نشرت مجلة «فورين أفيرز» تحليلًا مُطَوَّلًا عن صعود ما تسميه «الفساد الاستراتيجي»، تشرح فيه كيف تُحَوِّل بعض الدول الكبرى «الكسب غير المشروع» والاستغلال غير الأخلاقي للسلطة السياسية من أجل تحقيق مكاسب شخصية إلى سلاحٍ تبرزه على المسرح العالمي.

والكسب غير المشروع ليس ظاهرة جديدة على العالم، بل قد يكون ثاني أقدم مهنة في التاريخ. فلطالما تلقَّى الأشخاص الأقوياء، والحاشية المحيطة بهم، الرشاوى، وتبنُّوا نظامًا يحصلون بموجبه على المال – أو يدفعونه – مقابل تقديم الخدمات أو تخصيص الامتيازات – أو الحصول عليها – وارتكبوا العديد من الممارسات الفاسدة الأخرى؛ من أجل إثراء أنفسهم والاستحواذ على امتيازات ليست من حقهم.

هذا النوع من الفساد لطالما كان يشكل تهديدًا لسيادة القانون، ووقف عائقًا في طريق حماية الحقوق المدنية والاقتصادية الأساسية، حسبما يخلُص معدو التحليل الأربعة: فيليب زيليكو، وإريك إديلمان، وكريستوفر هاريسون، وسيليست وارد جفنتر.

دولي

منذ 3 أسابيع
«ناشيونال إنترست»: عكس ما يبدو.. كيف تساعد إدارة ترامب الصين؟

كل هذا ليس بجديد، إنما الجديد الذي تطرحه المجلة في عددها الصادر بتاريخ يوليو (تموز) / أغسطس (آب)، هو: تحويل الفساد إلى أداة للاستراتيجية الوطنية. ففي السنوات الأخيرة، استطاع عدد من الدول – خاصة الصين وروسيا – إيجاد طرقٍ لتحويل هذا النوع من الفساد، الذي كان سابقًا مجرد سمة من سمات أنظمتهم السياسية، إلى سلاحٍ يستخدمونه على الساحة العالمية.

صحيحٌ أن بعض الدول فعلت ذلك من قبل، ولكن تسليح الكسب غير المشروع بالوتيرة التي نراها اليوم لم يسبق له مثيل. والنتيجة: حدوث تحوُّل لا تكاد آثاره تُرى، ولكنه مهم برغم ذلك، في السياسة الدولية.

ويشير التحليل إلى طبيعة التنافسات التي تخوضها الدول فيما بينها على الأيديولوجيات ومجالات النفوذ والمصالح الوطنية، وكيف أن المدفوعات الجانبية (مبالغ مالية يدفعها طرف في اتفاقٍ لطرفٍ أو أطرافٍ أخرى لحثها على الانضمام إلى الاتفاق) كانت بشكلٍ أو بآخر واحدة من الأساليب العديدة التي يُدار بها هذا النوع من الفساد. ومع ذلك، أصبحت هذه المدفوعات الجانبية أدوات أساسية للاستراتيجية الوطنية، وتعززت للحصول على نتائج سياسية محددة ولتكييف البيئة السياسية الأوسع في البلدان المستهدفة.

ويعتمد هذا الفساد الذي تحوَّل إلى سلاح على شكلٍ معين من عدم التماثل؛ فعلى الرغم من أن أي حكومة تستطيع توظيف عملاء سريين أو رشوة المسؤولين في بلدٍ آخر، فإن الانفتاح والحرية النسبية التي تتمتع بها الدول الديمقراطية تجعلها عُرضَة على نحوٍ خاص لهذا النوع من التأثير الخبيث، وقد اكتشف أعداؤها غير الديمقراطيين كيفية استغلال هذا الضعف.

وينتقد التحليل تهميش مكافحة الفساد في المناقشات العامة والأكاديمية حول السياسة الخارجية. فعادة ما يُتَعامل مع المشكلة على أنها مجرد تَحَدٍّ لإنفاذ القانون، أو مشكلة تتعلق بالإدارة الجيدة للحكومة؛ أي: أمر يعوق التنمية السياسية أو الاقتصادية، ولكنه لا يرقى إلى مستوى الاستراتيجية الوطنية.

ولأن الفساد الذي تحوَّل إلى سلاحٍ أصبح اليوم شكلًا مهمًّا من أشكال الحرب السياسية؛ يشدد تحليل «فورين أفيرز» على ضرورة أن تنتقل الإجراءات الدفاعية ضده إلى صُلب عمل السياسة الدولية في كل حكومَة مُعرضة لمثل هذا الخطر، بما في ذلك الولايات المتحدة.

حين يثور بركان الفساد

يختلف الفساد الاستراتيجي في نواحٍ مهمة عن الأشكال الأكثر تقليدية التي يطلق عليها العلماء الفساد البيروقراطي و«فساد الكبار» (الذي يتورط فيه كبار الموظفين أو السياسيين، ويتسم بضخامة تكلفته واتساع تأثيره في المجتمع).

Embed from Getty Images

والفساد البيروقراطي هو: التحوُّل واسع النطاق للخدمة العامة العادية إلى «الدفع مقابل الخدمة». على سبيل المثال، في العديد من البلدان، لا بد وأن تدفع رشوة لإنجاز إجراءات بسيطة مثل الحصول على رخصة قيادة، أو اجتياز فحص بناء.

هذا هو نوع الكسب غير المشروع الذي يعوق التنمية الاقتصادية؛ من خلال السماح لمن يتمتعون بعلاقات جيدة بالاستفادة من الاستثمار على حساب النمو الحقيقي.

ويحدث فساد الكبار عندما يدفع قادة الأعمال، أو المجرمون الكبار، أو قلة نخبوية حاكمة مباشرة لكبار المسؤولين الحكوميين مقابل حصولهم على خدمات، مثل التمتع بوضع تفضيلي، أو السيطرة على قطاع اقتصادي رئيسي يقدم فرصًا للنهب بهامش مرتفع؛ وغالبًا ما يكون ذلك على المستوى المصرفي، أو الاتصالات، أو الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز.

هذان النمطان من الفساد التقليدي يتسببان في تآكل البلدان الضعيفة، مما يؤدي إلى انهيار الدول وإشعال الصراع الأهلي؛ وهي العملية التي يحذر التحليل من أنها تجري الآن في دول مثل الجزائر، وبوليفيا، وإيران، والعراق، ولبنان، وفنزويلا.

في الفساد البيروقراطي والكبير ، يحاول كلٌّ من الدافع والمدفوع له إثراء أنفسهم أكثر. أما في الفساد الاستراتيجي، على النقيض من ذلك، فما يزال الجشع عاملًا قائمًا، على الأقل بالنسبة لبعض اللاعبين، ولكن الإغراءات الفاسدة تستخدم في هذا اللون من الفساد ضد بلدٍ تستهدفه قوى خارجية كجزء من الاستراتيجية الوطنية التي تتبعها بلدهم.

في بعض الأحيان، ولكن ليس هذا هو الحال دائمًا، تنتهك هذه الخطط القانون، وبعضها يشهد تورط مواطني البلد المستهدف. لكن في حالات أخرى، قد يكون هذا التصرُّف قانونيًّا من الناحية الفنية، ولكنه ما يزال ينطوي على تحريف أو تدمير للنزاهة المطلوبة في أداء الواجبات العامة، حسب تعريف قاموس أوكسفورد للفظة «الفساد». لهذا السبب، يعاقب القانون على بعض الأفعال الفاسدة، بينما تُترَك أنواع أخرى لتقييم المواطنين، حال كُشِف عنها الستار.

يتمتع الأمريكيون الذين تربطهم علاقات بصناع القرار بفرص يمكن أن تؤدي إلى جميع أنواع السلوكيات الفاسدة.

هذا بالضبط ما سعى أول جهدٍ كبير لمكافحة الفساد الاستراتيجي في الولايات المتحدة لفعله. إذ وُلِدَ قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA)، الذي أُقر في عام 1938، من رَحِم تحقيقات الكونجرس في الدعاية الشيوعية والنازية داخل الولايات المتحدة. بموجب ذلك القانون، يتعين على ممثلي الرعاة الأجانب التسجيل، للسماح بما أسماه واضعو التشريع «تسليط الضوء على الدعاية عديمة الرحمة» أن تؤتي ثمارها.

يعود التحليل إلى فترة الستينيات، حين أدت المزيد من التحقيقات في الكونجرس إلى مجموعة من التعديلات الرئيسية على قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، والتي جعلت التشريع يركز أكثر على الرعاية الأجنبية للضغط السياسي بدلًا من الدعاية. وعلى مدى العقود القليلة التالية، ظل انتشار النفوذ الأجنبي ظاهرة هامشية نسبيًّا، مدفوعةً بجهود حفنة من الديكتاتوريين وأعوانهم لشراء النفوذ في واشنطن والعواصم الغربية الأخرى.

بدأت الأمور تتغير خلال حقبة التسعينيات. فجأة، أصبح هناك الكثير من المشترين. وأدى انهيار الشيوعية إلى ظهور أكثر من 20 حكومة جديدة في هذا السوق. كانوا جميعًا، وغيرهم كثير، حريصين على تكوين صداقات واكتساب نفوذ في واشنطن، عاصمة القوة العظمى الوحيدة المتبقية في العالم.

وهناك، وجدوا العديد من المستشارين والمحامين المستعدين لتقديم المشورة، طالما سيحصلون على مقابل سَخِيٍّ. وظهر خط أعمالٍ جديد يسيل لأرباحه اللعاب كان يساعد في توجيه الاستثمار الأمريكي أو العالمي إلى البلدان التي فتحت أبوابها حديثًا للأعمال التجارية. وبينما اعتمدت الولايات المتحدة وغيرها على العقوبات الاقتصادية كأداة سياسية، وجد الأجانب أنفسهم بحاجة إلى المزيد والمزيد من المساعدة للإبحار في خضم هذه الآلية التنظيمية.

Embed from Getty Images

في تلك الأثناء، وبفضل تحرير النظام المالي العالمي خلال السبعينيات والثمانينيات، كان من الأسهل بكثير نقل الأموال واستثمارها في جميع الاتجاهات، والقدرة على إعادتها مرة أخرى. وأصبحت البلدان المنفتحة والمزدهرة، مثل كندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، هي الملاذات المفضلة لمليارات الدولارات التي تُغسَل كل عام تحت ستار شركات مجهولة الهوية، واستثمارات عقارية، ومخططات أخرى.

وفي أوائل عام 2001، حذَّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من الشركات المجهولة بوصفها وسيلة أساسية لإخفاء المعاملات غير المشروعة في جميع أنحاء العالم. بيدَ أن الولايات المتحدة، التي تفتقر إلى التشريعات الوطنية التي تفرض الشفافية بشأن لمالك المستفيد النهائي للكيانات المؤسسية، أصبحت تدريجيًّا ملاذًا ماليًّا لغسيل الأموال، وممولي الإرهاب، والكليبتوقراطيين (الحكام اللصوص)، والمهربين.

ولهذا السبب، فإن النمو المذهل للشبكات الإجرامية العابرة للحدود خلال فترة ما بعد الحرب الباردة لم يساعد الفساد التقليدي فحسب، بل ساعد أيضًا النوع الاستراتيجي من الفساد.

وكانت النتيجة التراكمية لجميع هذه التحولات، هي: زيادة هائلة في حجم التجارة الأمريكية التي تضم مجموعات المصالح الأجنبية. ويحذر التحليل في هذا الصدد من أن الأمريكيين الذين يتمتعون بعلاقات  – حقيقية أو مزعومة –  مع صناع القرار الآن تتاح لهم فرصًا يمكن أن تؤدي إلى جميع أنواع السلوك الفاسد.

ولذلك يواجه المستشارون السياسيون والمسؤولون الأمريكيون السابقون، الذين يوجدون لفترة في سوق بيع النفوذ الواسع والمربح والمنظم إلى حد ما، اختبارات متكررة لأخلاقياتهم ونزاهتهم ووطنيتهم. وبينما يتعامل بعض هؤلاء مع هذه التحديات بحذر ونزاهة، فإن آخرين لا يفعلون ذلك.

سياسة

منذ أسبوعين
مترجم: هل يحظى ترامب بتأييد شعبي كافٍ إذا تحايل على الانتخابات للبقاء في السلطة؟

مغامرة الأمريكي رودي جولياني والأوكراني دميترو فرتاش

يتابع التحليل: لعل أبرز حالة فساد استراتيجي خلال السنوات الأخيرة، هي القضية الأوكرانية المعقدة التي أدت إلى توجيه اتهام للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بهدف عزله في عام 2019. قد يعتقد العديد من الأمريكيين أن هذا الأمر في الأساس ليس سوى فضيحة سياسية محلية، ولكن من الأهمية بمكان فهم جذوره الخارجية.

وُجِّهَ الاتهام إلى ترامب؛ لأنه خلال صيف عام 2019 سعى إلى تعليق علاقاته وإدارته المستقبلية مع أوكرانيا على شرط استعداد كييف لمساعدته في تشويه سمعة خصمه السياسي جو بايدن، وتحميل مسؤولي الحكومة الأوكرانية السابقين – وليس الكرملين –  مسؤولية اختراق اللجنة الوطنية الديمقراطية (DNC) أثناء حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016، والتشكيك في الأدلة التي استخدمها المدعون الأمريكيون لسجن بول مانافورت، الذي كان مديرًا لحملة ترامب في ذلك العام. بيد أن القصة بدأت بالفعل قبل وقت طويل من إقدام ترامب على أي من هذه التصرفات، ولم يكن مؤلفوها الأساسيون أمريكيين.

من الأهمية بمكان فهم الجذور الخارجية للفضيحة التي قادت إلى توجيه الاتهام إلى ترامب.

بداية من عام 2018، شنَّت مجموعة من المتآمرين حملة مدبرة لتشويه سمعة سفيرة الولايات المتحدة في أوكرانيا، ماري يوفانوفيتش، والضغط من أجل إقالتها من منصبها. تكونت تلك المجموعة من مواطنَيْن أمريكيَّيْن مُتَجَنِّسَيْن تربطهما علاقات بأوكرانيا، هما: ليف بارناس وإيجور فرومان، ومحاميهم وشريكهم الأمريكي رودي جولياني (الذي يعمل أيضًا محاميًا شخصيًّا لترامب)، ومسؤولَيْن أوكرانيَّيْن سابقَيْن، هما: وزير الشؤون الداخلية يوري وتسينكو، والمدعي العام فيكتور شوكين.

مرَّر بارناس ووتسينكو وشوكين معلومات تنال من سمعة ماري وبايدن – ومن بينها مزاعم ثبت فيما بعد أنها زائفة – إلى جولياني، وعضو الكونجرس الجمهوري آنذاك عن تكساس، بيت سيشنز. وبدوره، شجَّع جولياني الدفع بتلك المزاعم إلى بؤرة الأضواء الإعلامية، ولاحقًا أسهم الرئيس ونجله دونالد ترامب الابن في تضخيمها.

Embed from Getty Images

لكن هذه المجموعة كان وراءها لاعبون أكبر، يتمتعون بموارد مالية أوفر، وكانت الحملة تسير وفقًا لما يمليه جدول أعمالهم. فوفقًا للمدعين الفيدراليين في نيويورك، الذين اتهموا بارناس وفرومان الخريف الماضي بتهمة التآمر لانتهاك قوانين تمويل الحملة، لم يكن هذا الثنائي يملك الكثير من المال الخاص، ورغم ذلك كانا يتبرعان بمئات الآلاف من الدولارات إلى لجان العمل السياسي الأمريكية من خلال شركة وهمية تتلقى دعمًا ماليًّا أجنبيًّا.

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل كانت لديهما خطط أخرى؛ إذ أفادت وكالة «أسوشيتد برس» في مارس (آذار) 2019، بأن بارناس وفرومان عرضا صفقة على أندرو فافوروف، وهو مسؤول تنفيذي في شركة الغاز الأوكرانية «نافتوغاز» المملوكة للدولة، تستورد الشركة بموجبها الغاز الطبيعي المسال الأمريكي.

وكجزء من تلك الصفقة، سيحل فافوروف مكان الرئيس التنفيذي للشركة الذي يحظى بإعجاب واسع النطاق، أندري كوبولييف. وأخبر بارناس وفرومان فافوروف بأن سفيرة الولايات المتحدة، ماري يوفانوفيتش، من المحتمل أن تعارض الصفقة، لكنهما أكدا له أنها ستُعزَل قريبًا من منصبها.

ويبدو أن الرجلين لم يكونا يعملان لحسابهما الخاص. فكما كتبت الصحافية كاثرين بيلتون، في كتابها الذي صدر مؤخرًا، كان رجلَيْ بوتين، بارناس وفرومان، يعملان لصالح قطب الأعمال الأوكراني، دميترو فِرتاش، الذي يسيطر على تجارة الغاز بين تركمانستان وأوكرانيا وروسيا بدعم من الكرملين. (كشف المدعون الأمريكيون في نيويورك أن فِرتاش دفع مليون دولار على الأقل إلى بارناس).

ووفقًا لصحيفة «واشنطن بوست»، كانت نافتوغاز ستوافق – بموجب اقتراح بارناس وفرومان – على شطب الديون المستحقة على فِرتاش للشركة تبلغ مئات الملايين من الدولارات.

يعلق كُتَّاب التحليل على هذا المشهد قائلين: الأهداف السياسية للمؤامرة، وتورط فِرتاش السافر؛ ترفع هذه الحكاية الدنيئة من مستوى الفساد العادي إلى درجة الفساد الاستراتيجي. ذلك أن فِرتاش شخصية معروفة في أوكرانيا.

وطيلة سنوات عديدة، أدار التجارة مع أوكرانيا لصالح شركة غازبروم الروسية التي تسيطر عليها الدولة – والتي ربما تكون الأداة الجيوسياسية الروسية الأهم في دول الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقية –  على حد تعبير الخبير الاقتصادي الروسي أندرِس أسلوند.

وبالنسبة لروسيا، فإن السيطرة الفعالة على تجارة الغاز داخل أوكرانيا وعبرها تمثل هدفًا وطنيًّا يحظى بأهمية قصوى. وكان فِرتاش هو رجل غازبروم في كييف. وفي الواقع «يبدو أن فرتاش كان عنصرًا مؤثرًا في الكرملين وليس مجرد رجل أعمال»، كما يقول أسلوند.

ثم اعتقل فرتاش في فيينا عام 2014؛ بعد أن اتهمه المدعون الفيدراليون في الولايات المتحدة بمحاولة رشوة مسؤولين في الهند. وليدفع الكفالة، أقرضه رجل أعمال روسي مقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين 125 مليون يورو. منذ ذلك الحين، حارب فِرتاش لمنع تسليمه من النمسا؛ مستعينًا بعدد من المحامين الأمريكيين، ومنهم مسؤولون سابقون من كلا الحزبين السياسيين، مثل: جوزيف ديجينوفا، وفيكتوريا تونسينج، وهما محاميان على صلة وثيقة بجولياني، وقال فرتاش إنه دفع لهما أكثر من مليون دولار للدفاع عنه.

بدورهما نفى ديجينوفا وتونسينج تورط فِرتاش في صفقات بارناس وفرومان. ووفقًا «لصحيفة واشنطن» بوست، تمكن المحاميان من ترتيب اجتماع استثنائي مع المدعي العام الأمريكي، ويليام بار، للترافع في قضية تسليم فِرتاش. في الوقت نفسه، ربما لا يكون المال الشيء الوحيد ذا القيمة الذي حصل عليه شركاء فرتاش الأمريكيين هذه العلاقة: وفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز»، زوَّد فريق فِرتاش القانوني في النمسا جولياني بوثائق تزعم أنها تكشف عن مخالفات تورط فيها بايدن.

Embed from Getty Images

كما ظهر ديجينوفا وتونسينج على قناة «فوكس نيوز»، ليس لتوضيح موقف فرتاش في القضية، ولكن لتحذير ملايين المشاهدين الأمريكيين من أن مصرفيًّا شريرًا، يُدعى جورج سوروس، كان يحاول السيطرة على السياسة الخارجية الأمريكية في أوكرانيا. وزعما أن سوروس كان يتلاعب بالدبلوماسيين الأمريكيين هناك. كان محاميا فرتاش يشيران إلى عمل المؤسسات التي موَّلها سوروس لتحقيق رؤيته لتدشين «مجتمع مفتوح».

وأيًّا كان ما يعتقده المرء بشأن تفضيلات سوروس في السياسة الأمريكية، يذهب تحليل «فورين أفيرز» إلى أن مؤسساته أبلت بلاء حسنًا في دعم الشفافية ومبادرات إنفاذ القانون في أوروبا الشرقية. بينما كانت أولوية الكرملين وأصدقائه هي إجهاض هذا التقدُّم، ولذلك استهدفوا سوروس بدعاية شريرة ومعادية للسامية في كثير من الأحيان، على حد وصف التحليل.

وكتب بيلتون أن الفضيحة الأوكرانية كشفت عن هشاشة النظام السياسي الأمريكي، ومدى تآكله من الداخل. وقال مصرفي روسي كبير سابق له علاقات مع الأجهزة الأمنية: «يبدو أن السياسة الأمريكية كلها معروضة للبيع… اتضح أن كل شيء يعتمد على المال، وكل هذه القيم (الغربية) لم تكن سوى نفاق محض».

والنتيجة هي أنه من خلال إنفاق ملايين الدولارات، وإغراء ترامب بطُعْمٍ من المعلومات التي بمقدورها مساعدته، كان واضحًا أن فِرتاش ورفاقه يحاولون منع تسليمه، ووضع قطاع الطاقة الأوكراني في أيدٍ أكثر خضوعًا، والتخلُّص من المسؤولين الأمريكيين الذين يقفون حجر عثرة في طريق تحقيق ذلك، والترويج لنظريات المؤامرة التي لطالما كانت تمثل الدعامة الأساسية للدعاية الروسية. وليس من قبيل المصادفة أن هذه الأهداف تتطابق تمامًا مع أهداف الكرملين. إنه جدول أعمال إلى حد ما، وقليلٌ من بنوده نشأ في الولايات المتحدة.

الفساد بنكهة صينية

يشير التحليل إلى أن نظام بوتين هو تقريبًا النظام الوحيد الذي اتخذ الفساد سلاحًا لتعزيز مصالحه الوطنية. بيد أن بكين دخلت في اللعبة أيضًا، مع الوضع في الاعتبار تجربة تكتل الطاقة الصيني  (CEFC) الذي طَبق نجاحه الآفاق في فترةٍ ما. وما يزال الطابع الفعلي لعمليات الشركة ورئيسها التنفيذي، يي جيان مينج، يكلله الغموض. إذ استثمر جيان مينج ورتب اتصالات رسمية حول العالم، بما في ذلك جمهورية التشيك.

وفي عام 2018، قال خبير في براغ كان يتابع جهود مينج لصحيفة «نيويورك تايمز»: لقد كان من الواضح لبعض الوقت أن هذه ليست مجرد شركة تجارية صينية، ذلك أن لديهم بعض العلاقات الاستخباراتية. وبحسب تقرير شبكة «سي إن إن»: انحازت (الشركة) انحيازًا شديدًا، وهي في أوج نجاحها، إلى الحكومة الصينية؛ لدرجة أنه كان من الصعب في الغالب التمييز بين الاثنين.
تعمّق الغموض في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما ألقت السلطات الأمريكية القبض على مسؤول تنفيذي في تكتل (CEFC) يدعى «باتريك هو»؛ بتهمة الرشوة وغسيل الأموال.

كان «هو»، وزيرًا سابقًا في حكومة هونج كونج، يشتهر بخطاباته التي تشيد بمبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI)، وهي خطة بنية تحتية شديدة الطموح، تهدف إلى ربط الصين بأفريقيا وأوروبا من خلال الطرق والسكك الحديدية، والشبكات البحرية التي تعتقد الصين أنها ستحفز التجارة والتنمية الاقتصادية.

تنطوي مبادرة الحزام والطريق الصينية على سيلٍ من ممارسات الكسب غير المشروع والرشوة. 

لم يكن «هو» يكتفي بالاعتماد على مجاملاته الخطابية. ففي عام 2014، عرض على الرئيس التشادي، إدريس ديبي، مليونَيْ دولار، مدسوسة في علب هدايا. وبعدها بعامين، رتَّب لدفع رشوة بقيمة 50 ألف دولار لرئيس أوغندا، يوويري موسيفيني. وكان الهدف من هذه الرشاوي هو فتح أسواق النفط والغاز في تلك البلدان أمام الشركات الصينية.

ولم يكن الوزير السابق يكتفي بالترويج لمبادرة الحزام والطريق؛ إذ زعم المدعون الفيدراليون الأمريكيون أنه رتب لمبيعات أسلحة غير مشروعة إلى ليبيا وقطر، وعرض مساعدة إيران في نقل الأموال الخاضعة للعقوبات من الصين. وبعد أشهر قليلة من اعتقاله، اختفى الرئيس التنفيذي لتكتل (CEFC)، مينج. ويُعتَقَد أنه محتجز في الصين، فيما استولت مؤسسة حكومية صينية على الشركة رسميًّا.

Embed from Getty Images

يتابع التحليل: بفضل تاريخ الصين من الصراع مع الإمبراطورية البريطانية، فإن قادة الصين على دراية بالطريقة التي كان البريطانيون يعملون بها في القرن التاسع عشر، ويبدو أنهم يُقَدِّرون عدم اعتماد قوة الإمبراطورية فقط على الجنود أو السفن الحربية، بل كانت تلك القوة مستمدة من سيطرة الإمبراطورية على الموانئ والقنوات، والسكك الحديدية، والمناجم، وطرق الشحن، وكابلات التلجراف، والمعايير التجارية، والتبادلات المالية.

ولم يجد طلاب التاريخ الإمبراطوري البريطاني سبيلًا سوى هز رؤوسهم كناية عن التقدير لما سمعوه العام الماضي من محمود علي يوسف، وزير خارجية جيبوتي، ذات الموقع الاستراتيجي، حين صرَّح لصحيفة «واشنطن بوست»: «نعم، دَيْننا للصين يبلغ 71% من ناتجنا المحلي الإجمالي، لكننا بحاجة إلى تلك البنية التحتية».

وتعزز الصين الآن التواصل البري والبحري في إطار منظومة عالمية مبنية على الأعراف الصينية والمعايير التعاونية، بدعم مالي من شبكة بنوك ممولة من الصين، وتحظى بالتمكين بفضل ممارسات الرشوة والكسب غير المشروع الصينية التي تتم على نطاق أسطوري.

يختلف الخبراء حول ما إذا كانت مبادرة الحزام والطريق، إجمالًا، تشكل تهديدًا لمصالح الولايات المتحدة. وبغض النظر عن رأي المرء في هذا السؤال، يشدد تحليل «فورين أفيرز» على ضرورة إدراك أن الفساد أمر أساسي في مبادرة الحزام والطريق، التي تتسم بقليل من الشفافية والكثير من المال، ما يجعل المسؤولين في جميع أنحاء العالم مدينين للحزب الشيوعي الصيني.

كما تربط المبادرة البنية التحتية في ثلاث قارات بحكومة استبدادية في بكين، معروفة بجمع المعلومات الشخصية عن المواطنين وقمع المعارضة. وليس كل المسؤولين المحليين يتمتعون برؤيةٍ لا لبس فيها، كتلك التي أظهرها وزير خارجية جيبوتي، لذلك قد يحتاج التأثير في البعض إلى طرق أخرى، بحسب التحليل.

قد يكون هذا هو السبب في أن الصين طبَّقت نوعًا أكثر منهجية من الفساد الاستراتيجي في أستراليا. فخلال السنوات القليلة الماضية، كان الكشف عن الجهود الصينية لإعادة تشكيل البيئة السياسية الأسترالية يسيطر على عناوين الأخبار في البلاد.

دفع المانحون الأثرياء المرتبطون بالسلطات الصينية تمويلًا للمنظمات السياسية الأسترالية والحملات الانتخابية، وبذلوا جهودًا منظمة للتأثير في الرأي العام، ودعموا السياسيين الذين أشادوا بالصين. وفي عام 2018، اضطر سناتور أسترالي إلى الاستقالة من منصبه بعد أن كشفت تقارير إعلامية عن تلقيه مساهمات تحت الطاولة من أحد هؤلاء المانحين، وقدَّم له بعد ذلك نصيحة تتعلق باتخاذ تدابير لمنع المراقبة.

وفي عام 2005، انشق دبلوماسي صيني يدعى شين يونجلين، ولجأ إلى أستراليا، وكتب فيما بعد أن «الحزب الشيوعي الصيني بدأ جهودًا منظمة للتسلل إلى أستراليا بطريقة منهجية».

يوضح التحليل أن السلطات الأسترالية تدرك ذلك. ويستشهد بمدير جهاز المخابرات الأسترالي، دنكان لويس، الذي حذَّر علنًا بعد أن تقاعد العام الماضي من أجندة الصين التي وصفها التقرير بالخبيثة. وقال لويس: «ليس فقط في السياسة، ولكن أيضًا في المجتمع أو في الأعمال التجارية، (مثل هذا التدخل الأجنبي) يتولى، في الأساس، تحريك الخيوط من الخارج».

وما تعانيه أستراليا الآن هو نسخة من الفساد الاستراتيجي الذي أثار قلق الأمريكيين في ثلاثينيات القرن الماضي، وأدى إلى إقرار قانون تسجيل الوكلاء الأجانب. ولذلك سنَّت أستراليا في عام 2018 قانون شفافية التأثير الأجنبي، الذي يستند إلى قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي، لكنه يتضمن تحسينات إضافية.

دولي

منذ 7 شهور
مترجم: ما هي دوافع «نافخي الصافرات» للكشف عن الفساد؟

تضارب بسيط في المصالح

يكمل تحليل «فورين أفيرز» قائلًا: إن خصوم أمريكا ليسوا وحدهم الذين حوَّلوا الفساد إلى سلاح. وتركيا ليست سوى نموذج واحد لحليف جرَّب أيضًا هذا الأسلوب.

ففي العام الماضي 2019، اتهم المدعون الفيدراليون الأمريكيون بنك «خلق»، ثاني أكبر بنك مملوك للدولة في تركيا، بتنظيم مخطط ضخم للتهرب من العقوبات الدولية على إيران، عن طريق شحن الذهب إلى الجمهورية الإسلامية مقابل الحصول على النفط والغاز.

Embed from Getty Images

وبعد أن احتجَّ البنك في البداية على أن المحاكم الأمريكية ليست لها ولاية قضائية عليه، دفع في النهاية بأنه غير مُذنِب، والقضية منظورة الآن أمام المحكمة في نيويورك.

لكن تركيا لم تكن تحاول فقط تقويض جهود عزل النظام الإيراني وإضعافه، وهو أحد أهم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، بل كانت تحاول أيضًا تحقيق نتيجة سياسية محددة.

في عام 2016، اعتُقِل رجل أعمال إيراني- تركي متورط في المؤامرة، يدعى رضا ضراب، في الولايات المتحدة. وكانت هناك فرصة كبيرة بأنه يقر بتورُّطه، وربما يكشف عن تورط كبار المسؤولين الأتراك في مخططه. لكن قبل أن يحدث ذلك، وافق جولياني وصديقه القديم مايكل موكاسي، الذي عمل مُدَّعيا عامًّا في إدارة جورج دبليو بوش، على تمثيل ضراب وعملوا بجدٍّ لتحريره.

قبل السماح للمحامين بتمثيل ضراب، عقد القاضي في القضية عددًا من الجلسات لاستكشاف تضارب المصالح المحتمل بينهم. وكانت شركة جولياني للمحاماة وكيلًا مسجلًا لتركيا، وأشار القاضي إلى أن جولياني قد يُمنع من الوصول إلى حل للقضية «من شأنه أن يتعارض مع مصالح تركيا».

وفي فبراير (شباط) 2017، سافر جولياني وموكاسي إلى تركيا لمناقشة قضية ضراب مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان. ثم في خريف ذلك العام، وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست»، رتب المحاميان اجتماعًا مع ترامب للدفع باتجاه الإفراج عن ضراب. وكان الطُّعم الذي قدماه للرئيس هو فكرة مقايضته بالقس الأمريكي أندرو برونسون، الذي اعتقله الأتراك بتهم لم تكن سوى ذريعة لتوقيفه، بحسب تحليل «فورين أفيرز».

وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست»، كان الطُّعم كفيلًا بإغراء ترامب. وعلى إثر ذلك، استُدعي وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، إلى المكتب البيضاوي، وهناك فوجئ عندما وجد جولياني وموكاسي، فرفض الموافقة على الصفقة، وهو الموقف ذاته الذي اتخذته وزارة العدل.

كما ورد أن رئيس موظفي البيت الأبيض في ذلك الوقت، جون كيلي، كان قلقًا للغاية بشأن جهود جولياني-موكاسي- ترامب للتدخل في تحقيق جنائي. وهكذا فشلت المقايضة (أطلق سراح برونسون في عام 2018)، وأقر ضراب في نهاية المطاف بالذنب، وأدلى بأدلة حيوية أدت إلى اتهام بنك «خلق».

منذ ذلك الحين، حاول بنك «»خلق» ومسؤولون أتراك العمل على الاستفادة من ترامب من أجل إعفاء المصرف من دفع قدر هائل من الغرامات التي تقدر بمليارات الدولارات، كتلك التي فرضت في قضية مماثلة ضد مجموعة «بي إن بي باريبا» المصرفية الفرنسية. و أصبحت مهمتهم أسهل بفضل حقيقة أن تيلرسون وكيلي والعديد من المعترضين المحتملين ذهبوا الآن، ويبدو أن ثمة وفرة في الأشخاص الراغبين في التحاور بالإضافة إلى جولياني.

وبالفعل، أصبح صهر ترامب وكبير مستشاريه، جاريد كوشنر، وسيطًا رئيسيًّا لأقارب القادة الأتراك، ومنهم صهر أردوغان. وفي العام الماضي، تلقى ليندسي جراهام، السناتور الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية، اتصالًا مزيفًا من مخادع ينتحل صفة وزير الدفاع التركي، وسجل تأكيدات جراهام بأن ترامب كان «حساسًا جدًا» حيال مخاوف تركيا بشأن قضية بنك «خلق»، وأنه أراد «أن يمُدَّ يد العون».

يردف التحليل: من المستحيل أن نحدد على وجه اليقين ما قدمته تركيا لترامب من خلال قنواتها غير الرسمية. لكن في نوفمبر 2019، ألقى مستشار الأمن القومي السابق لترامب، جون بولتون، خطابًا غير رسمي أمام مجموعة خاصة، أعرب فيه عن اعتقاده بأن هناك علاقة شخصية أو تجارية هي التي تحرك موقف ترامب تجاه تركيا.

وتشير أدلة أخرى إلى أن هذا قد يكون صحيحًا؛ إذ كان ترامب يولي احترامًا ملحوظًا لأردوغان، وعامل الرئيس التركي بتساهل يتناقض على نحوٍ صارخ مع الطريقة التي تعامل بها ترامب مع قادة حلفاء الولايات المتحدة المقربين، مثل رئيسة الوزراء البريطانية السابقة الوزيرة تيريزا ماي، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وفي عام 2012، عندما افتُتِحَت أبراج ترامب في «إسطنبول»، غرَّدت ابنة ترامب إيفانكا شاكرة أردوغان لحضور حفل الافتتاح. ووفقًا لصحيفة «واشنطن إكزامينر»، تحدث ترامب نفسه ذات مرة عن تركيا قائلًا: «لديَّ القليل من تضارب المصالح؛ لأن لدي مبنى رئيسيًّا كبيرًا في إسطنبول».

Embed from Getty Images

ومن المثير للدهشة أن مصرفًا مملوكًا لدولةٍ حليفة – ولو اسميًّا – للولايات المتحدة يتحدى واشنطن بمساعدة إيران على إحباط العقوبات. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذا النشاط عندما ظهر، عثر المتورطون على وكلاء أمريكيين يمكنهم الترافع في قضيتهم لمنع الحكومة الأمريكية من معاقبتهم.

وهذا يتجاوز بكثير سياسة المال مقابل الخدمات أو الامتيازات. بل يرقى إلى مرتبة المال مقابل السياسة. هذا هو الفساد الاستراتيجي، الذي آتى ثماره حتى الآن؛ إذ لم يدفع بنك «خلق» غرامات كبيرة، رغم انتهاكاته الجسيمة للعقوبات المفروضة على إيران.

حكاية لندنية تحذيرية

بالنسبة للولايات المتحدة وشركائها، يشكل الفساد الاستراتيجي ثلاث مخاطر: أولها التهديد المباشر والواضح لنتائج السياسة السيئة. ثم هناك خطر أكثر عمومية ينبع من تبني المنافسين للفساد كأسلوب لاكتساب النفوذ العالمي، كما فعل الصينيون في تطوير مبادرة الحزام والطريق.

وترقى مثل هذه الجهود إلى ما يشبه نقيض الجهود التي بذلت بعد الحرب الباردة بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها، لتعزيز الرخاء في البلدان النامية، من خلال تعزيز الشفافية والإصلاحات السياسية، والتحرير الاقتصادي. في الماضي، من خلال اتباع هذه النصائح، كان بوسع الدول تعزيز وضعها في المؤسسات الغربية والانضمام إلى مجتمع الأمم.

في المقابل، بَنى النظام الجديد المتمركز حول بكين شبكة عالمية من الأوليجارشيين «بمعنى القلة الحاكمة» الذين يدينون بمناصبهم ومورد رزقهم لرعاتهم الصينيين. ومع تزايد نفوذ النظام الصيني، وتوسيع نطاقه الجغرافي، فإنه لا يفسد آفاق التنمية في البلدان المتضررة فحسب، بل يجهض أيضًا مشاركتها في العلاقات التجارية المفتوحة، وتعاونها الأمني ​​مع الآخرين.

الخطر الثالث والأخير يأتي من دول مثل الصين وروسيا، التي تستفيد من الشركات التي توجهها الدولة، وتدفقات الأموال غير المشروعة؛ لاختراق الحكومات والمؤسسات الغربية مباشرة.

وتخدم البنوك الكندية، وشركات العقارات البريطانية، وجماعات الضغط والعلاقات العامة الأمريكية، من بين جهات أخرى، مصالح الدول الاستبدادية، سواء عن قصد أو غير ذلك.

وفي الولايات المتحدة، أدى الكشف المستمر عن هذا التأثير الأجنبي إلى زيادة ميل المواطنين إلى الاقتناع بأن نظامهم السياسي فاسد، واستنتاج أن سياسة الولايات المتحدة معروضة للبيع لأعلى المزايدات، حتى من المنافسين في الخارج.

لمعرفة ما يحدث عندما تنفلت شياطين الفساد الاستراتيجي من عقالها دون رادع؛ لا يحتاج الأمريكيون إلى النظر إلى أبعد من المملكة المتحدة.

يستشهد تحليل «فورين أفيرز» بدراسة صدرت عام 2016 عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، خلُصَت إلى أن «التأثير الروسي يركز على إضعاف التماسك الداخلي للمجتمعات، وتعزيز تصور الخلل في النظام الغربي الديمقراطي والاقتصادي… ويتحقق ذلك من خلال التأثير في الحكم الديمقراطي وتقويضه من داخل مؤسساته». لهذا السبب، كما حذر الباحث لاري دايموند مؤخرًا، «يشكل الفساد المتفشي على نطاق واسع التهديد الداخلي الأكثر إلحاحًا للديمقراطية، ويجعله أكثر عرضة لممارسات التخريب الخارجية».

لمعرفة ما يحدث عندما تنفلت شياطين الفساد الاستراتيجي من عقالها دون رادع؛ ينصح التحليل الأمريكيين بالنظر صوب المملكة المتحدة. إذ يعتقد بوتين أنه استطاع تحييد أقرب شريك استراتيجي لواشنطن، لدرجة أنه لا يشعر بالقلق عندما ينشر أسلحة سرية هناك لتنفيذ اغتيالات سياسية.

وللتمتع بهذه الدرجة المذهلة من حرية المناورة، استغل بوتين ورفاقه عددًا من نقاط الضعف في النظام البريطاني. إذ سمح سجل الملكية المجهول في المملكة المتحدة للأوليجارشيين (القلة الحاكمة) الروس باجتياح لندن وقطاعها المالي، حيث خبأوا أموالهم القذرة.

وقانون التشهير البريطاني يعمل لصالح المدعين بأكثر مما تفعل القوانين والمعتقدات الأمريكية الشبيهة. وقد استغلت القلة الروسية هذه الميزة بلا رحمة بهدف فرض الرقابة على الآراء التي تعري مخططاتهم.

في عام 2014، على سبيل المثال، تراجعت مطبعة جامعة كامبريدج عن خطط نشر كتاب عن كليبتوقراطية بوتين، لعالمة السياسة الأمريكية كارين داويشا؛ خوفًا من أن يرفع الروس المذكورون في الكتاب حشدًا من دعاوى التشهير، بمساعدة محامين بريطانيين رفيعي المستوى بالطبع.

Embed from Getty Images

كيفية تنظيف المنزل.. من الفساد!

يشكو تحليل «فورين أفيرز» من أن التهديد المتزايد الذي يمثله الفساد الاستراتيجي لم يلحظه أحد إلى حد كبير داخل وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الخارجية، أو أنهم لا يقدرون خطورته.

ولا يكفي إسناد المشكلة إلى المدّعين الفيدراليين، والاكتفاء بالأمل في أن تأتي الرياح بما تشتهيه الآمال المشرقة، بل يجب أن تنتقل الاستجابة إلى قلب سياسة الأمن الخارجية والوطنية.

وسيتطلب ذلك حملات عامة وخاصة لملاحقة الفساد، وجهود تشريعية لسد الثغرات في الأنظمة القانونية والسياسية الأمريكية، وإنهاء اعتماد واشنطن المفرط على العقوبات الاقتصادية، وهي الأداة التي ستصبح أقل فعالية إذا استطاع منافسو أمريكا تقديم وسائل دعم بديلة.

ويعترف التحليل بأن التحركات السياسية التي يجب على واشنطن اتخاذها لتجنب مصير لندن ليست جذابة؛ إذ إنها نادرًا ما تشمل استخدام ذخائر دقيقة أو الاستعانة بقوات العمليات الخاصة في البحرية الأمريكية، لكنها مع ذلك تظل أدوات حيوية.

ولنبدأ بجدول الأعمال التقليدي لتعزيز الشفافية، الذي يحتاج إلى تحديث وتعزيز. وتتمثل الخطوة الأولى في تشديد الحكومة الفيدرالية وعواصم الولايات إجراءاتها التنظيمية للشركات ذات المسؤولية المحدودة، والتي تسمح طبيعتها المجهولة بإخفاء الأموال المشكوك في أصلها وملكية العقارات الفاخرة.

في العام الماضي، أقر مجلس النواب قانون شفافية الشركات، والذي يحتم، من بين أمور أخرى، الإفصاح عن الملاك المستفيدين للشركات أو المؤسسات المسجلة. وهذه خطوة يراها التحليل في الاتجاه الصحيح، وينصح الكونجرس أيضًا بعقد جلسات استماع جديدة حول نطاق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب وتطبيقه، ذلك أن هناك حاجة إلى جولة أخرى من التعديلات.

وتحتاج الولايات المتحدة أيضًا إلى تشريع يجعل من الصعب رفع دعاوى تشهير لا أساس لها، ولا تهدف إلا لمضايقة النقاد وتكميم أفواههم. وبالفعل، أقرت 29 ولاية مثل هذه القوانين، لكن هذا لا يكفي. وقد يكون التشريع الفيدرالي مسارًا أفضل.

يضيف التحليل: مكافحة الفساد الاستراتيجي يمحو أحيانًا الخطوط التقليدية الفاصلة بين مكافحة التجسس، وتطبيق القانون، والدبلوماسية. ويمكن أن يثير ذلك مشكلات، حتى عندما تكون الحكومة الفيدرالية تعمل تحت إمرة إدارة رئاسية عادية، وتبلي بلاءً حسنًا.

وتحقيقات الفساد يمكن أن تعجز عن تحقيق الهدف منها، ويمكن أن تصبح مسيسة. لذلك يتعين على وكالات المخابرات والسياسة الخارجية الأمريكية أن تكون متيقظة للخطر الذي يشكله الفساد الاستراتيجي. فلا يمكن ببساطة توكيل مكتب المدعي الأمريكي أو وزارة الخزانة بمواجهة هذا التهديد.

لو كانت هناك إدارة رئاسية أمريكية عادية، كان من المفترض أن تفتح تحقيقًا على مستوى الأمن القومي في الحملة ضد ماري يوفانوفيتش، من خلال إلقاء نظرة فاحصة على فرتاش وشركائه، واستخدام موارد تتجاوز تلك المتاحة لمكتب التحقيقات الفيدرالي.

ولكن حتى من دون أدنى معرفة داخلية بإدارة ترامب، ليس من الصعب تخيل الصعوبات التي قد يطرحها مثل هذا التحقيق حاليًا للمسؤولين العموميين (يلتحقون بالسلك الحكومي من خلال خوض اختبارات ومنافسات مفتوحة على الوظائف الشاغرة).

وتقدم قضية بنك «خلق» بعض المشكلات المماثلة. وقد تكون هناك مواقف مشابهة لم يُحَط بها الجمهور خُبْرًا بعد. لكن وسائل مكافحة الفساد الاستراتيجي موجودة، وقد تقرر إدارة مستقبلية استخدامها بطريقة أمينة.

وإذا كان هناك فرع تنفيذي يتصرَّف وفقًا لما يمليه الضمير؛ لكان استفاد من أدوات مثل «مجلس مراقبة الخصوصية والحريات المدنية»، الذي تأسس في عام 2004 للمساعدة في التحقق من مخاطر التحقيقات غير المنضبطة أو المُسَيَّسة.

Embed from Getty Images

بالطبع، هناك طرق قديمة لمحاربة الفساد، مثل المفتشين العامين للوكالة (الذين يستهدفهم الآن الرئيس الحالي) ورقابة الكونجرس، إذا تمكن الكونجرس من استعادة ثقة الجمهور، التي تآكلت بالكامل تقريبًا على مدار العقود الأخيرة.

ولا ينبغي أن تكون مواجهة خطر الفساد الاستراتيجي قضية حزبية. إذ يمكن لأجندة مكافحة الفساد أن توحِّد الأشخاص الذين يفضلون الشفافية الاقتصادية، سواء كانوا من اليسار أو اليمين، بما يحمي المستهلكين والمستثمرين والمواطنين على حد سواء، والذين يريدون القضاء على الرأسمالية القائمة على المحسوبية.

وهذه القيم المشتركة تفسر السبب في أن مكافحة الفساد قضية حيوية لمجموعات المجتمع المدني عبر الطيف السياسي، من منظمة الشفافية الدولية إلى مبادرة معهد هدسون لمكافحة الكليبتوقراطية.
ويختم التحليل بالقول: على الرغم من أن توجيه اتهام إلى ترامب بهدف عزله أصبح شيئًا من الماضي الآن، فإن الكارثة الأوكرانية التي عجَّلت بتوجيه ذلك الاتهام ما تزال تمثل فرصة سانحة. وبدلًا من مجرد المساهمة في تعزيز الاستقطاب والخلل الذي تعاني منه واشنطن، يمكن لهذه الفضيحة وغيرها أن تساعد في إعادة صياغة جدول الأعمال السياسي.

ذلك أن الفضيحة الأوكرانية ليست مجرد إنذارٍ يتعلق بالرئيس الأمريكي الحالي، بل إنها تحذير يوضح إلى أي مدى أصبحت الحكومات ضعيفة أمام شكلٍ جديد من أشكال الحرب السياسية، وهي استراتيجية تستغل الحريات من أجل تشويه سمعتها.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
مترجم: هل سيحاكم نتنياهو بتهم الفساد؟ قراءة في نتائج انتخابات إسرائيل وما بعدها

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد