يُحَدِثُ «يحيى»،الذي يقبع الآن في سجن المزة السيئ السُمعة في دمشق، «روبرتفيسك» عن الجهاد وحماقة الحرب.

نُشِرت ترجمة هذا المقال للمرة الأولى على موقع «السوري الجديد» على لسان الصحفي البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط «روبرت فيسك»، وينشره «ساسة بوست» بموجب اتفاقٍ مع الموقع.

بصفته مترجمًا لـ«تنظيم الدولة الإسلامية» في سوريا، فقد كان «جان محمد يحيى» شاهد عيان عن قُرب على الرعب الممارس داخل «دولة الخلافة». ويُحَدِثُ «يحيى»، الذي يقبع الآن في سجن المزة السيئ السُمعة، في دمشق، «روبرت فيسك» عن الجهاد وحماقة الحرب.

كان «جان محمد يحيى» مترجمًا رسميًا في صفوف «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، عندما اقتادَ الأخير سبعة رجال مُدانين إلى ساحة «النعيم» المركزية في مدينة الرقة. وراحَ «يحيى» الذي حطَ رحالهُ في سوريا قادماُ من «قيرغيزستان»، بعد عملية تجنيد إسلامية عالية الدقة والتدريب، يتكلم بهدوء شديد، ويبتسم أحيانًا، فضلًا عن مُزاحه في سجن المزة العسكري، والواقع على أطراف العاصمة دمشق، حيث كان لديه ما يكفي من الوقت لاستعادة ذكريات ما قد شهدهُ. كان كثير من الجهاديين شهود عيان على عمليات الإعدام تلك، وفي أحد الأيام كنت بجانب الساحة، عندما رأيت جَمعًا من الناس، الذين سألت بعضهم «ماذا يجري؟» وكان جوابهم: أنه سيتم تنفيذ حكم بالإعدام. وكُنا قد طلبنا من مدير السجن السماح بإزالة قطعة القماش الغريبة التي كانت تحجب عينَي «يحيى» لدى اقتياده إلى داخل الغرفة.

راحت عينا «يحيى» ترمشان بسبب الضوء ثم رفع قدميه لِيُصارَ إلى تقييدهما. كانت لدى حراس السجن خشية كبرى من أن «يحيى» قد يحاول القفز من النافذة والهرب، قبل أن يغادر مدير السجن ورجاله الغرفة نزولًا على إصرارنا. أخبرنا «يحيى» بأنه ليس مُجبرًا على الحديثِ معنا، وأن بإمكانه احتساء القهوة أو الدردشة فحسب، لكنه أراد الحديث. يقول يحيى «أخبرني الناس بأنه سيتم إعدام أحد الرجال؛ لارتكابه جرمًا، إذ اتُهِمَ بتفجير قنبلة في إحدى الساحات، لكن الحادث لم يسفر عن ضحايا، وكما قام التنظيم باقتياد ستة رجالٍ آخرين إلى الساحة أيضًا. اعترف أولهم بتفجير القنبلة في الساحة، بينما وقف خلفهم أحد المقاتلين المُقَنَعين يتلو أحكام الإعدام، ثم طلب منهم الجُثو. كان هناك رجل يقف خلف كل متهم، سبعة مقابل سبعة»!

أطلق المقاتلون النار على رؤوس المتهمين من الخلف. تبادرَ إلى أذهاني أن ما قام به هؤلاء العناصر كان عملًا صائبًا؛ وذلك لأن «المفتي» تلا أحكام الإعدام أيضًا، في نهاية المطاف كنتُ من بينهم.

في الوقت الذي يقول فيه «يحيى» إن يديه لم تتلطخ بالدماء أبدًا، إلا أنه كان بالفعل من بين الذين نفذوا الإعدامات. ويصف «يحيى» ذو التسعة عشر ربيعًا، والمُنحدر من مدينة «أوش» في وادي «فرجانة» في قيرغيزستان، كيف أنه أقسم على الولاء لتنظيم الدولة عام 2013، حيث قال «لطالما كانت الأفكار الجهادية تغزو مُخيلتي على الدوام»؛ وابتسم بطريقة إنكارٍ للذات. وتُمثِلُ كيفية شق هذه الأفكار طريقها إلى رأسه فضلًا عن إغوائه للسفر إلى سوريا، قصةً عالية التوجيه.

ويتابع «يحيى» «قَصدتُ مصر؛ من أجل دراسة «الشريعة والقانون» في جامعة الأزهر، وكان قد مضى على وصولي عام ونصف، عندما أصدر الشيخ «محمد حسان» فتوى تحضُ على الجهاد في سوريا، وكان بنظره أنه ينبغي على كل مسلم أن يجاهد في هذا البلد. كما قام الشيخ «حسان» بتوزيع أشرطة وتسجيلات لفيديوهات تظهر أن الجيش السوري يقتل ويغتصب ويرتكب الأعمال الوحشية في حق الشعب. وقال «حسان» «يتوجب عليكم السفر والجهاد في سوريا»، والشيء الذي أقنعني بذلك أنه أعطى كل واحد منا 100 دولار هدية».

وأخبر أحد الطلاب «يحيى» بأن يتصل برجل، يُدعى «أبو محمد تركيا». يقول «يحيى» بأنه اشترى تذكرة لقاء 270 دولار؛ بهدف السفر إلى «مطار أتاتورك» في إسطنبول، حيث التقى بـ«أبي محمد» الذي كان مسئولًا عن تسهيل دخول «الجهاديين» إلى سوريا. اشترى «أبو محمد» تذكرة سفر برية لـ«يحيى» الذي توجه إلى قرية «أطمة» الواقعة على الجانب السوري من الحدود. استغرقت الرحلة 13 ساعة، حيث أخبر «أبو محمد» «يحيى» أن الأخير لن يواجه أية مشاكل في تركيا، وأن هناك الكثير من الشباب من أمثاله.

يقول «يحيى» إنه أمضى ليلتين في أحد المنازل على الحدود، ثم جَرى نقله إلى طريق، عادة ما يستخدمها المهربون، حيث رأى المئات من الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين الـ15 والـ18 عامًا يساعدون الناس على عبور الحدود. كان عدد من الناس بملامح شرق أوسطية يعبرون أحد الطرقات، بينما تم أخذ الأجانب من أمثال «يحيى» ذي «العينين المائلتين»؛ ليسلكوا إحدى طرقات المهربين، وقال «يحيى» إن جنديًا تركيًا غضَ الطرفَ عنه، بينما كان يجتاز الحدود. بعد ذلك جرى نقل «يحيى» إلى مضافة أحد الرجال، ويدعى «سيف الله الشيشاني».

وانتشرت في المنطقة مخيمات اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، بينما كان النسوة يرتدينَ الزي الإسلامي الكامل. كان هناك الكثير من المنازل لاستقبال ضيوف «داعش»، و«جبهة النصرة»، و«المهاجرين»، وكان «يحيى» دائمًا ما يستخدم الاختصار العربي «داعش» في إشارة إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

يروي «يحيى» «في البيت الشيشاني قابلت رجلًا قيرغيزيًا يطلق على نفسه اسم «أبي حنيفة». كان «أبو حنيفة» يدرس الشريعة في المملكة العربية السعودية، وسألته عن أي فصيل يرغب بالانضمام إليه، فأخبرني أن «داعش» كان أقواها، وأنه ينوي الالتحاق بصفوفه. كان «أبو حنيفة» بمثابة «المفتي والمشرع» في البيت الشيشاني، وأخبرني أني حرُ باختياري إلى أي الفصائل سوف أذهب. ويعمل تحت إمرة «الشيشاني» أكثر من مائتي رجل، كانوا قد التقوا بمفتٍ يدعى «أبو أُويس المغربي»، ثم التحقوا بصفوف تنظيم الدولة الإسلامية «داعش». تقدمت بطلبٍ للانضمام إلى «داعش»، حيث أبلَغَنا «أبو اُويس» مأمَننا. وتوعد بتوسعنا إلى بقية البلدان؛ لنشر الدين الإسلامي في أوروبا وروسيا.

انضم «يحيى» إلى مجموعة قوامها 30 رجلًا شيشانيًا وقيرغيزيًا، ولاحظ وجود فئات منفصلة لمجموعات التجنيد المختلفة، فمثلًا كان هناك الفئة الألمانية، البريطانية، البلجيكية، والفرنسية. اندلعَ قتال ضارٍ بين «الجيش السوري الحر»، و«تنظيم الدولة الإسلامية»، في سوريا عام 2013. حاول تنظيم «داعش» الانسحاب من «ريف حلب»، لكن قوات الجيش الحر حاصرت جميع مقرات التنظيم. وأوعز «أبو بكر البغدادي» زعيم تنظيم الدولة عبر الإنترنت بانسحاب جميع النساء والأطفال من عائلات مقاتلي التنظيم إلى مدينة الرقة، باستثناء الشباب الذين حضهم على الصمود والقتال. وكوني مترجمًا لدى التنظيم انتقلت مع العوائل، ومكثت في فندق «أوديسا»، في المدينة، معقل تنظيم الدولة.

أمضى «يحيى» عدة أيام في الرقة؛ يترجم لصالح مقاتلي تنظيم الدولة، الذين كانوا يشهدون عمليات إعدام منتظمة في ساحة «النعيم» في المدينة، ولكن سرعان ما تحولت ملحمة «يحيى» الجهادية إلى «مهزلة»، بعد أشهرٍ قليلة؛ تعطلت السيارة التي كان «يحيى» يقودها، وعندما قَصَدَ إحدى «ورش» التصليح، التقى رجلًا سوريًا سأله: إن كان يرغب بالزواج. يقول يحيى «لم أعرف من أين هذا الرجل، لكنه أخبرني أن لديه قريبة باستطاعتي رؤيتها ومقابلتها في السابعة من اليوم التالي، وعليه، فقد ذهبت بصحبة صديقين مسلحين، أما أنا فكنت أعزلًا، ولم أعرف الطريق الذي كان قرب مطار الطبقة العسكري، في منطقة يسيطر عليها النظام السوري.

وكان هذا سببًا في سقوط «يحيى» الساذج، والإيقاع به. وصل إلى المنزل، وقُدِم له الشاي الأخضر، والعصير، الذي يقول يحيى إنه كان ممزوجًا بالمخدرات، ثم سرعان ما سقط نائمًا، وعندما استيقظ بعد خمس ساعات، وجد نفسه ورفيقيه محاطين بخمس جنود سوريين. أخبَرنا الجنود بأننا محاصرون، وقاموا بأخذنا إلى مطار الطبقة، ومنه إلى السجن في دمشق. لقد اعترفنا بكل شيء؛ لأننا كُنا قد أُلبِسنا ملابس الجهاديين. اعتقدت بأنهم سوف يقتلونني، أو يؤذونني، لكنهم لم يفعلوا.

بعد أكثر من عامين في السجون السورية، يتحدث «يحيى» بلسان حال معظم رفاقه السجناء تقريبًا؛ إذ إنه عندما دخل إلى سوريا جرى غَسلُ دماغه بالكذب عبر الإنترنت، وتمت معاملته بشكل جيد، بعد أسرِهِ من قبل النظام، ولم يتعرض للتعذيب. يقول «يحيى» إنه يأمل أن يُصدرَ الرئيس بشار الأسد عفوًا عامًا عن السجناء، وأن يتمكن من العودة إلى عائلته، «ولكني الآن أصبحت إرهابيًا في بلادي، وأخشى على عائلتي من الشرطة»، يقول «يحيى». وأيُ نوعٍ من الاستقبال سيحظى به «يحيى» من جانب والده «دانييل» الذي يُدير متجرًا للدراجات الهوائية في مدينة «أوش».

قبل مغادرتي قيرغيزستان، نصحني أحدُ أقربائي بأنه إن أردتُ أن أُصبح مدرسًا إسلاميًا فينبغي عليَّ أن أدرس في مصر. استشرت والدي الذي وافق على الفكرة وساعدني على السفر. كنت قد طلبت منه ألا يغضب من توجهي إلى سوريا، وذلك عندما اتصلت به هاتفيًا لأول مرة، حيث كان ذلك قبل 3 أشهر من وقوعي بالأسر، ولكنه قال لي «لقد كذبوا عليك يا بُني، ليس هناك جهاد في سوريا!»، وطلب مني العودة إلى بلادي، وقال إنه يخشى أن تعتقله الشرطة.

وكان وادي «فرجانة» والذي يحتضن مدينة «أوش» معقلًا، وعلى مدار سنوات عديدة للمتطرفين الإسلاميين، حتى في ظل حكم السوفييت، حيث يُعتقدُ أن لتنظيم الدولة كوادر تنشطُ هناك أيضًا، ولا تبدو الحكومة القيرغيزية أنها تنوي المطالبة بإطلاق سراح «يحيى»، بعد أن صافَحنا، واستدار للانصراف، وحتى قبل أن يصل سجانوه، وضع «يحيى» يديه خلف ظهره تلقائيًا كما لو أنه أوشك أن يُقيَد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات