحرس الثوري الإيراني ينشر الخوف وينشد الحب

وأضاف الكاتبان أن الحرس الثوري يقدِّم نفسه على أنه حامي حمى إيران والقوة التي هزمت تنظيم داعش ومنعت الأجانب و«عملائهم» من اختراق البلاد وتخريبها. ويفتخر أيضًا بخبرته التكنولوجية: فشلت حكومة روحاني أربع مرات في إطلاق قمر صناعي، بينما نجح الحرس الثوري في إطلاق قمر صناعي عسكري من أول محاولة.

وحتى في الأعمال الخيرية، يروِّج الحرس الثوري لدوره باعتباره منقذًا للبلاد خلال الجائحة. أما «معسكراته الجهادية» فتنخرط في أنشطة بناء المجتمع لمساعدة المحتاجين. وتشكك منظمات المجتمع المدني المستقلة في جدوى هذه التدخلات، لكن أذرعه الإعلامية الفعَّالة تروج له جيدًا.

Embed from Getty Images

بيد أن إضفاء الطابع الإنساني على الحرس الثوري الإيراني لا يشفع له باعتباره مصدرًا عنيفًا للقمع – بحسب التقرير – كما حدث في استعراضه للقوة خلال احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، وحملته على الإيرانيين الفقراء أثناء مظاهرات العام الماضي التي كانت لها عواقب وخيمة. والغريب أن الحرس الثوري الإيراني يرغب في نشر الخوف وكسب الحب في آنٍ واحد.

ويرى الكاتبان أن هدف الحرس الثوري هو أقلمة النخب الاقتصادية والثقافية على وجوده والشعور بالراحة عند اختيار عناصره. ويمكن المبالغة في دوره الاقتصادي، إذ أصبح الحرس الثوري أحد أكبر المقاولين العامين في البلاد في مشاريع البناء. ويعمل قسم كبير من البرجوازية العلمانية الإيرانية إما بصورة مباشرة أو بصفتهم مقاولين من الباطن مع هذا التنظيم العسكري، مع أن النخب الثقافية كانت ترى قبل عقد واحد فقط أن العمل في مشاريع الحرس الثوري ضرب من المحرمات.

الخوف لا يستمر دائمًا

يتمتع الحرس الثوري الإيراني بعديد من المزايا في التنافس على السلطة في الجمهورية الإسلامية، لكنه أشبه بكتلة صلبة لا تتمتع بالتنوع في مكوناتها. وعلى الرغم من الحصة الاقتصادية الكبيرة التي يمتلكها الآن، لا يزال الفرع التنفيذي في إيران يحكم الاقتصاد في جميع المجالات الحيوية.

فالحكومة تضع السياسة المالية والنقدية، وتتحكم في موارد النفط والغاز، وتدير خزينة الدولة، وتهيمن على الرعاية الاجتماعية والمساعدات الإنسانية التي يعتمد عليها الحرس الثوري الإيراني لبناء شبكات المحسوبية الخاصة به. لكن الحرس الثوري الإيراني منقسم داخليًّا وأقل انضباطًا مما يُفترض. وكثرة وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري تعكس هذه الاختلافات. وعندما يتعلق الأمر بإقناع الجمهور، لا تفلح المساعدات ولا القبضة الوحشية في كسب الاحترام. ويواصل الحرس تهديد المعارضين وقمع المعارضة، لكن الخوف لا يستمر دائمًا. 

وفي أبريل (نيسان) ادَّعى القائد العام للحرس الثوري الإيراني أن المجموعة اخترعت جهازًا يمكنه اكتشاف فيروس كورونا المُستجد من مسافة 328 قدمًا، فاجتاحت موجة عفوية من السخرية منصات وسائل الإعلام. ووصفت جمعية الفيزياء الإيرانية هذا الادَّعاء بأنه من «قصص الخيال العلمي».

قوة الحرس في ضعف خصومه 

وألمح الكاتبان إلى أن القوة السياسية الأكبر للحرس الثوري الإيراني ربما تتمثل في ضعف خصومه. فروحاني فاز بالانتخابات في عامي 2013 و2017 على وعد بإعادة الأمل للشعب الإيراني. وتنتهي الآن فترة ولايته وسط خيبة أمل واسعة النطاق؛ ما أدى إلى اندلاع احتجاجات على مستوى البلاد في عامي 2018 و2019، وسحقها الحرس الثوري الإيراني، واتُّهمت حكومة روحاني بمساعدة قوات الأمن بفاعلية أو بغض الطرف. وهذا الأمر جعل الإدارة تفتقر الآن إلى المصداقية لتعبئة قاعدتها الاجتماعية ضد الحرس الثوري الإيراني في صناديق الاقتراع أو في الشوارع.

Embed from Getty Images

والسؤال الأكثر تعقيدًا الآن هو ما إذا كان الحرس الثوري الإيراني يرغب حقًا في إدارة الحكومة. إن الموارد السياسية والاقتصادية التي تحت تصرف الحكومة مغرية بالتأكيد، لكن التجربة أظهرت أن من يتولى السلطة التنفيذية، بغض النظر عن انتمائه السياسي، من المرجح أن يصبح شوكة في حلق الحرس الثوري الإيراني – حتى الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي جاء بدعمهم، سرعان ما أصبح مارقًا في نظرهم.

هل يعود المتشددون للسلطة؟

وأفاد الكاتبان أن الحرس الثوري الإيراني يمكن أن يتمتع بأفضل ما في العالَمَيْن؛ المدني والعسكري، بصفته منظمة شبه حكومية؛ إذ يمكن أن يبقى بعيدًا عن شؤون الحكم ويتدخل عندما يريد فقط. أما إذا أدارت المنظمة شؤون البلاد، فستضطر إلى إجراء تعديلات وتنازلات مستمرة قد تضر بسمعتها الثورية. 

سياسة

منذ سنتين
«ستراتفور»: ربما لإرضاء أوروبا.. لماذا يسعى روحاني إلى إضعاف شوكة الحرس الثوري؟

ويختتم الكاتبان مقالهما قائلَيْن: إنه يجب على الحكومة خدمة المواطنين، في وقت يقدم الحرس الثوري الإيراني فيه خدماته على أنها نوع من التفضل والمجاملة. ومن ثم يعني تولي السلطة التنفيذية مقايضة المجاملة العارضة بالمسؤولية الدائمة. وتنذر الانتخابات الرئاسية الإيرانية القادمة بعودة المتشددين إلى السلطة.

لكن عام 2021 لن يمثل نهاية السياسة في إيران، لكنه سيضيف فصلًا جديدًا لكتاب لم يُكتب فيه فصل النهاية. والصراع بين النخب السياسية الإيرانية موجود منذ تأسيس الجمهورية وسيستمر في إنتاج فرص للتغيير، وربما يتوق الحرس الثوري الإيراني إلى السيطرة، لكنه لن يكون سعيدًا بالنتيجة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد