أعادت مجلة «ناشيونال إنترست» نَشْر تقرير عن ريتشارد جاتلينج مخترع البندقية الأكثر رعبًا على مستوى العالم، ونُشر التقرير للمرة الأولى على موقع «Warfare History Network».

يُعرِّف التقرير في البداية بجاتلينج، الذي ولِد في مقاطعة هرتفورد بولاية كارولاينا الشمالية، في 12 من ديسمبر (كانون الأول) عام 1818، وكان والده مزارعًا ومخترعًا، وصاحب أعمال ناجحة، وقُدِّر للابن أن يرثَ «الشغف بالاختراع» عن أبيه.

ويستطرد التقرير: «بعد وفاة ثلاث من شقيقاته في سن صغيرة بسبب المرض، قرر ريتشارد جاتلينج أن يدرس الطب، وتخرج في كلية الطب بمدينة سينسيناتي بولاية أوهايو في عام 1850، وانتقل إلى إنديانابوليس في العام نفسه، وخلال عام 1854 تزوج ابنة طبيب ذائع الصيت. ولا توجد أدلة على أن ريتشارد جاتلينج مارس الطب على الإطلاق بعد تخرجه من الكلية، لكن كان يُشار إليه دائمًا بالطبيب».

يقول التقرير إن جاتلينج ولِد مخترعًا. ففي الفترة ما بين عامي 1857 و1860، حصل على براءة اختراع المحراث البخاري، والمحراث الدوراني، وآلة زرع البذور «بذَّارة»، وآلة صناعة الألواح الخشبية، وغيرها.

وفي يوم من الأيام خلال العام 1861، حين كان عُمر الحرب الأهلية الأمريكية أشهرًا قليلة، وكان شغف الاختراع للطبيب جاتلينج على موعد مع صدمةٍ ستحول تفكيره من اختراع آلات للسلم، إلى آلات للحرب.

إذا كان قادرًا على ابتكار آلة يمكن أن تزرع البذور بسرعة وبدقة وفي صفوف منمقة، فيجب أن يكون قادرًا على ابتكار بندقية آلية تطلق الرصاص مثل إطلاق الماء.

من نافذة مكتبه في إنديانابوليس، شاهد جاتلينج في رعب كيف كان الجنود الجرحى والمصابون ينزلون من القطار، وهم ضحايا ميادين القتل في الجنوب. كان الطبيب يدرك أن الصراع يدور بطريقة نابليون. إذ يواجه الرجال بعضهم بعضًا في صفوف متراصة، يرفعون أسلحتهم ويطلقون النار ويعيدون تعمير أسلحتهم بالذخيرة لمعاودة الكرّة، وحين توجه إليهم الأوامر كانوا يندفعون بتهور نحو مدافع العدو المزمجرة.

لعدة ليالٍ لم يذق ريتشارد جاتلينج طعم النوم. وسيطرت فكرة محددة على عقله، هي: ماذا لو استطاع عدد قليل من الجنود مضاعفة قوتهم النارية حتى تصبح بقوة 100 رجل؟ لن تستطيع القوات الصمود وإطلاق النار بعضها على بعض. وسيكون إلصاق تهمة الهروب بالجنود مستحيلة، وإلا فإن القوة المهاجمة سوف يحصدها الرصاص بسهولة.

استنتج جاتلينج أنه إذا كان قادرًا على ابتكار آلة يمكن أن تزرع البذور بسرعة وبدقة وفي صفوف منمقة، فيجب أن يكون قادرًا على ابتكار بندقية آلية تطلق الرصاص مثل إطلاق الماء من خرطوم حديقة.

دولي

منذ سنة واحدة
مترجم: قد يكون الأخطر لديها.. تعرف إلى هذا السلاح الذي تطوره البحرية الأمريكية

اختراع بندقية جاتلينج

في غضون أسابيع قليلة، أكمل الطبيب الرسومات لسلاحه المبتكر «بندقية جاتلينج»، وأخذ الرسومات إلى مختص في الماكينات لتصنيعها.

ويشير التقرير إلى أن أول إصدار من «بندقية جاتلينج» كان مكونًا من ست أسطوانات، بدون دبشك (الأخمص)، مصفوفة بترتيب حول قضيب مركزي. ولكل أسطوانة مزلاج خاص بها، ويمكن جعل مجموعة الأسطوانات تدور من خلال تشغيل ذراع التدوير.

كانت المزاليج مغطاة بغطاء نحاسي في مؤخرة البندقية. وكانت الخراطيش تُعَبَّأ بقادوس، وبينما تبدأ مجموعة الأسطوانات في الدوران، تطلق كل أسطوانة على حدة، عند أدنى نقطة، ثم تُعَبَّأ عندما يكمِل المدفع دورانه حول المحور.

Embed from Getty Images

يُرَكَّب المدفع على عربة مزودة بعجلات، ويحتاج إلى رجلين لتشغيله، أحدهما لرؤية الهدف وتحويل ذراع التدوير، والآخر لتعبئة الذخيرة. وانتهى جاتلينج من نموذج عملي في غضون ستة أشهر، ونُظِّم عرض عام عبر منطقة «Graveyard Pond» في إنديانابوليس. وكان من الممكن سماع صوت إطلاق النار السريع والمفاجئ لمسافة خمسة أميال. وبمعدل 200 طلقة في الدقيقة، نجحت الرصاصات في شطر شجرة قطرها 10 بوصات إلى نصفين في أقل من 30 ثانية.

ويتابع التقرير: حصل جاتلينج على براءة اختراع لبندقيته في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1862، لكنه واجه صعوبة في بيعها إلى الجيش؛ لأن الجنرال جيمس وولف ريبلي، الذي كان مسؤولًا عن المعدات الحربية في ذلك الوقت، لم يكن معجبًا بالسلاح، وعلّق قائلًا: «يمكنك أن تقتل رجلًا ببندقية ذات تجويف أملس مثلما تقتله بهذا المدفع».

غير أن ذلك لم يوهن عزم جاتلينج، وأخذ مخططاته إلى شركة تصنيع في سينسيناتي. وصمم 12 مدفعًا من طراز جاتلينج، وباع عددًا قليلًا منها إلى الجنرال بنيامين بتلر، مقابل ألف دولار لكل منها. استخدم بتلر مدافع جاتلينج في وقت لاحق؛ للدفاع عن جسر ضد سلاح الفرسان في القوات الكونفدرالية، على نهر جيمس.

في التجارب المبكرة لمدفع جاتلينج، عده الجيش مكملًا للمدفعية. وقارنت الاختبارات التي أجريت بين مدى المدفع الرشاش ودقته، مع مدى القذائف التي أطلقتها قطع المدفعية ودقتها.

استمر ريتشارد جاتلينج في تعديل السلاح وتطويره، وفي عام 1865 حصل على براءة اختراع لنموذج كان قادرًا على إطلاق 350 طلقة في الدقيقة. وأجرى عرضًا عمليًّا للسلاح في مونرو فورتريس. وفي هذه المرة أعجبت إدارة الذخائر بالمدفع وطلبت مائة منه. واعتمد الجيش الأمريكي مدفع جاتلينج رسميًّا في 24 أغسطس (آب) 1866. وصنعته شركة كوبر آرمز أول مرة في فيلادلفيا، ثم صنعته شركة كولت آرمز في هارتفورد، بولاية كونيتيكيت.

بيع السلاح في أوروبا والخارج

وأشار التقرير إلى أن الدكتور جاتلينج تجول في كل أنحاء أوروبا لبيع سلاحه، فيما كان يصمم نماذج جديدة من السلاح باستمرار. واشترى البريطانيون مجموعة متنوعة من المدافع ذات المواسير القصيرة لتثبيتها على ظهور الإبل. كما استخدم الجيش الأمريكي، وخاصة البحرية الأمريكية، أيضًا ما عرف باسم «مدفع الإبل».

وعندما انتقل المستوطنون غربًا بعد الحرب الأهلية الأمريكية، كانت حاميات الجيش في الحصون على طول الحدود مدافع جاتلينج. وأُلحقت مدافع جاتلينج أيضًا بمهام سلاح الفرسان. كما رافقت مفرزة جاتلينج بقيادة الليفتنانت جيمس دبليو بوب، حملة الجنرال نيلسون أيه. مايلز في غرب تكساس.

Embed from Getty Images

وفي 30 أغسطس، عندما دخل فريق متقدم من كشافة الجيش في مسار يمضي بين جرفين كبيرين، هبط حوالي ثلاثمائة من الهنود من على المنحدرات. عند انطلاق صوت إطلاق النار، سارع بوب بإحضار بنادق جاتلينج. وبعثرت النار السريعة المهلكة المقاتلين المهاجمين، وفروا في ارتباك.

خلال العام نفسه، صدرت أوامر لكتيبة من سلاح الفرسان الثامن، بقيادة الميجور ويليام ر. برايس، بقمع الانتفاضة التي قامت بها عدة قبائل هندية، بما في ذلك قبائل أراباهو، وشايان، وكومانشي، وكايوا. وكان برايس قادرًا على صد العديد من الهجمات المفاجئة التي شنَّتها عصابات معادية عبر استخدام مدفع جاتلينج.

ولكن في المعركة الأكثر شهرة في الحروب الهندية، كان جاتلينج غائبًا بشكل غريب.

ففي 22 يونيو (حزيران) 1876، خرج الميجور جنرال جورج أرمسترونج كاستر وفرسان الفوج السابع من معسكرهم في «باودر ريفر» وتوجهوا إلى نهر «ليتل بيج هورن». وعرض على كاستر ثلاثة مدافع جاتلينج، لكنه رفضها. لأنه ربما شعر أن مدافع جاتلينج – المثبتة على عربات تجرها الخيول – سوف تبطئ قوات الفرسان التابعة له في منطقة تضاريس وعرة.

واعتقد كاستر أيضًا أن استخدام مثل هذا السلاح المدمر سيؤدي إلى «إراقة ماء وجهه» مع الهنود. وسواء كانت مدافع جاتلينج ستنقذ كاستر ورجاله، الذين كان يبلغ عددهم مائتي فرد، من عدمه، فهو أمر موضع شك. وتشير بعض الروايات إلى أن عمود الهنود الذين تراجعوا بعد المعركة بلغ طوله ثلاثة أميال وعرضه نصف ميل.

وخلال السنوات القليلة التالية، شارك مدفع جاتلينج في عدد من المعارك، بما في ذلك مع قبيلة «نيز بيرس» من الهنود. خاض المحاربون تحت قيادة زعيمهم جوزيف 13 معركة ضد الجيش الأمريكي، وكان الكثير منها مواجهات.

أخيرًا، في 30 سبتمبر (أيلول) 1877، في جبال «بير باو بمونتانا»، هاجم الجنرال نيلسون مايلز، مع 600 جندي ومدفع جاتلينج، معسكر الزعيم جوزيف. بعد أربعة أيام من القتال المرير، لم يعد بإمكان الزعيم جوزيف الصمود. وبينما كان يسلم بندقيته إلى مايلز، قال الزعيم الهندي الشجاع: «قلبي مريض وحزين. من هذه اللحظة، لن أحارب أكثر، وإلى الأبد».

مدفع جاتلينج في أفريقيا

وتابع التقرير: في أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت مدافع جاتلينج أكثر شهرة، واستُخدمت في العديد من الحروب التي اندلعت خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر.

وكانت حرب عام 1879 بين إنجلترا وقبائل الزولو الأفريقية أول حرب برية كبرى، أثبت فيها مدفع جاتلينج أنه عامل حاسم. إذ هزم جيش بريطاني صغير، بقيادة اللورد تشيلمسفورد، قوة الزولو الأكبر تحت حكم الملك سيتيوايو. وفي إحدى المواجهات، حصد مدفع جاتلينج واحد أكثر من 400 من رجال القبائل في بضع دقائق فقط.

Embed from Getty Images

بعد حملته المنتصرة، كتب اللورد تشيلمسفورد: «يجب اعتبارها (مدافع جاتلينج) أساس أسلحة المشاة. ويمكن استخدامها بفعالية، ليس في الدفاع فحسب، ولكن أيضًا في تغطية المرحلة الأخيرة من هجوم المشاة على موقع، حيث يجب أن يتوقف الجنود عن إطلاق النار ويهاجمون بحربة البندقية».

في السنة التي توفي فيها جاتلينج في عام 1903، وصل المدفع الرشاش الآلي إلى المشهد. كان يعمل بإطلاق غازات خراطيشه المطلقة، وكان استخدامه أكثر بساطة وأكثر اقتصادًا من المدافع التي يجري تشغيلها يدويًّا. في عام 1911، أعلن الجيش الأمريكي أن مدفع جاتلينج عفا عليه الزمن.

في الختام أشار التقرير إلى أن تراث ريتشارد جاتلينج لم يمت معه. ففي سبتمبر من عام 1956، كشفت شركة «جنرال إلكتريك» عن مدفعها الجوي ذي الأسطوانات الست الذي يحمل اسم «فولكان».

على مدار سنوات، أجرت شركة جنرال إلكتريك دراسة مفصلة عن كل مدفع سريع الطلقات، ووجد مهندسوها أن براءات الاختراع الخاصة بالدكتور جاتلينج قدمت أفضل طريقة لتطوير القوة النارية اللازمة للطائرات المقاتلة النفاثة السريعة. وتستخدم مدافع فولكان أيضًا في طائرات الهليكوبتر الهجومية والطائرات الحربية.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 7 شهور
«ناشيونال إنترست»: هذه الدبابة القديمة كانت سلاح إسرائيل السري لكسب الحروب

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد