قبل عقد تقريبًا من اندلاع حرب الأيام الستة 1967 تساءل طالب مدرسة ثانوية ساذج عما يمكن أن تفعله إسرائيل بملايين العرب الذين يعيشون في المناطق التي تريد إسرائيل ضمها. ومثلما لم يكن لدى مناحيم بيجن – رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك – أي إجابة حينها، يؤكد الدكتور أرنون ديجاني – من معهد بن جوريو – أن خلفاءه السياسيين أيضًا لا يمتلكون إجابة على هذا السؤال حتى اليوم.

وفي مستهل مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرنوت» انتقد ديجاني الحكومات الإسرائيلية اليمينية بسبب تكاسلها عن إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وأضاف: «عندما يغوص مؤرخ في أرشيف يمكنه العثور على الكثير من المستندات المضجرة والمملة».

هذه الوثائق لم يكتبها أي شخص مشهور، ولا تحتوي على أي تفاصيل أو معلومات لم تكن متاحة بسهولة، ولم تبدأ بها أي سلسلة من الأحداث الضخمة والهامة، لكن في بعض الأحيان عندما يتكشّف التاريخ نجد أن ما يسمى بالوثائق غير المهمة يمكن أن تحكي قصة مثيرة للاهتمام حول واقعنا، بالأمس واليوم.

ويضيف المقال: أرسل الطالب في المدرسة الثانوية إسحاق جرونوالد إحدى هذه الرسائل إلى سكرتير حركة «حيروت» – سلف حزب «الليكود» اليوم. في عام 1959 كان جرونوالد مراهقًا مولعًا بالسياسة اليمينية. على ما يبدو كان يحب أن يجادل مع زملائه في الصف حول الخطوات التي ينبغي أن تتخذها إسرائيل، ولكن خلال هذه المجادلات كان هناك دائمًا سؤال لا يستطيع الإجابة عليه، لذلك سأل زعيم حركة حيروت مناحيم بيجن.

وتابع ديجاني: «يجب على المرء أن يتذكر أن هذا كان في عام 1959، عندما لم تكن حدود بلدنا ذات الأحد عشر عامًا تشمل الأراضي المحتلة. ومع ذلك فإن حركة حيروت لم تتخلّ عن تطلعاتها لإسرائيل الكبرى، أو حتى احتلال الأراضي الواقعة وراء نهر الأردن. وهنا تكمن مشكلة جرونوالد: «إن المناطق التي نريد احتلالها هي موطن لأشخاص لا يمكننا أن نأمل في أن نجعلهم مواطنين إسرائيليين.. أم يمكننا؟ أريد أن أعرف ماذا سنفعل مع الملايين الذين يسكنون هذه الأراضي؟» طلب جرونوالد إجابة شاملة، لكن كل الرد الذي تلقاه كان من متحدث باسم حيروت أرسل إليه خطابًا مطبوعًا مسبقًا من بيجن، الرجل الذي سيمضي قُدُمًا ليصبح أول رئيس وزراء لليكود في إسرائيل.

الرسالة المرسلة إلى إسحق جرونوالد من حيروت 

 في الحقيقة كان الخطاب الذي تلقاه جرونوالد سيقدم كمنبر سياسي لحيروت في الانتخابات المقبلة، ونص تحديدًا على حق إسرائيل في توسيع حدودها. ومع ذلك كان في أفضل تقدير غامضًا بشأن التفاصيل العملية، مثل ما يجب فعله مع الأشخاص الذين عاشوا سلفًا على هذه الأراضي الجاذبة للمطامع، وفقًا لديجاني.

ويردف المقال: إذا قرأ المرء الوثيقة عن كثب، سيجد أن بيجن قد ألمح إلى إمكانية السلام مع العالم العربي بأسره ومنح الجنسية لأولئك الذين يعيشون على الأرض التي سعت إسرائيل إلى امتلاكها. وفي جزء آخر من الخطاب يدعي بيجن أيضًا أن حكومته ستعمل جاهدة من أجل إقامة علاقة أفضل مع السكان العرب في إسرائيل أكثر من حزب ماباي (عمال أرض إسرائيل) المتقدم.

 ومع ذلك فعندما انتخِبَ رئيسًا للوزراء في عام 1977، وكانت إسرائيل تسيطر بالفعل على الضفة الغربية وقطاع غزة، أيد بيجن خيار منح حقوق المواطنة للفلسطينيين كجزء من خطة الحكم الذاتي للضفة الغربية. ويبدو أن تلك الخطة قد تلاشت خلال فترة ولايته رئيسًا للوزراء.

 وطرح الكاتب بعض الملاحظات التي أثارت انتباهه حول خطاب حيروت:

 أولًا، من المثير للاهتمام رؤية أنه على الرغم من أن اليمين يحب أن يؤكد على أن ازدراء الفلسطينيين لإسرائيل ليس له علاقة باحتلال عام 1967، فإن الرسالة تُظهر أن عدم الرغبة في التسوية هو جزء لا يتجزأ من الصهيونية بمعزل عن العناد الفلسطيني. واليوم، يمثل هذا الجانب الراسخ من الصهيونية غالبية الصهاينة الأكثر صخبًا. 

نقطة أخرى يراها الكاتب جديرة بالملاحظة هي أن جرونوالد لم يثر نقطة المواطنة اعتباطًا. بل كان يعلم أنه لا يمكن لأي خير أن يأتي من وصف سكان بأكملهم بأنهم «رعايا»، ومنحهم حقوقًا أقل، وحرمانهم من أية حرية حقيقية. 

 علاوة على ذلك، في حين أنه ليس من المستغرب أن تكون فكرة المساواة والمواطنة لجميع الناس تحت سيادتها مبدأً توجيهيًا في رؤية بيجن لإسرائيل الكبرى، فإن كل رؤية يملكها الجناح اليميني اليوم، بداية من الاستيلاء على المنطقة «ج» إلى «تشجيع الهجرة»، تترك للفلسطينيين خيارين: العيش كرعايا أو كلاجئين.

وختم ديجاني المقال قائلًا: «على هذا النحو، وبالنظر إلى هذين الخيارين، ليس من المستغرب أن غالبية الفلسطينيين يفضلون المقاومة. وبعد مرور 60 عامًا على كتابة جرونوالد لرسالته، لم تُحَلّ بعد مشكلة اليمين التي كشفها المراهق بسذاجة، على الرغم من قوته وشعبيته».

«العراقيب».. حكاية القرية الفلسطينية التي رفضت أن تموت 160 مرة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد