نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية مقالًا كان قد نشر على «شبكة تاريخ الحروب Warfare History Network» حول الطريقة التي قضىت بها الإمبراطورية الرومانية على حضارة قرطاج العظيمة في شمال أفريقيا، مستخدمين الاحتيال وأبشع الأساليب وحشية.

يستهل المقال بالكلمات التي تنسب إلى أغسطس، أول إمبراطور روماني، تعليقًا على فترة حكمه حين قال: «لقد وجدت مدينة من القرميد وها أنا ذا أترك مدينة من الرخام».

وبالفعل ازدهرت روما في زمن المسيح، فقد أقامت الأقواس والأعمدة الرائعة، والقصور والمباني العامة، والمعابد والحمامات، والمدارج والقنوات المائية، على نحوٍ لم ير العالم مثيلًا له من قبل.

كانت روما هي الفائزة، وكان على بقية دول البحر المتوسط أن تدفع الثمن. وبالفعل كانت معادن إسبانيا ومزارع صقلية وشمال أفريقيا هي التي أنتجت الثروة التي ساهمت في تشييد الهندسة المعمارية الكبرى للعاصمة الإيطالية.

كان الغزو هو الهدف دائمًا

في المقام الأول، أكثر الأمور اللصيقة بتاريخ روما هو تلك المساهمات في إنجاز ذلك البناء المذهل، إلى جانب إدارتها لإمبراطورية مترامية الأطراف. ولكن قلّما تُذكر الطريقة التي وصلت بها روما إلى تلك الحالة: إنها الوحشية، على حد وصف المقال.

للصعود إلى عرش السيادة على البحر المتوسط​​، استخدمت الإمبراطورية الرومانية جحافلها بقسوة مذهلة. وكان الغزو هو الهدف دائمًا، بصرف النظر عن الوسائل. وبحلول عام 150 قبل الميلاد تقريبًا، كانت روما قد أذلت قرطاج (في تونس حاليًا) في الحربين البونيقيتين الأولى والثانية.

Embed from Getty Images

حين هاجم الملك ماسينسيا، ملك نوميديا القريبة (الجزائر حاليًا)، قرطاج، خالفت المعاهدة التي أنهت الحرب البونيقية الثانية، وردت على الهجوم. بيد أن روما، التي كان يقلقها الانتعاش الاقتصادي لمنافستها خلال فترة السلام التي أعقبت الحرب البونيقية الثانية في عام 202 قبل الميلاد، وتتحرق إلى أن يزرع العبيد الجدد حقول شمال أفريقيا، أعلنت الحرب على قرطاج.

الرومان يصادرون السفن والأسلحة ومئات الأطفال 

بحلول ذلك الوقت، كانت الإمبراطورية الرومانية تسيطر على إسبانيا، وصقلية، وسردينيا، والممرات البحرية، وهو ما أعطاها اليد العليا في أي تنافس. وكانت قرطاج المقيدة من الداخل على يد ماسينسيا، والمحاطة من البحر بالأساطيل الرومانية، تفهم هذا أيضًا.

لذلك عندما وعدت روما قرطاج بأنها إذا أرسلت 300 طفل من أنبل عائلاتها إلى روما لتتخذهم رهائن، ستكون حرية المدينة الأفريقية مضمونة، ولم تلبث قرطاج أن امتثلت للطلب، وهو ما كان سببًا لحزن عميق لعائلاتها الكبيرة.

بعد ذلك طالبت روما بأن تسلم قرطاج سفنها وأسلحتها وأسلحة الحرب، حتى تنقذ المدينة نفسها. وقد امتثل القرطاجيون لهذا الطلب أيضًا، تاركين أنفسهم بدون أي وسائل دفاع. لكن بالنسبة إلى الرومان، كان كل هذا مجرد خدعة، إذ أرسلوا أسطولًا وجيشًا إلى المنطقة المجاورة لقرطاج، وطالبوا القرطاجيين بإخلاء مدينتهم إلى مكان يبعد 10 أميال، قبل تسوية المدينة بالأرض.

عند هذا الحد انغرست أقدام القرطاجيين في الأرض فلم ينصاعوا؛ بل قرروا القتال والدفاع عن مدينتهم. فأذابوا تماثيل آلهتهم لصنع سيوف جديدة، وهدموا المباني العامة لبناء المقاليع. وقطعت النساء شعورهن من أجل صنع الحبال. ولمدة ثلاث سنوات صمد القرطاجيون ضد الحصار الروماني، لكن الجوع قتل معظم السكان الذين  قدر عددهم بربع أو نصف مليون إنسان.

موت قرطاج

في النهاية، حصلت الجحافل الرومانية على موطئ قدم في المدينة نفسها، لكن القرطاجيين كانوا يقاتلون باستماتة من شارع إلى شارع. فأحرق الرومان أي مربع سكني في المدينة يقع في متناول أيديهم للقضاء على أفراد المقاومة القرطاجية.

فَضَّل معظم القرطاجيين الموت على الاستسلام للرومان. وألقت الملكة بأبنائها في النيران ثم لحقت بهم. وفي نهاية المطاف، استسلم بقية أبناء قرطاج بعدما تقلص عددهم إلى نحو 50 ألفًا؛ فباعهم الرومان عبيدًا.

بعد ذلك أصدر مجلس الشيوخ في روما تعليماته للقائد المحلي بتدمير المدينة، وأن ينثر على أراضيها الملح (وهو طقس كان يتبع مع المدن المهزومة ويمثل نوعًا من اللعنة لمن يحاول إعادة بنائها). في الواقع، ظلت المدينة تحترق لمدة 17 يومًا حتى لم يتبق فيها شيء على الإطلاق. وبذلك قضت روما تمامًا على العرق والمجد القرطاجيين.

الأهوال والأمجاد

قال وينستون تشرشل (رئيس وزراء بريطانيا الأسبق) في نوفمبر (تشرين ثان)  1940، خلال تأبينه لنيفيل تشامبرلين (رئيس وزراء بريطانيا الأسبق): «إن التاريخ بمصباحه الخافت يتعثر على طول درب الماضي، في محاولة لإعادة بناء مشاهده…».

في الواقع، إن التاريخ الذي يعرفه كل شخص منا هو تاريخ غير كامل، مجرد لمحة نعرف منها جانبًا صغيرًا من الصورة الكاملة، وهو لا يعدو كونه انعكاسًا للحقيقة الكاملة.

من السهل أن نرى أمجاد الإمبراطورية الرومانية فقط، ولكن من المهم بالقدر ذاته أن نضع في اعتبارنا الأهوال التي ارتكبت في سبيل بناء هذه الأمجاد. ويحتاج مصباح التاريخ الخافت أيضًا إلى تسليط ضوئه على العفن الكامن تحت السطح اللامع.

ويختتم المقال بتأكيد أن «كل ما سبق من شأنه أن يذكرنا بأن القوة العسكرية يجب أن تمارس فقط للدفاع عن قضايا عادلة. قد تكون الثروة والمباني الناتجة عن ذلك أقل عظمة، ولكن الضمير سيكون نقيًّا».

تاريخ

منذ 9 شهور
حرب الأربعين عامًا.. هكذا أفلتتْ تونس من مصير الأندلس

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد