حكم رئيس زيمبابوي السابق «المثقف» بالسوط لمدة 37 عامًا، حتى عُزِل عام 2017. وبعد رحيل روبرت موجابي عن عمر يناهز 95 عامًا، بعد رحلة طويلة في السلطة شهدت تحولًا هائلًا في شخصيته، وتسببت في انهيار اقتصادي تام لبلاده، شيعته مجلة «إيكونوميست» البريطانية بنعيٍ لاذِع.

في صحبة الكتاب

ذكرت المجلة إن موجابي كان يثق في الكتب، حيث كان دومًا ممسكًا بأحدها في يده خلال سنواته الأولى، السعيدة في أغلبها، زعيمًا لزيمبابوي. وكان يعود إلى منزله في المقر الرئاسي بحلول الساعة 5.30 مساء، حيث يغلق الأبواب حتى تعرف حبيبته سالي أنها يجب أن تأتي مسرعة. يتكومان معًا على مقعد وثير، يكادان يحتضنان بعضهما البعض، حيث تتناول هي الكاسترد فيما يحتسي هو الشاي، ثم يلف ذراعه الطويلة حولها، بينما يستخدم الذراع الأخرى لتقليب صفحات رواية مفضلة، عادة ما تكون بريطانية، وكثيرًا ما تكون للروائي الإنجليزي جراهام جرين.

ووصفت المجلة موجابي في طفولته بأنه كان فتى خجولًا وعابسًا، لم يلتمس الحصول على أصدقاء في قريته كوتاما. وقد اعترف بعد ذلك بصراحة: «لقد عشت داخل عقلي كثيرًا، وأحببت التحدث مع نفسي، وقراءة القصائد القصيرة، والقراءة بصوت عال لنفسي». وأوضحت أنه كان منعزلًا يكره اللعب بالعصي والجري وألعاب الأطفال الصاخبة والحياة المجتمعية. 

وكان أخوه دوناتو يعتقد أنه «كسول، ويقرأ فقط طوال الوقت»، فقد كان يقرأ حتى أثناء الأعمال المنزلية، وفي ظلال الأشجار، وأثناء مطاردة الطيور أو السير وسط غبار قطيع الماشية. ويتذكر دوناتو أنه «كان يحمل الكتاب في يد والسوط في اليد الأخرى. وكانت رؤية هذا غريبة بالنسبة لنا جميعًا».

روبرت موجابي

«جاذبية غير عادية»

وأشارت المجلة إلى أن الكاهن الأيرلندي في إرسالية القديس فرنسيس كسفاريوس الكاثوليكية في كوتاما، قال لوالدة روبرت الشابة، إن ابنها لديه «جاذبية غير عادية» وسيكون «شخصًا مهمًا». وكان (موجابي) يحضر القداس يوميًّا، وبالتزام، بعد وفاة أخيه الأكبر مايكل نتيجة تناوله ذرة مسمومة. 

وأوضحت أنه في السنوات التي أعقبت الدراسة عمل مدرسًا: أولًا في روديسيا الجنوبية (زيمبابوي حاليًّا)، ثم في جامعة فورت هير بجنوب أفريقيا وهي البوتقة التي خرج منها الكثير من القادة القوميين الأفارقة، وأخيرًا في غانا حيث قابل سالي.

وباعتباره قوميًّا أفريقيًّا في روديسيا، التي كان يحكمها إيان سميث بذريعة تفوق العرق الأبيض، فإن السجن كان أمرًا محتومًا. ونقلت المجلة عنه قوله إن الـ11 عامًا التي قضاها خلف القضبان لمعارضته حكم الأقلية البيضاء، كانت فترة سُرقت من الحياة بلا هدف. ومرة أخرى، ساعدته الكتب، فقد حصل على سبع شهادات علمية. وكما فعل مع مانديلا ونكروما وكنياتا، فقد أكسبه السجن مصداقية سياسية، إلا أن النشاط في الخارج كان أصعب، وبعد إطلاق سراحه، وبينما كان زملاؤه المقاتلون من أجل التحرير يختالون في ملابسهم العسكرية، كان هو يرتدي بذلة في موزمبيق.

«من الزواحف وليس البشر»

وأضافت المجلة أنه طوال حياته كان منافسوه يلاقون حتفهم بطريقة أو بأخرى في الوقت المناسب. فمن دهس السيارات بالشاحنات على الطرق النائية إلى التهام النيران لمنزل ريفي، تعلم المعارضون الخوف من (التحدث بحرية). وقليل من أحبوه. وكان البريطانيون يسخرون منه في بعض الأحيان، ففي قصر لانكستر في لندن (مقر الخارجية البريطانية)، ووسط الحديث عن الاستقلال والانتخابات، اعتبره وزير الخارجية البريطاني «من الزواحف وليس البشر».

إلا أن الناخبين في الوطن رأوا غير ذلك، حيث اكتسح أول انتخابات حرة في عام 1980 بنصر مجيد. وقد سمح (موجابي) لسميث والمزارعين البيض المصدومين بالبقاء والاحتفاظ بأراضيهم إذا امتنعوا عن السياسة. وازدهر المعلم، حيث كان الزيمبابويون من بين الأفضل تعليمًا في أفريقيا، وشهد المقر الرئاسي تدريس رئيس الوزراء (الفترة التي تولى فيها موجابي رئاسة الوزراء من 1980 إلى 1987) بنفسه لموظفيه.

وأشارت (الإيكونوميست) إلى أنه ألقى باللوم على بريطانيا في كل المحن، بما في ذلك الانهيار الاقتصادي الكامل لبلاده، والذي تسبب فيه في العقد الأول من هذا القرن، حيث ارتفع التضخم إلى 500 تريليون في المئة، وهرب جيل كامل من الناس. ورغم أنه ادعى أن البريطانيين لم يلتزموا بوعودهم بشأن دفع تكاليف الإصلاح الزراعي، إلا أنه كان يتحرق شوقًا لإنجلترا والتسوق في لندن وشارع سافيلي رو (وسط لندن) ولعب الكريكيت واحتساء الشاي مع الميجور جوني. وكان لا يزال مولعًا بالعائلة المالكة، ويتحدث وعيناه تلمعان عن سعادة الملكة خلال زياراتها إلى زيمبابوي.

روبرت موجابي

الحكم بالسوط

وبالنسبة للكتب، لم يكن السوط بعيدًا أبدًا. ففي أوائل الثمانينيات توجه إلى كوريا الشمالية لتدريب الجنود على سحق قبيلة الأقلية الرئيسية (نديبيلي). واعترف بأن رجال الأمن التابعين له ارتكبوا بعض «التجاوزات» عندما تم إحراق مجتمعات قروية بأكملها داخل أكواخهم. ورفض الحديث عن 20 ألف ضحية، ووصف نفسه بأنه «متسامح»، مضيفًا «وإلا لكنت ذبحت الكثير من الناس». وقد يكون خوفه من المحاكمة على جرائمه ضد الإنسانية شجعه على التشبث بالمنصب.

واعتبرت المجلة أن حكمه أصبح أشد قتامة، ربما لأن سالي ماتت وتم استبدالها بجريس، وهي سكرتيرة سابقة مولعة بالتسوق وأكثر طموحًا للسلطة السياسية. وقد شارك خصومه مرة واحدة (في السلطة) إلا أنه سحقهم بعد ذلك. وأشارت المجلة إلى أن عصابات الشباب، التي حشدها موجابي، عاقبت المزارعين البيض بالاستيلاء على أراضيهم. ونظرًا إلى أن البلاد تعتمد على الاقتصاد الزراعي، فقد انهارت زيمبابوي.

«سأحكم زيمبابوي حتى أبلغ 100 عام»

ولم يسبق لموجابي أن اعتبر أن الفوضى والفقر في بلاده مآس، بل اعتبرها فقط تدخلًا خارجيًًّا أو تهديدات شريرة من المنافسين. وقد تكفل الجيش ومنظمته المخابراتية المركزية بإحكام قبضته على السلطة، وتزوير الانتخابات، وقتل المعارضين، وإغلاق الصحف، وترويع جيل من الزيمبابويين اللامعين والمتسامحين الذين كان بإمكانهم قيادة أفريقيا. لقد استسلم شعبه للجوع والإيدز والكوليرا واليأس. وفي كل عام كان يقيم حفلة عيد ميلاد عامة أكثر بذخًا، مبتهجًا بشكل طفولي وهو يقطع كعكة ضخمة.

وفي النهاية، كان عزل مساعده الأكثر موثوقية، إيمرسون منانجاجوا، وطرده إلى الخارج، هو الذي أدى إلى سقوطه عام 2017. وأشارت المجلة إلى أن مبالغة زوجته جريس في التدخل ساهمت في إقالته، وتوغل الجيش في هراري، إلا أن الجنرالات أصروا بعفوية أن هذا لم يكن انقلابًا، وفضلوا القول إنهم كانوا يتعاملون مع «خونة»، ونصبوا السيد منانجاجوا رئيسًا بالشكل الملائم.

وعندما سُئل عن السبب الذي جعل الناس تخافه، قال موجابي إنه يعتقد أن ذلك «ربما لأنني هادئ، وأيضًا لأنني أؤمن بما أقوله». وكانت حياته في الغالب مقتضبة: النهوض مبكرًا لممارسة اليوجا، والعمل يوميًّا في مكتبه على كرسي أصفر بلون الخردل بجانب خريطة ضخمة للعالم، وقضم وجبة من الأرز والذرة باليد، على الطريقة الأفريقية. 

وأوضحت الصحيفة أنه رغم أنه لم يرتكب سوى القليل من الرذائل (النساء، الخمر) المرتبطة بالصورة الكاريكاتورية للديكتاتور الأفريقي، إلا أنه تمتع بالغرور المعتاد. وعندما سألته (الإيكونوميست)، في فترة الثمانينيات من عمره، عن الوقت الذي سيتقاعد فيه، ضحك وقال إنه سيحكم حتى يبلغ «100 عام». واختتمت بالقول إن مأساة زيمبابوي كانت مدى قربه من الوفاء بكلمته.

بعد عامين من عزل موجابي.. لماذا لم تعالج الديمقراطية أزمة زيمبابوي الاقتصادية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد