شنت روما العديد من الحملات العسكرية في تاريخها لاحتلال دول أخرى، لكن ربما تكون أكثر تلك الحروب تأثيرًا هي تلك التي خاضتها ضد نفسها. القادة المتعطشون للسلطة والخيانات السياسية جعلا من روما مسرحًا دائمًا للحرب الأهلية، وأدى ذلك التناحر الداخلي الزناد لكل من انهيار الجمهورية الرومانية ثم تصدع وانهيار الإمبراطورية. وما يلي ستة من الحروب الداخلية التي غيرت من وجه روما القديمة.

الحروب الأهلية بين ماريوس وسولا

نشبت الحرب الأهلية الأولى في تاريخ روما نتيجة الصراع الطاحن والقاسي بين القادة السياسيين والعسكريين ماريوس جايوس ولوسيوس كورنيليوس سولا، كانت العلاقات السيئة بين الرجلين تعود إلى أعوام عديدة مضت حينما نسب ماريوس الفضل لنفسه في انتصار عسكري حققه جيش سولا، ثم أدت تلك العلاقة في النهاية لقيام الحرب بينهما في عام 88 قبل الميلاد، وهذا عندما فاز ماريوس بشرف قيادة الفيالق الرومانية ضد مثيريدتس ملك بونتس بدلًا من سولا، وعندها قاد سولا جنوده نحو روما بسبب خسارته لمجد قيادة الجيش. كانت تلك حركة مثيرة للجدل، فلم يسبق لأي قائد أن دخل بجنوده حاملي السلاح إلى روما، لكن سرعان ما سحق سولا أنصار ماريوس وهو ما دفع غريمه للهرب لأفريقيا.

ماريوس في المنفى


بعدما أحكم سولا قبضته على روما، قام بجمع فيالقه وهاجم الملك مثيريدتس، لكنه لم يكد يغادر روما حتى اندلعت فيها الحرب الأهلية، نشب صراع دموي رهيب بين مؤيدي الجماهير “ببيولاريس” وبين مناصري سولا من الطبقة العليا “أوبتيميتس”، وعندها ظهر ماريوس من مخبئه وأعلن نفسه كحاكم مطلق مستبد على المدينة، وعندها أُجبر سولا على تسيير جنوده البالغ عددهم 40,000 جندي مرة أخرى باتجاه روما. وبعد أن هزم سولا جيشًا يقوده ابن ماريوس – والذي توفي نتيجة الشيخوخة – نصب سولا نفسه كديكتاتور وأعدم آلاف المعارضين من السياسيين والنبلاء، وتنازل سولا عن الحكم في النهاية عام 79 قبل الميلاد، وذهب للتقاعد الاختياري، لكن استيلاءه على السلطة لهذه الفترة الوجيزة أضعف أُسس الجمهورية الرومانية، ولم تستغرق بعد ذلك سوى بضعة عقود حتى تبدأ في عملية الانهيار.

حرب قيصر الأهلية

وجد يوليوس قيصر نفسه أمام مفترق طرق عام 49 قبل الميلاد، فقد كان القائد العظيم منتصرًا حديثًا في حملة عسكرية قادها ضد بلاد الغال، ولكن تحول بعدها تحالفه طويل الأمد مع بومباي العظيم إلى صراع مرير في النهاية، بل وصل الأمر لأن يُلح عليه أعضاء مجلس الشيوخ التابعون لبومباي ليحل جيشه ويعود إلى روما كشخص مدني مرة أخرى، ولكن لم يكن قيصر ليفعل ذلك تحت أي ظرف. وتحت مبدأ “سبق السيف العذل” جمع قيصر رجاله وعبر نهر روبيكون إلى إيطاليا مُشعلًا بذلك الحرب الأهلية.

خلال الأشهر العديدة التالية، اشتبك مؤيدو قيصر بسيوفهم مع قوات بومباي في كل أنحاء إيطاليا وإسبانيا واليونان وشمال أفريقيا، حتى جاءت نقطة التحول الحاسمة عام 48 قبل الميلاد. ففي معركة فارسيلوس، تغلب قيصر بحيلته الواسعة على جيش بومباي، رغم امتلاكه لقوات أقل بشكل كبير من بومباي. ثم هرب بعدها بومباي إلى مصر في أعقاب هزيمته، ليتم خيانته ويُقتل على يد ملك مصر الشاب. وكان موت بومباي كفيلًا بتحقيق الانتصار لقيصر. وبعدما هزم آخر قوات بومباي في مصر وإسبانيا عاد إلى روما ليُعلن نفسه ديكتاتورًا لمدى الحياة في بداية عام 44 قبل الميلاد. لكن فترة حكمه كانت قصيرة؛ ففي 15 مارس تم اغتيال قيصر على يد مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الروماني.

اغتيال قيصر


الحرب بين أنطونيو وأوكتافيوس

ربما اعتقد المتآمرون الذين اغتالوا يوليوس قيصر أنهم بهذا ينقذون الجمهورية الرومانية، ولكن الحقيقة أن أفعالهم بعد ذلك جلبت نهايتها التامة وإن كان هذا قد تم بدون قصد منهم. فقد اندلعت موجة من الاضطرابات والحروب الأهلية عقب مقتل قيصر، وصار وريث عرشه أوكتافيوس وقائد قواته أنطونيو المتنافسين الرئيسيين لحكم روما. كان الثنائي حلفاء لفترة الحكم الثلاثي الثاني، ولكن بحلول عام 32 قبل الميلاد، كانا قد افترقا بسبب طموحهما وبسبب العلاقة الفاضحة بين أنطونيو وملكة مصر كليوباترا، ومهد إقناع أوكتافيوس لمجلس الشيوخ بإعلان الحرب على كليوباترا الطريق لمعركة يستولي الفائز فيها على حكم روما.

بعد عدة أشهر من المناورة، تواجهت أخيرًا قوات أوكتافيوس ضد قوات أنطونيو وكليوباترا عام 31 قبل الميلاد، في معركة أكتيوم البحرية. رغم زيادة عدد سفن أنطونيو عن أوكتافيوس قليلًا، لكنه وجد نفسه في موقف حرج بسبب حنكة ومهارة القائد الفذ لأسطول أوكتافيوس أجريبّا. وبمرور الوقت وانقلاب كفة المعركة ضده، هرب أنطونيو بجزء من الأسطول مع كليوباترا إلى الإسكندرية، ثم قام العاشقان بالانتحار بعدها بعام تاركين الفرصة لأوكتافيوس لإحكام سيطرته على الجمهورية الرومانية المحتضرة. حكم أوكتافيوس روما وكان أول من نصّب نفسه بلقب مهيب “أغسطس”.

معركة أكتيوم البحرية


عام الأباطرة الأربعة

وضع عهد أغسطس الزاهر البداية لأسرة جوليو-كالودين الحاكمة والتي استمرت في الحكم لما يقارب القرن. ولكن مع انتحار الإمبراطور نيرون سيء السمعة عام 68 بعد الميلاد، شهدت روما فترة مضطربة من الحرب الأهلية، وتناوب أربعة رجال على العرش في غضون 18 شهرًا فقط. وكان الأول هو جالبا حاكم إسبانيا العجوز، والذي نصبه مجلس الشيوخ كإمبراطور قبل وفاة نيرون بفترة وجيزة، ولكن طبيعته الاستبدادية لم تحظ بأية شعبية وسرعان ما قُتل على أيدي الحرس الإمبراطوري البريتوري وحل محله حليفه السابق الذي يُدعى أوتو.

ولسوء حظ أوتو أتى صعوده إلى العرش مع بزوغ نجم شخص آخر مرشح بقوة لأن يُصبح الحاكم. وبعد مرور 3 أشهر فقط في الحكم تم هزيمته واستبداله بالقائد فيتليوس، وهو حاكم عسكري تم إعلانه كإمبراطور على أيدي رجاله. كان فيتليوس حاكم قاسٍ وشره، حتى إنه كان يُقيم المآدب أربع أو خمس مرات يوميًا. ولكنه لم يدم طويلًا على العرش هو الآخر. فقد نصبت الجيوش في منطقة يهودا قائدها فسبازيان إمبراطورًا، وفي خريف عام 69 بعد الميلاد، عبروا إلى روما وسحقوا المدافعين عن فيتليوس في المعركة الدموية في كريمونيا. وتم إجبار فيتليوس على المشي نصف عارٍ في شوارع المدينة ثم تم قتله، وتم إعلان أن فسبازيان هو القيصر الجديد. ورغم استيلائه على السلطة بطريقة دموية ووحشية فقد أثبت أنه زعيم كفء وعاشت روما في عهده فترة استقرار نسبي.

كارثة القرن الثالث

في عام 235 بعد الميلاد تم قتل الإمبراطور الشاب ألكسندر سيفيروس على يد قواته خلال معسكر على شاطئ الراين، ولم يكن هذا الانقلاب العسكري ليأتي في وقت أسوء من هذا، فقد كانت روما ترزح بالفعل تحت ضغط الغارات المتواصلة التي تشنها عليها القبائل البربرية، فتسبب الانقلاب في بدء فترة من عدم الاستقرار السياسي والحرب الأهلية في روما، واللذان جعلا الإمبراطورية تركع على ركبتيها في النهاية. واستمر بعدها الصراع على العرش الروماني من قبل الكثير من القادة العسكريين والسياسيين لمدة 35 عامًا. وقُتل أغلبهم في معركة من المعارك على أيدي أعدائهم أو تم اغتيالهم على أيدي رجالهم. وليزداد الأمر سوءًا، تزامن القتال مع خطر الطاعون بالإضافة لتزايد خطر قبائل القوط والفرس وعدة قوى خارجية أخرى.

مع تصاعد الفوضى، انقسمت الإمبراطورية مؤقتًا إلى ثلاث دول مختلفة، تم بعد ذلك استعادة الوحدة مرة أخرى على يد الامبراطور أورليان، والذي أبعد أعداء روما عن حدودها مرة أخرى وأعاد احتلال مناطقها التي سُلبت منها. ولكن عاد الوضع كما كان مرة أخرى بعد موته، ولم تنته الكارثة تمامًا حتى أواخر القرن الثالث، حينما أجرى ديوكلتيانوس العديد من الإصلاحات غير المسبوقة، والتي قسمت روما إلى إمبراطوريتين شرقية وغربية، يتم حكمهما بواسطة مجلس رباعي مكون بواسطة اثنين بلقب أغسطس وآخرين أقل درجة بلقب قيصر.

تمثال للحكومة الرباعية


الحكومة الرباعية والحرب الأهلية

سهلت إصلاحات ديوكلتيانوس حكم روما على المدى القصير، ولكن وجود عدة أباطرة أيضًا كان السبيل الأمثل لإشعال حرب أهلية مجددًا. وأتت أول الخلافات القوية عام 306 بعد الميلاد، عندما تآمر مغتصب الحكم ماکسنتیوس – ابن حاكم سابق يُدعى ماكسيميان – مع الحرس الإمبراطوري لتنصيبه إمبراطورًا لروما، فقام إمبراطور روما الغربية سيفيروس على الفور بتسيير جيش للمدينة لإيقافه، ولكن رجاله خذلوه ثم تم إعدامه بعد ذلك عندما استدعى ماکسنتیوس والده شديد الشعبية ليحكم الجزء الخاص به.

وخلال الأعوام التالية انشغلت قيادات روما المطالبين بالعرش بحبك المؤامرات ضد بعضهم البعض، ولم يكن عدد المطالبين بالعرش ولقب أغسطس في أية لحظة أقل من 6 أشخاص، وتحولت المكائد في النهاية عام 312 بعد الميلاد، إلى حرب صريحة حينما غزا الإمبراطور قسطنطين إيطاليا من خلال جبال الألب وقتل ماكسنتيوس في معركة جسر ملفيان. وكون قسطنطين حلفًا مع الإمبراطور لیسینیوس، ولكنه تحول ضده في وقت لاحق مما أشعل حربًا أهلية أخرى. وعندما هدأت الأمور مرة أخرى عام 324 كان مجلس الحكم الرباعي قد انتهى للأبد، وأصبح قسطنطين الحاكم الأوحد لكل من الإمبراطورية الرومانية الشرقية والغربية، وسطر نظامه فصلًا جديدًا في تاريخ روما – فقد كان أول إمبراطور يتحول إلى المسيحية – ولكن كان الاستقرار الحادث في عهده لفترة مؤقتة فقط، فلم تكد تمر عدة عقود بعد موته حتى انقسمت روما مرة أخرى إلى إمبراطوريتين شرقية وغربية.


هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد