كان بوبليوس كورنيليوس سكيبيو أفريكانوس جنرالًا رومانيًّا ورجل دولة، أنقذ روما وهزم هانيبال، ومهَّد الطريق أمام توسُّع روما خارجيًّا.

نشر موقع «ذا كوليكتور»، الذي يهتم بالتاريخ القديم والفن والفنانين، مقالًا لفيدران بيليتا، باحث دكتوراة يهتم في الأساس بالتاريخ القديم، لا سيما العصر الروماني المتأخر، تحدث فيه عن الجنرال الروماني سكيبيو أفريكانوس، أو شيبيون الأفريقي، الذي يُعد واحدًا من خِيرة القادة العسكريين على مر التاريخ، والذي اشتهر بانتصاره على هانيبال في معركة زاما التي حسمت الحرب البونيقية الثانية.

وفي مطلع مقاله يشير الباحث إلى أن سكيبيو أفريكانوس عاش حياةً رائعةً. وتميزت مرحلة الشباب التي عاشها بأحد أكثر الأحداث المؤلمة في تاريخ روما – غزو إيطاليا على يد القائد هانيبال. وانطلاقًا من كونه شاهد عيان على مذبحة كاناي، قضى سكيبيو السنوات التي أعقبت ذلك في دراسة خصمه – هانيبال – من أجل إلحاق الهزيمة بذلك الداهية.

وبعد أن غزا سكيبيو إسبانيا ليحرم هانيبال من قاعدة قوته، صدم سكيبيو الجميع بالضربات التي وجَّهها إلى نواة قوة قرطاج – أفريقيا. وأصبح سكيبيو أسطورة بعد انتصاره في معركة زاما، ولذلك لُقِّب بـ«أفريكانوس أو الأفريقي». ولكن نجاحه المبهر هذا جلب له بعض العداوات، لا سيما في روما من جانب بعض أقوى الرجالات.

وبدلًا عن الإشادة به، والثناء عليه لإنقاذه روما من الوقوع في الهاوية التي كانت تقف على مشارفها، طُرِد سكيبيو من الساحة السياسية، وقضى السنوات الأخيرة من حياته في عزلة حتى مات. ومن المفارقات أن التاريخ أغفل أيضًا سكيبيو، وإنجازاته التي حقَّقها، وأشاد بدلًا عن ذلك بهانيبال وما حققه.

أول لقاء يجمع سكيبيو بهانيبال

أشار الكاتب إلى أن سكيبيو أفريكانوس وُلِد حوالي عام 236 قبل الميلاد. وكان ينتمي إلى عشيرة كورنيليا، وهي واحدة من أقدم العائلات الرومانية وأكثرها شهرة. ولم يُعرَف أي شيء عن طفولته، ولكنه تربى ليكون رجل دولة في الجمهورية الرومانية، وكان يشارك في التدريبات العسكرية في سن مبكرة. ولهذا أصبح سكيبيو أحد أعظم الجنرالات في تاريخ روما.

كان عُمِر سكيبيو لا يتجاوز 17 عامًا عندما اندلعت الحرب البونيقية الثانية عام 218 قبل الميلاد. وصَدَم القائد القرطاجي هانيبال روما عندما تقدَّم لغزو إيطاليا عبر قمم جبال الألب الثلجية، والتي كان لا يمكن اجتيازها بحسب التقليد السائد آنذاك. كما صَدَم هانيبال الرومان مرةً أخرى بعدما هزم جيشُه الجحافلَ الرومانية في معركة تيسينيوس التي حوصر فيها الجيش الروماني ووالد سكيبيو نفسه.

Embed from Getty Images

وهنا انبرى الشاب سكيبيو ليحشد القوات الرومانية لأول مرة لإنقاذ والده. وهرب العدو وأنقذ والده وحصل على جائزة شرفية لشجاعته، والتي كانت مُصمَّمة على شكل إكليل من خشب البلوط. وتظل الشجاعة والتواضع صفتين تحلَّى بهما سكيبيو طوال حياته.

وكانت معركة تيسينيوس أولى المعارك في سلسلة الهزائم الرومانية التي تقدَّم هانيبال من خلالها عبر إيطاليا. ولم يَرْقَ الانضباط العسكري الروماني واللوجستيات المتوفرة إلى تكتيكات هانيبال، الذي كان يحيك لهم الحِيَل، وينصب الكمائن والفخاخ المحكمة ليُلْحِق الهزائم بالفيالق الرومانية واحدًا تلو الآخر خلال ثلاث سنوات من الصراع الدموي.

وأخيرًا وفي عام 216 قبل الميلاد قاد هانيبال جيشه ليُمْنِي الرومان بأعظم كارثة عسكرية في التاريخ الروماني في معركة كاناي. وفي تلك المعركة لقي حوالي 50 ألف روماني مصرعهم في يوم واحد أثناء القتال. وكان سكيبيو واحدًا من القلائل الناجين، وأظهر قيادة عظيمة من خلال تنظيم أكبر مجموعة من الناجين وقيادتهم إلى بر الأمان.

ومن وجهة نظر الرومان كانت معركة كاناي هزيمة مروِّعة. لكن من وجهة نظر سكيبيو كانت ساحة المعركة مكانًا للتعرف على تكتيكات هانيبال وإستراتيجيته.

سكيبيو يقود لواء الهجوم

وأفاد الكاتب أنه في العام نفسه الذي سُحِق فيه الجيش الروماني في معركة كاناي، عاد والد سكيبيو إلى إسبانيا. وكان يعتقد أنه لا يمكن هزيمة هانيبال باستخدام الإستراتيجيات التقليدية. ولكن في عام 211 قبل الميلاد، لقي والد سكيبيو مصرعه في المعركة، تاركًا روما في حالة من الفوضى. ومع فقدان أرواح العديد من الأرستقراطيين، حرص قليل من الناجين على تولي القيادة. ومن ثم تطوَّع الشاب سكيبيو، فأعطاه مجلس الشيوخ منصب الحاكم، وكانت سلطته العسكرية في المرتبة الثانية بعد القنصل. وكان سكيبيو يبلغ من العمر آنذاك 26 عامًا فقط، وقرر مهاجمة إسبانيا. وواجهت فيالقه الرومانية ثلاثة جيوش قرطاجية بقيادة صدربعل شقيق هانيبال.

وبدلًا عن التروِّي لتدعيم قواته، قرر سكيبيو توجيه ضربات مباشرة إلى قلب العدو. وكانت قرطاجنة نوفا (مدينة قرطاجنة الحالية) أهم مدينة قرطاجية في إسبانيا، وكانت معقلًا هائلًا لقوات هانيبال، يُنظر إليها على أنها سد منيع. وكانت المدينة محاطة ببحيرة طبيعية، ولا يمكن حصارها إلا عبر برزخ ضيق. ولكن سكيبيو الداهية عَلِم من بعض الصيادين المحليين أنه يمكن عبور البحيرة عند انخفاض المَد. وبهذا قاد سكيبيو هجومًا مفاجئًا على المدينة واستولى عليها.

وكان سقوط مدينة قرطاجنة نوفا سببًا في تغيير معادلة الصراع في إسبانيا. وأصبح لدى الرومان آنذاك قاعدة عمليات آمنة، ومركز إمداد، ومصدر للموارد العسكرية. والأهم من ذلك أن سكيبيو سمح لقواته بنهب المدينة لكنه منعهم من ذبح سكانها.

ومن ثم أعاد سكيبيو الرهائن النبلاء، الذين أسَرَهم القرطاجيون من أقوى قبائل إسبانيا إلى ديارهم. وكان تكتيكه المتمثل في الرأفة والرحمة تجاه السكان المحليين سببًا في أن الناس بدأوا ينظرون إلى روما وكأنها جاءت لتحررهم، وليس لتغزوهم، وسيلعب هذا التكتيك دورًا حاسمًا في حربه ضد قرطاج.

غزو إسبانيا

وبعد ذلك حارب الرومان القوات القرطاجية في إسبانيا في سلسلة من المعارك دامت أربع سنوات. وكان سكيبيو يستخدم التكتيكات التي تعلمها من هانيبال طوال هذه المعارك. وفي عام 208 قبل الميلاد، وفي معركة بيكولا، استخدم سكيبيو مناورة جديدة لأول مرة (الكمَّاشة). وكان يواجه صدربعل، وألحق به الهزيمة، لكنه فشل في القبض عليه. وعَبَر صدربعل وقواته المتبقية جبال البرانس، وكانوا يخططون للانضمام إلى شقيقه هانيبال. ولكن صدربعل قُتل في المعركة.

وبهذا أضحى سكيبيو صاحب اليد العليا في إسبانيا، لكن قرطاجنة كانت لا تزال تسيطر على جيشين قويين. وفي عام 206 قبل الميلاد، التقت قوة رومانية بالجيش القرطاجي في إليبا بجنوب إسبانيا. وكان عدد القوات القرطاجية يفوق عدد القوات الرومانية، ولهذا شعر قائدها ماجو، شقيق هانيبال، بالثقة في تحقيق النصر، واستخفَّ بالعقل التكتيكي الحاد للجنرال الروماني. واستطاع الرومان هزيمة الجيش القرطاجي، ولم ينقذه من الإبادة الكاملة سوى أمطار غزيرة مفاجئة. وكان الانتصار الروماني في إليبا بمثابة نهاية للحكم القرطاجي في إسبانيا.

سكيبيو أفريكانوس

ولفت الكاتب إلى أنه بعد إحكام السيطرة على إسبانيا، عاد سكيبيو إلى روما؛ حيث استُقبِل استقبال الفاتحين، وتولى منصب القنصل، وكان عمره 30 عامًا فقط. وكان سكيبيو مصممًا على هزيمة هانيبال، واقترح على مجلس الشيوخ خطة جريئة تتمثل في نقل الحرب إلى أفريقيا. وكانت هذه خطة جريئة وخطيرة، ولم يكن مجلس الشيوخ راغبًا في الموافقة عليها. وفضلًا عن ذلك أدَّت شعبية سكيبيو المتزايدة إلى تخويف خصومه السياسيين الذين رأوا فيه تهديدًا للجمهورية.

وفي النهاية سمح له مجلس الشيوخ باستخدام صقلية قاعدةً للعمليات. ولكنهم لم يعطوه سوى عدد محدود من القوات – ولكنها قوات من الجنود المهزومين في معركة كاناي، وكانوا جنودًا محبطين مكسورين.

لكن الجنرال الشاب كان قوي الإرادة. وفي أقل من عام درَّب هؤلاء الرجال وأعدَّهم إعدادًا جيدًا. وذكَّرهم أيضًا بأن الانتصار في أفريقيا هو فرصتهم لرد اعتبارهم. وهكذا أصبح قدامى المحاربين نواةً لجيش سكيبيو، إلى جانب بعض الحلفاء والمتطوعين.

وفي صيف عام 204 قبل الميلاد، هبطت قوات سكيبيو التي يبلغ تعدادها حوالي 25 ألف رجل على شواطئ شمال أفريقيا. وبعد ذلك بعام هزمت تلك القوات جيوش القرطاجيين والنوميديين واستولت على مدينة أوتيكا الساحلية، وبهذا فقدت قرطاجنة أهم حليف لها، وأصبح قلبها الآن مهددًا من قبل الجحافل الرومانية.

معركة زاما

وأوضح الكاتب أن قرطاجنة اضطرت إلى استدعاء هانيبال من إيطاليا كما توقَّع سكيبيو. وفي عام 202 قبل الميلاد التقى أعظم جنرالين في عصرهما أخيرًا في ساحة المعركة. وكانت معركة زاما مختلفة تمامًا عن معركة كاناي؛ كلا الجانبين متساويان في العدد، لكن كان لدى الرومان سلاح الفرسان لأول مرة في الحرب. وكان هانيبال ينوي استخدام أفياله الثمانين لصدمة الرومان. ولكن سكيبيو فتح ممرات واسعة في الخطوط الرومانية أدَّت إلى تخويف هذه الوحوش المخيفة التي هرعت ببساطة عبر الممرات.

وأخذ سكيبيو بزمام المبادرة، فأمر سلاح الفرسان النوميدي والروماني بمهاجمة الفرسان القرطاجيين الذين يحمون أجنحة هانيبال. وحان الوقت لكي ينفذ سكيبيو خطة الكمَّاشة ليحاصر قوات العدو بقوات المشاة الثقيلة.

وانهارت القوة القرطاجية، ومات 20 ألف قرطاجي على رمال زاما. وأدرك هانيبال أن الهزيمة لا مفر منها؛ ففر عائدًا إلى قرطاج، وانتهت الحرب البونيقية الثانية بانتصار روما.

نهاية حزينة

وبعد معركة زاما أصبحت قرطاجنة دولة عميلة لروما. واستولت روما على جميع سفنها الحربية وأفيالها الحربية، وأصبح حليف قرطاجنة الأكثر قيمة، نوميديا​​، حليف روما الآن. وأصبحت قاعدة هانيبال القوية، إسبانيا، خاضعة للسيادة الرومانية.

وأصبح الرجل الذي حقق هذا النصر، الجنرال الذي هزم أعتى عدو واجهته روما على الإطلاق، يعرف الآن باسم سكيبيو أفريكانوس. وبدا أن سكيبيو أمامه مستقبل مشرق؛ إذ كان شابًا قويًّا، مؤثرًا، وثريًّا، وكان معشوق الجيش والشعب الروماني. لكن النظام الروماني لم يكن فيه مكان لمثل هذا الرجل؛ إذ كان لا يسمح لأي فرد باكتساب سلطة كبيرة، وكان وقت سولا أو قيصر لم يحن بعد. ولهذا ترك سكيبيو أفريكانوس الساحة السياسية.

وحان وقت الواجب الأخير لسكيبيو تجاه الجمهورية في عام 190 قبل الميلاد، عندما رافق شقيقه في حملة عسكرية ضد الملك السلوقي أنطيوخوس الثالث. وفي معركة مغنيسيا، نفَّذت الجيوش الرومانية تكتيكات ابتكرها سكيبيو وفازت في المعركة.

Embed from Getty Images

ومن مفارقات القدر أن منقذ روما توفي في العام نفسه الذي مات فيه أسوأ عدو لروما؛ هانيبال الذي كان يبلغ من العمر 53 عامًا فقط. ومات سكيبيو أيضًا وحيدًا في المنفى بعد أن نبذته الجمهورية. وبدلًا عن الحصول على الأوسمة والتكريم لانتصارهما في آسيا الصغرى، اتُّهم سكيبيو وشقيقه بتلقي رشوة من الملك أنطيوخوس. وخضع سكيبيو للمحاكمة التي أدانته، ولهذا تقاعد نهائيًّا وعاش في عزلة حتى مات. وانعكس اشمئزاز سكيبيو من رد فعل روما تجاه سنوات خدمته في نقشٍ مكتوب على ضريحه:

«أيا أرض الأجداد الكنود – لن تحصلي ولو على عظامي». وكانت نهاية حزينة لواحد من أعظم جنرالات روما.

هل سكيبيو أفريكانوس أعظم جنرال في روما؟

اختتم الباحث مقاله بالإجابة عن هذا السؤال قائلًا: ربما كان كذلك؛ لأنه لم يخسر معركة مطلقًا، وهزم أخطر عدو واجهته روما على الإطلاق، وكان محاربًا ماهرًا، وقائدًا، موهوبًا. لقد مهَّد سكيبيو الطريق لإمبراطورية مستقبلية، وكان ما فعله أساس التوسع الروماني في أفريقيا وآسيا، والسيطرة على البحر الأبيض المتوسط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد