نشرت مجلة بوليتيكو الأمريكية مقالًا للمدعي الاتحادي السابق والمحلل القانوني للمجلة ريناتو ماريوتي تناول فيه الأسلوب الأمثل لتمكين وزارة العدل من محاسبة الرئيس السابق دونالد ترامب على نحو قانوني بعيدًا عن السياسة بعد أن يغادر البيت الأبيض، رغم محاولاته البائسة لإنكار هزيمته وتعطيل الإعلان عن الفوز الصريح لغريمه الرئيس المنتخب الجديد جو بايدن.

هل يتحول ترامب من رئيس إلى متهم بين عشية وضحاها؟

يقول الكاتب: في العشرين من شهر يناير (كانون الثاني)، عام 2021، لن يكون دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة. وفي وقت لاحق من ذلك العام، ربما يصبح أول رئيس سابق يواجه لائحة اتهام جنائية. ويقال إن ترامب قلق بشأن الاعتقال، وحق له أن يقلق فعلًا.

ولدى الرئيس المنتخب جو بايدن أيضًا ما يدعو للقلق: ونعني بذلك كيفية التعامل مع سوء سلوك الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية.

ويرى الكاتب أن هذا الأمر كان سيشكّل معضلة لخليفة ترامب. فبعد حكم رئيس يسعى لخدمة مصالحه فقط جهرًا مثل ترامب، أصبحت الأمة في حاجة إلى أن ترى أنه لا يوجد أمريكي فوق القانون، وأن هناك عواقب سوف تترتب على أي شخص يحقق الثراء لنفسه على حساب الأمة أو يسيء استخدام سلطته، حتى لو كان الرئيس السابق للبلاد.

لكن أي محاكمة لترامب، مهما كانت عادلة ونزيهة، ستثير انتقادات أنصار ترامب في دولة منقسمة بالفعل. حتى المراقبين غير الحزبيين لديهم ما يدعو للقلق من مشهد إدارة الرئيس الجديد الذي يحاكم الرئيس الذي ترك منصبه للتو. إذ من الضروري لأي ديمقراطية مستقرة ألا يستخدم القادة المنتخبون سلطاتهم الجديدة لمعاقبة خصومهم بعد أن خسروا، خاصة وأن أي رئيس لم يفعلها من قبل.

لذلك يحتاج بايدن إلى السعي لتحقيق العدالة عندما يتعلق الأمر بترامب – لكنه يحتاج أيضًا إلى التأكد من أن أي قرارات تتعلق بمقاضاة ترامب يجب اتخاذها بطريقة تستعيد ثقة الجمهور في وزارة العدل، بدلاً من جعلها تبدو ، كما فعل ترامب، مثل ذراع سياسي آخر للبيت الأبيض.

ضوابط المحاكمة العادلة

يضيف الكاتب أن بايدن وعد بالابتعاد عن أي قرار للادعاء، لكن ذلك لن يكون كافيًا. فقد ظل الرئيس السابق باراك أوباما بعيدًا عن التحقيق مع هيلاري كلينتون في أعقاب اتهامها باستخدام خادم بريد إلكتروني خاص، لكن هذا لم يوقف التكهنات التي انتشرت بشأن دور المدعي العام آنذاك لوريتا لينش في التحقيق.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ومع ذلك، سيكون لدى بايدن أداة واحدة تسمح له بالسعي لتحقيق العدالة مع ضمان ألا تبدو العملية ملوثة بالسياسة أيضًا. وهذه الأداة هي المستشار الخاص – ونعني به النائب العام الذي لا يعينه بايدن، ولكن يعينه المدعي العام الذي يتمتع بقدر من الاستقلال عن الإدارة. ويجب أن يكون المستشار الخاص نائبًا (مدعيًا) عامًا لا علاقة له ببايدن أو فريقه، وينبغي على المدعي العام أن يعلن سلفًا أنه لا ينوي فرض أي قيود على المستشار الخاص وسوف يتبع توصياته.

وعلى عكس التحقيق الأخير الذي أجراه المستشار الخاص السابق روبرت مولر، (في عهد ترامب) يجب الإعلان عن نطاق سلطة المستشار الخاص في بداية التحقيق بطريقة تكشف (المكنون) قدر الإمكان دون انتهاك قواعد السرية الخاصة بهيئة المحلفين الكبرى. ولا ينبغي أن يكون هناك تساؤل أو جدل حول نطاق سلطة المستشار الخاص، كما حدث في تحقيق مولر.

ومع أن تعيين المستشارين الخاصين عادة ما يحدث بسبب وجود تضارب في المصالح، مثل التحقيق مع الرئيس الذي عين المدعي العام، إلا أن اللوائح تنص على أنه يمكن تعيين مستشار خاص بسبب «ظروف استثنائية أخرى». ومن المؤكد أن التحقيق والمحاكمة المحتملة لأحدث رئيس سابق يعتبر ظرفًا استثنائيًا.

وبالطبع، من المستحيل اتخاذ قرار بشأن محاكمة ترامب بطريقة لن ينتقدها ترامب وحلفاؤه، باستثناء العفو عنه أو الصفح عنه (التغاضي عما اقترف) تمامًا. لكن تعيين مستشار خاص ينزع السلطة من الأشخاص المعينين من جانب بايدن ويضعها في يد شخص غير حزبي وغير مرتبط بالإدارة. وهذا هو أفضل تحرك للبلاد، وأفضل نتيجة واقعية يمكن أن يتوقعها الجمهوريون.

ويرى الكاتب أن التحقيقات الجنائية الفيدرالية غالبًا ما تستغرق وقتًا طويلاً للانتهاء منها. لكن ترامب يقدم حالة خاصة لأن بعض سلوكياته خلال تحقيق مولر استدعت بالفعل التحقيق فيها وتوثيقها من جانب فريق مولر. ويمكن لأي مدّعٍ عام مراجعة عمل الفريق وتحديد ما إذا كان سيقاضي ترامب لعرقلته سير العدالة.

عرقلة سير العدالة دأب الرئيس السابق

يشير كاتب المقال، الذي شغل منصب المدعي الاتحادي السابق، إلى أنه في شهر مايو (أيار) عام 2019، كان واحدًا من بين أكثر من ألف مدعٍ اتحادي سابق وقعوا رسالة تنص على أن ترامب كان سيتهم بعرقلة سير العدالة إذا لم يكن رئيسًا. ولا يمكن أن يكون هناك أي شك جدي حول وجود أدلة كافية لتوجيه الاتهام إلى ترامب بعرقلة العدالة، ومن ثم فإن ترك منصبه لا يعفيه من المساءلة.

لكن بالنسبة للمدعي العام، ليس هذا هو الاعتبار الوحيد. إذ يجب على المستشار الخاص أيضًا أن يقرر، وفقًا لسياسة وزارة العدل، ما إذا كانت هناك «مصلحة اتحادية جوهرية» في الملاحقة القضائية وما إذا كانت الأدلة كافية ليس فقط لتوجيه الاتهام إلى ترامب ولكن أيضًا «للحصول على إدانة والحفاظ عليها».

ويضيف الكاتب أعتقد أن هناك مصلحة في ردع المسؤولين الاتحاديين المستقبليين الذين ربما يسيئون استخدام مناصبهم لكبح التحقيقات معهم أو مع أصدقائهم. وأعتقد أيضًا أن هناك أدلة كافية لإدانة ترامب، ولكن يجب على المستشار الخاص اتخاذ هذا القرار، مع الأخذ في الاعتبار القضايا القانونية الجديدة المحتملة التي تقدمها أول محاكمة على الإطلاق لرئيس سابق لسلوكه بصفته رئيسًا للبلاد وكذلك التحدي المتمثل في إجراء محاكمة أمام هيئة محلفين ربما تضم أنصارًا لترامب.

ملاحقة ترامب ليست نهاية المطاف

يلفت الكاتب إلى أن هناك بالتأكيد أمورًا أخرى يجب على المستشار الخاص أخذها في الاعتبار. إذ وجّه ترامب العديد من الموظفين الاتحاديين لخرق قانون هاتش، (نسبة إلى السناتور كارل هاتش من نيو مكسيكو)، الذي يمنع الموظفين الاتحاديين باستثناء الرئيس ونائب الرئيس وبعض المسؤولين رفيعي المستوى، من الانخراط في النشاط السياسي أثناء أدائهم لواجبهم، وجادل البعض بأن من الممكن محاكمته جنائيًّا لارتكابه هذا الفعل. ولن يكون من الصعب إثبات أن ترامب أجبر الموظفين الاتحاديين على الانخراط في النشاط السياسي، نظرًا لأنه عقد تجمعات سياسية في البيت الأبيض، وكان على بعض موظفي الحكومة تسهيل تلك الأحداث. لكن أمر المرؤوس بانتهاك قانون هاتش لا يستوجب مقاضاته جنائيًا، ويمكن الاحتجاج بأن الرئيس لا ينبغي أن يخضع لمعايير أعلى من التي يخضع لها الآخرون. ويمكن للمستشار الخاص أيضًا أن ينظر في هذه المسألة ويتخذ قرارًا غير سياسي.

ويرى الكاتب أن المستشار الخاص يمكنه أيضًا النظر في محاولة ترامب الضغط على أوكرانيا للتحقيق مع نجل بايدن من خلال حجب المساعدة العسكرية عنها، وهي المحاولة التي كانت محل اتهام لعزل ترامب. وقد أوضحت في مكان آخر لماذا لا يتناسب هذا السلوك المنحرف (الفاسد) مع قوانين الرشوة والابتزاز الاتحادية، التي صيغت من دون وضع الانتهاكات الرئاسية للسلطة في الاعتبار. وأظن أن مستشارًا خاصًا سيصل إلى نفس النتيجة، ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك، فلن يستغرق الأمر وقتًا طويلاً للتحقيق في هذه المسألة، إذا أخذنا في الاعتبار العمل الذي قام به مجلس النواب بالفعل.

سجل ترامب الضريبي محل تساؤل

تشير المجلة إلى أن التحقيق في بعض الأمور يستغرق وقتًا. ومنذ أن ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن ترامب دفع 750 دولارًا باعتبارها ضرائب في عامه الأول في البيت الأبيض ولم يدفع أي ضرائب على الدخل على الإطلاق خلال 10 سنوات من الـ 15 سنة الماضية، كان هناك دعوات لإجراء تحقيق اتحادي لتحديد ما إذا كان ترامب شارك في تهرب ضريبي أم لا. ولا تُعد المعلومات العامة المتعلقة بضرائب ترامب كافية لإثبات ما إذا كان ارتكب جريمة، لأن تجنب دفع الضرائب ليس جريمة في حد ذاته. لكن هذا بالتأكيد أمر جدير بالنظر فيه. ونظرًا لوجود تدقيق ومراجعة لضرائب ترامب، وكون المدعين الاتحاديين يستطيعون الحصول بسهولة على إقراراته الضريبية، يمكن للمستشار الخاص أن يحدد على وجه السرعة ما إذا كانت هناك أدلة كافية لتبرير إجراء مزيد من التحقيق.

وبغض النظر عن القرارات التي يتخذها المستشار الخاص، سوف يتعلم الديمقراطيون أنه حتى في ظل إدارة بايدن، هناك حدود لما يمكن لنظام العدالة الجنائية فعله أو ينبغي فعله. ومن الواضح أن بعض الإجراءات غير المقبولة التي اتخذتها إدارة ترامب، مثل فصل الأطفال عن والديهم، لا تتناسب مع الأركان الأربعة للقانون الجنائي الاتحادي.

ولا يعني هذا أنه لا ينبغي فحص انتهاكات إدارة ترامب عن كثب. إذ يستحق الشعب أن يعرف ما فعلته حكومته باسمه وبأمواله الضريبية، ويجب على بايدن النظر في إنشاء لجنة لإجراء تحقيق غير جنائي للنظر في الأمور التي يحجم المستشار الخاص عن ملاحقتها قضائيًا، ونشر تقرير يوضح بالتفصيل ما حدث ويقدم توصيات للإصلاح.

ويختم الكاتب قائلًا إن الرئيس المنتخب بايدن فاز في الانتخابات بسبب وعده بلم شمل الأمريكيين. وتتمثل إحدى الطرق المهمة للقيام بذلك في تعزيز إيماننا بمؤسساتنا ومساعدتنا على المضي قدمًا مع التأكيد على أنه لا أحد فوق القانون. وهناك طريقة بالطبع لتحقيق كلا الهدفين.

دولي

منذ 4 أسابيع
«الإندبندنت»: لماذا لن يستطيع ترامب التلاعب بنتائج الانتخابات الرئاسية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد