نشرت مجلة «هيستوري إكسترا» تقريرًا عن الثورات التي قامت حول العالم، وكيف كان مصيرها، وأجاب التقرير عن السؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان فيما يخص مصير الثورات المحتوم، وهل حقيقة أن الفشل هو المصير الذي كُتِبَ على الثورات، مستعينًا بآراء ستة من دارسي التاريخ والمؤرخين.

وجاء في بداية التقرير: بعد نهاية الحكم الشيوعي في أوروبا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفيتي، ارتأى بعض المراقبين أن الثورات لا تحقق أهدافها حقيقةً. ولكن كيف نحكم على النتائج الطويلة المدى لهذا المسعى، وهل كان أيٌّ منها ناجحًا حقًّا؟ فيما يلي ستة مؤرخين يتحدثون عن إرث الثورات والانتفاضات الكبرى التي جرت في العالم.

1- تشارلز تاونسند

يقول الأستاذ الفخري للتاريخ الدولي في جامعة «كيلي» إن المقصود من الثورة فِعْل أشياء كثيرة ربما باستثناء معناها الحرفي؛ العودة الكاملة للحالة السابقة. وفي العالم الحديث، كانت الثورة تعني التغيير الذي عادةً ما يكون دراماتيكيًّا ويُستعان بالعنف من أجل تسريع وتيرته. وحدثت الثورات من أجل الاستيلاء المباغت على السلطة، إلا أنها استُخدمت أيضًا لإحداث تغييرات كبرى مثل التصنيع والتطور التكنولوجي.

علوم الثورة

منذ سنة واحدة
«ذي أتلانتك»: مقارنة بعصر الثورة الفرنسية.. هل دخلت أمريكا في حالة ثورة؟

ويوضح التقرير أن الاختلاف في المعنى له علاقة مباشرة في نجاح الثورات أو فشلها. ففي «ثورات القصر» التي يستولي فيها جنرال على السلطة من يد جنرال آخر، حُلَّت المشكلة بعد اشتباك عسكري قصير. ولكن مثل هذه الثورات تُحدِث القليل من التغيير. أما الثورات التي سَعَت إلى تغيير مجتمعات بأكملها مثل الثورة الفرنسية الكبرى، والانتفاضة الروسية والصينية، فكان لها آثار معقدة وبعيدة المدى وربما متناقضة.

ولهذا السبب، قد يكون من الصعب معايرة النجاح والفشل. فهل فشلت الثورة الفرنسية؟ هذا بالتأكيد ما اعتقده بيتهوفن عندما حذف الجزء الذي كرَّسه لنابليون بونابرت في سيمفونية إيروكا، لكن بونابرت كان ابن الثورة، وكانت ديكتاتوريته بعيدةً كل البعد عن حكم آل بوربون. وبعد الثورة، استُمِدَّت القوة من الشعب وليس من الله، وأُنشئت الديمقراطية في البلاد. ومع أن عديدًا من الفرنسيين اليوم يَعدُّون الثورة كارثةً ملطخة بالدماء، فإنهم لا يزالون متمسكين بـ«القيم الجمهورية» التي رسَّختها.

Embed from Getty Images

وقبل قرنٍ مضى من الزمان، وعدت الثورة الأيرلندية ليس بتحرير أيرلندا من الحكم البريطاني فحسب، بل بإعادة تشكيلها لتكون مجتمعًا غيليًّا (نِسبة إلى اللغة الغيلية) جديدًا. وكان لهذا ثمن كبير تمثَّل في تقسيم البلاد وحصر الاستقلال في 26 مقاطعة أيرلندية من أصل 32، وحلم إحياء اللغة الغيلية لم يتحقق أبدًا؛ ولذا فإن الفشل أمر نسبي، وقد لا تفشل الثورات بالكامل لكن معظمها ينتهي بخيبة أمل.

2- إيفان مودسلي

أما أستاذ التاريخ الدولي في جامعة «جلاسكو» سابقًا فيقول: ربما تبدو الثورة الروسية حالة فشل كلاسيكية؛ إذ أُطيح بالحكم المستبد للإمبراطور نيكولاس الثاني في فبراير (شباط) 1917، لتحل محلَّه «ديكتاتورية البروليتاريا» للينين في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، ثم الحكم الإرهابي الأسوأ لستالين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. وصُوِّرت هذه الأحداث في رواية جورج أورويل «مزرعة الحيوان» التي تنتهي بتحول الخنازير الثورية إلى بشر واستعادة النظام القديم لـ«مزرعة مانور».

في الحقيقة، يمكن للثورات أن تنجح أو تفشل بطرق مختلفة. فقد فشلت ثورة 1905 السابقة؛ لأن القيصر قدم تنازلات لليبراليين؛ ولأن قوى النظام بقيت على حالها. بينما فشلت الثورة الروسية في فبراير عام 1917 في غضون ثمانية أشهر لأن السياسيين الوسطيين (الدوما) الذين أطاحوا بالقيصر لم يلبوا المطالب الاقتصادية التي طالب بها الشعب خاصةً الإصلاح الزراعي.

ومن المؤكد أن ثورة أكتوبر 1917 الروسية لم تفشل، على الأقل سياسيًّا، إذ إن المجموعة الراديكالية التي أوجدتها الثورة ظلت في السلطة حتى عام 1991. وتجنب البلاشفة (والشيوعيون لاحقًا) الفشل على المدى القصير من خلال معالجة قضايا الجوع والإنهاك من الحرب. وتعاملوا بلا رحمة مع قوى الثورة المضادة والفوضى في الحرب الأهلية اللاحقة.

وتفشل الثورات أحيانًا بسبب تعرضها لهجوم من أعداء الثورة من خارج حدود بلادها. واستفادت روسيا «السوفيتية» الثورية من الحرب العالمية الأولى وتداعياتها، مما جعل التدخل الأجنبي غير عملي. أما ثورة لينين فقد كانت ثورة فاشلة على الأقل على الصعيد «الأممي»؛ إذ لم تستطع إطلاق انتفاضات مماثلة في بلدان أخرى. ولم ينشئ الشيوعيون نظامًا سياسيًّا قائمًا على المساواة حقًا، لكنهم حققوا حِراكًا اجتماعيًّا صاعدًا وملحوظًا وتعليمًا جماهيريًّا. وحقيقة أن كل هذا قد حدث في ظل قمع وحشي من جانب ستالين لا يجعله بالضرورة أقل ثورية.

3- ماريسا لينتون

وينقل التقرير عن أستاذة التاريخ في جامعة «كينجستون»، التي ترى أن التاريخ مليء بتمردات لم ترقَ لأن تصبح ثورات؛ إذ سُحِق معظمها بلا رحمة تحت أقدام المجموعة الحاكمة. إذن ما المطلوب كي يصبح التمرد ثورة؟ إذا ظلَّت المجموعة الحاكمة موحَّدة وحاسمة، واحتفظت قبل كل شيء بسيطرتها على الجيش، فمن المستبعد أن تنجح الثورة الداخلية دون تدخل أجنبي.

Embed from Getty Images

وتوضح الثورة الفرنسية عام 1789 ما الذي يمكن أن يحدث عندما تفشل الدولة على نحو كارثي. ومهَّدت الأزمة المالية وانهيار النظام القديم الطريقَ لأكبر ثورة مدمرة شهدها العالم حتى الآن. وأصبحت الحرية والمساواة إلى جانب كلمة الأخوة كلمة السر للثورة. ولكن كيف انهارت هذه المثالية في غضون أربع سنوات لتتحول إلى حرب أهلية وإرهاب؟

لم يكن هذا السيناريو حتميًّا، ولكن ازداد احتماليةً بعد إحجام الملك عن التعاون مع النظام القديم. وأدَّت محاولة الملك للفرار خارج فرنسا والقرار الطائش من الثوَّار بتصدير الثورة إلى الخارج إلى تقويض الملكية الدستورية على نحوٍ قاتلٍ؛ الأمر الذي أدَّى إلى تجديد الثورة والإرهاب الذي سَخِر من الأهداف الإنسانية للثوار.

والثورات تجارب قاهرة لمَن عايشها، بمن فيهم قادتها. وبحلول عام 1795، كان عديد من القادة في فرنسا ميِّتين أو منفيِّين أو منهكين. وكما كتب أحد القادة: «لقد عشنا ستَّة قرونٍ في ستِّ سنوات». والثورات بطبيعتها مزعزعة للنظام السياسي، فعندما اختار الثوَّار الحرب، جازفوا بأن تصبح الثورة تحت سيطرة قادة الجيش. وفي نهاية المطاف، دُمِّرت الثورة على يد جنرال انتهازي (نابليون بونابرت) استغل الفرصة ليصبح ديكتاتورًا عسكريًّا.

4- مايكل آي ماكودنيل

يقول أستاذ التاريخ في جامعة «سيدني»: غالبًا ما يُنظر إلى الثورة الأمريكية على أنها مثال للثورة الناجحة؛ إذ تحوَّلت حركة مقاومة الاستعمار ضد الضرائب الإمبريالية إلى حرب ناجحة من أجل الاستقلال، وأسفرت عن إنشاء الاتحاد الفيدرالي وتأسيس دولة.

لكننا بحاجة إلى التفكير مليًّا في تعريفنا للنجاح. إن قلة من الوطنيين الذين احتجُّوا على قانون الطوابع عام 1765 تصوروا الاستقلال؛ إذ كانوا من البريطانيين الفخورين في ذلك الوقت. كما دفعت القوات الكبيرة التي أدَّت إلى هذا الانفصال إلى بقاء كثيرين موالِين للإمبراطورية البريطانية. وقلة منهم يتذكرون الثورة على أنها حرب أهلية، لكن القتال بين المستعمرين في جميع أنحاء الولايات المتحدة كان متفشيًا وهرب حوالي 70 ألف شخص من المستعمرين والعبيد أثناء الصراع.

واعتنق عديد من الأمريكيين المستَعبدين الخطاب الوطني الذي أعلى قيمة الحرية على الاستبداد، ولكنهم أصيبوا بخيبة أمل عندما لم تشمل التسوية الثورية الإلغاء الكامل للرق مع أنهم قاتلوا إلى جانب أسيادهم ضد المستعمر البريطاني. بينما قاتل الآلاف من العبيد الآخرين من أجل بريطانيا أو فرُّوا إلى حدودها هربًا إلى أماكن وجدوا فيها القليل من الحرية مثل أستراليا. وقاتلَ الأمريكيون الأصليون من أجل استقلالهم ضد الآباء المؤسسين. وكان دستور عام 1789 فقط هو الذي أعطى الولايات المتحدة الجديدة القوة للتغلب على الدول القومية التي كانت لا تزال قوية على حدودها.

Embed from Getty Images

وأخيرًا، أصيب كثيرون من الوطنيين بخيبة أمل من نتائج الثورة. فغالبًا ما هُزم الراديكاليون على يد القوى المحافظة في الولايات الفردية عندما شُكِّلت حكومات جديدة. ومع أن الدستور الفيدرالي غالبًا ما يُنظر إليه على أنه ثورة في السياسة والتفكير السياسي، إلا أن صانعيه عمدوا إلى كبح الميول الديمقراطية لحكومات الولايات باسم الاستقرار.

ولا يزال الأمريكيون يتصارعون مع إرث الثورة الغامض في تقلبات الهيئة الانتخابية، وجدل الدولة مقابل الحقوق الفيدرالية وعدم المساواة.

5- روبرت بيكرز

ويرى أستاذ التاريخ بجامعة «بريستول» أن ثورة الصين عام 1911 بدأت بمسرحية هزلية وانتهت بمأساة. وبدأت عندما فجَّر صانع سجائر وقنابل نفسه ورفاقه ليتحوَّلوا إلى أشلاء صغيرة، وانتهت عندما أُغتيل أول رجلٍ منتخبٍ ديمقراطيًّا لمنصب رئيس الوزراء على يد جهاز المخابرات في محطة للسكة الحديد في شنجهاي.

وأطلق القصفُ العنانَ للغضب الذي دام لمدة 20 عامًا، والذي شهد ذبح الآلاف مع تقدم الانتفاضة عبر إمبراطورية تشينج المترامية الأطراف، والتي تحكمها سلالة مانشو. ومثل عديد من الثورات، انتهت هذه الثورة بحل وسط غير مستقر، تنازل حكام المانشو عن العرش وأصبح يوان شيكاي، الذي كان رئيسًا لجيش تشينج، رئيسًا للجمهورية الجديدة. وأُنقذت الصين من الفناء، وضمت الجمهورية الجديدة جميع الأراضي التي حكمها المانشو، باستثناء التبت ومنغوليا.

الربيع العربي

منذ 8 شهور
مترجم: هكذا تُقتل الثورات.. كيف خَمَد الربيع العربي في مصر؟

ولكن يوان لم يكن جمهوريًّا، ففي الأعوام بين 1912 و1913، اختار الناخبون هيئة انتخابية اختارت بدورها جمعية وطنية جديدة، وكانت هذه المرة الأولى التي تُعقد فيها انتخابات حرة ديمقراطية على الأراضي الصينية. وفاز الثوَّار بالانتخابات، ولكن في مارس (آذار) 1913 أُغتيل رئيس وزرائهم المكلف، ما أشعل شرارة ثورة ثانية ضد يوان شيكاي، إلا أن الثوار هُزموا وفشلت الثورة وأعقبتها سنوات عجاف من التفكك السياسي والفتن دامت لأربعين عامًا.

وبذلك، انتصر الحفاظ على وحدة أراضي الصين على تطلعات شعبها. لكن الثورة غير المكتملة أدَّت إلى منعطف أكثر قتامة؛ إذ بدا للكثيرين أن ثقافة الصين نفسها، وليس يوان أو التأثيرات الأجنبية، هي التي أعاقت كل أمل في التقدم. ولإزالة هذا العائق، كانت كل الثورات التي اندلعت أثناء حكم ماو تسي تونج تهدف إلى تدمير كل بقايا النظام القديم، وعقود من العذاب تلَت ذلك.

6- تشارلز فورسك

ويختم التقرير مع أستاذ اللغة الفرنسية في جامعة «ليفربول» الذي يقول: على الرغم من وصف الثورة الهايتية بأنها «ثورة العبيد الناجحة الوحيدة في التاريخ»، إلا أنها مرتبطة أيضًا بحتمية الفشل الثوري.

Embed from Getty Images

كانت الثورة الهايتية في الواقع ناجحةً جدًّا، حيث اعتمدت ثروة لؤلؤ «جزر الأنتيل» على نظام وحشي للعبودية كان يُنكر حرية العبيد وإنسانيتهم. ومثَّلت هذه الثورة امتدادًا لروح الثورة الفرنسية عام 1789، إلا أنها كانت تتويجًا لروح مقاومة العبودية في جميع أنحاء مقاطعات الأطلسي. وتحت قيادة توسان لوفرتير، تحولت ثورة المستعبدين إلى حركة ثورية منظمة هزمت القوات الفرنسية والبريطانية والإسبانية، وقدمت تحررًا عالميًّا من العبودية، وتحررًا من فرنسا الاستعمارية.

إلا أن الثورة نفسها بذرت في أعقابها بذور فشلها، والتي كان من أهمها القرارات المتعلقة بالنظم المطلوبة لتحل محل عبودية المزارع. وأعقب الاستقلال حرب أهلية مرتبطة بالحكومة؛ إذ سَعَت قوى عالمية إلى عزل تأثير ثورة هايتي عن طريق الديون المعيقة التي فرضتها فرنسا مقابل الاعتراف بالاستقلال عام 1825.

وعلى الرغم من محاولات إسكاتها، فإن تأثير الثورة ظل واضحًا في إلغاء العبودية والثورات المناهضة للعبودية والراديكالية السياسية طوال القرن التاسع عشر.

وترتبط حدود الثورة الهايتية في المقام الأول بفشلها في الدفاع عن المكاسب المحققة. إلا أنها لا زالت تُلهم الحركات السياسية حتى اليوم؛ الأمر الذي يشير إلى أن الثورة الهايتية لا تزال غير مكتملة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد