الفترة الأكثر تقلبًا في تاريخ المملكة على مدى أكثر من نصف قرن.

أثارت موجة الاعتقالات التي أطلقتها القيادة السعودية، نهاية الأسبوع الماضي، زلزلةً في أوساط المستثمرين المحتملين في حملة التحديث التي تطمح لها المملكة العربية السعودية، من خلال بناء مدينة جديدة، وتنويع الاقتصاد، وبيع جزء من شركة النفط السعودية المملوكة للدولة. يحاول «ستيفن مافسون» تحليل تلك الموجة التي وصفها بـ«التطهير الملكي»، والوصول لتبِعاتها على المملكة، فضلًا عن سوق النفط.

يقول «ستيفن»، في تقرير له نشرته «واشنطن بوست»، إن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قد دفع حملة التحديث –التي أطلق عليها اسم «رؤية 2013»- حتى أصبحت محور خطته للمملكة، وهي خطة تجمع بين الإصلاحات الاقتصادية، و«خطوات متواضعة» نحو التحرر الاجتماعي.

اقرأ أيضًا: «ليلة بلا قمر».. ابن سلمان يطيح باقي المعارضة في العائلة!

محاولات إصلاح اقتصادي

لكنه يعتقد أن تشتت المملكة بسبب حصارها لقطر، والحرب التي طال أمدها في اليمن، قد اضطرها إلى تقليص بعض الإصلاحات الاقتصادية المحلية الضرورية، والقاسية في نفس الوقت، حسب قوله. ويبدو أن التطهير الداخلي المفاجئ الآن، والذي أطاح الاقتصاديين التكنوقراطيين، وأمير ملياردير، وغيرهم من أفراد العائلة الملكية، لم يدع مجالًا للخبراء سوى التساؤل حول الهدف منه، هل هو تطهير يستهدف الفساد أم المنافسين السياسيين لولي العهد؟

قال «بروس ريدل» -مدير مشروع الاستخبارات في معهد بروكينجز ومؤلف كتاب «Kings and Presidents» ملوك ورؤساء- في رسالة بالبريد الإلكتروني إن «المملكة تقف الآن عند مفترق طرق»، مشيرًا إلى أن الفترة الحالية من تاريخ المملكة، والتي تشهد «تباطؤ اقتصادها مع انخفاض أسعار النفط، ومستنقع الحرب في اليمن، وفشل حصار قطر، وتفشي النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا والعراق، فضلًا عن علامات الاستفهام التي تحيط بولاية العهد»، بأنها «الفترة الأكثر تقلبًا في تاريخ المملكة على مدى أكثر من نصف قرن».

يقول الكاتب إن أحد المحكّات المفصلية للمملكة، تتمثل في الطرح العام الأولي المرتقب لـ5% من أسهم شركة أرامكو السعودية، جدير بالذكر أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قد شجع الطرح للاكتتاب العام للأسهم باعتباره أحد سبل إظهار مدى شفافية المملكة، فضلًا عن حتمية تنويع اقتصادها.

يشير الكاتب إلى بعض تحركات ولي العهد في سبيل تنفيذ رؤيته، إذ روج لخطته «رؤية 2030» أثناء لقائه بالرئيس الأمريكي في المكتب البيضاوي في مارس (آذار) الماضي، بهدف الاستفادة من قوة المملكة النفطية العالمية في تنمية اقتصادية موسعة داخليًّا. إضافة إلى تسليط كل من القادة السعوديين والرئيس الأمريكي الضوء على صفقات بين البلدين لتعزيز الصناعة في المملكة العربية السعودية، وليس مجرد صفقات شراء المعدات، أثناء زيارة ترامب للمملكة في مايو (أيار) 2017، إلا أن أغلب تلك الصفقات ما زالت قيد التفاوض، ومن المرجح أن يكون المبلغ النهائي جزءًا من المبالغ الإجمالية المعلن عنها. وجدير بالذكر أن «جاريد كوشنر» مستشار الرئيس الأمريكي وصهره، زار الرياض زيارةً مفاجئةً الأسبوع الماضي.

إلا أن «ريدل» يحذر من أن «الرئيس الأمريكي ترامب يربط سياسته الإقليمية بزعامة غير مستقرة بشكل متزايد».

اقرأ أيضًا: بيع «أرامكو المقدسة» يُرعب السعوديين من المُستقبل

اعتقالات تهدد الاستثمار

يقول الكاتب إن منذ زيارة ترامب، واصلت الحكومة السعودية بحثها عن مستثمرين؛ إذ عقد مؤخرًا مؤتمر استثماري كبير في الرياض، فضلًا عن إعلان الأمير محمد بن سلمان الشهر الماضي عن خطط بناء المدينة الجديدة في شمال غرب السعودية بتمويل استثماري بقيمة 500 مليار دولار أمريكي.

ويشير إلى أن جملة الإجراءات المفاجئة التي اتخذتها المملكة في عطلة نهاية الأسبوع، والتي تشمل عزل «عادل الفقيه» وزير الاقتصاد والتخطيط وعضو المجلس الرقابي السعودي من منصبه، ربما تنعكس على الاستثمارات الدولية في السعودية. قال «جريجوري جوس» رئيس قسم الشئون الدولية في كلية بوش للخدمات العامة والشئون الحكومية في جامعة تكساس، أيه آند إم، في رسالة بالبريد الإلكتروني، إن «موجة الاعتقالات تمس صميم قضية الاستثمار»، ووصف توقيت الاعتقالات بأنه «محيرٌ».

يؤكد «جوس» أنه «إذا كان هذا هو تعريف الفساد الجديد في المملكة العربية السعودية، أعتقد أن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا كي يكتشف كل من القطاع الخاص المحلي والمستثمرين الأجانب حقيقة ما يحدث»، ويعتقد أن المستثمرين الأجانب والمحليين في هذه الأثناء «سيكونون حذرين بشأن الاستثمار، في حين أن نمو الاستثمار والقطاع الخاص هما محور رؤية 2030». يذكر الكاتب على سبيل المثال موقف المستثمرين الحذر عند نظرهم إلى خطط أرامكو للاكتتاب العام، إذ لم يتضح بعد ما إذا كان الاكتتاب العام لأسهمها سينعقد في لندن، أم نيويورك. جدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي قال في تغريدة يوم السبت: «نقدّر كثيرًا طرح المملكة العربية السعودية شركة أرامكو للاكتتاب العام بسوق الأوراق المالية في نيويورك»، واصفًا ذلك بأنه «مهم للولايات المتحدة».

لكن يذكر الكاتب أن من ناحية أخرى، يساور العديد من الخبراء السعوديين، الذين يعتقدون أن شركة أرامكو السعودية تخفي مدفوعات ضخمة للأسرة المالكة، الشكوك حول مدى قدرة العاهل السعودي وولي عهده على جعل الطرح شفافًا بما يكفي للمستثمرين الدوليين؛ لا سيما أن حركة الاعتقالات الأخيرة تعد داعيًا آخر للتروي. ويعتقد بعض المحللين أن هناك احتمالية طرح اكتتاب خاص مع الشركات الروسية والصينية. يعتقد «جوس» أن «التصعيد الأخير يدق ناقوس الخطر»، مهددًا كل من شركة أرامكو، ومفهوم الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد، وأضاف أن الصين «قد تكون أحد المخاطر التي تهدد شركة أرامكو».

وعلى الرغم من كل تلك الملابسات، يقول الكاتب إن في الوقت الراهن ما يزال يسير طرح الاكتتاب العام في طريقه المخطط له؛ إذ يشير «روبرت ماكنالي» رئيس شركة رابيدان إنيرجي جروب الاستثمارية، في إحدى رسائل البريد الإلكتروني إلى أن «تغريدة الرئيس الأمريكي توحي بأن الاكتتاب العام لأسهم شركة أرامكو ربما لم يلغ بعد كما ورد». حتى أن البعض يعتقدون أن موجة الاعتقالات ما هي إلا دليل على أن الاكتتاب العام لأسهم أرامكو، والإصلاحات الاقتصادية القاسية ستستمر، حتى لو كان يعني هذا الإفصاح عن المخالفات في شركة أرامكو السعودية.

استهداف الفساد أم المعارضين؟

عين العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز الأمير محمد رئيسًا للجنة العليا للتحقيق في الفساد، فضلًا عن رئاسة مجلس للإشراف على شركة أرامكو السعودية. وقال العاهل السعودي إن سبب اتخاذ تلك الخطوات هو «ما لاحظناه من استغلال بعض النفوس الضعيفة، الذين أعلوا مصالحهم الخاصة فوق المصلحة العامة، من أجل تربح الأموال بطرق غير مشروعة».

ووفقًا لما ذكره تقرير صحيفة «بلومبرج نيوز» نقلًا عن صحيفة «الاقتصادية» السعودية، كان «إبراهيم العساف» وزير المالية السابق والمدير الحالي لشركة أرامكو السعودية، من بين مجموعة الأمراء والوزراء -سواء الحاليين أو السابقين- الـ17 الذين ألقي القبض عليهم في عطلة الأسبوع الماضي. وحسب ما ذكرته «بلومبيرج نيوز» نقلًا عن موقع «الأخبار 24» المحلي، فإن العساف اعتقل على خلفية تهمة فساد مرتبطة بمشروع توسع حضاري في مكة المكرمة.

يقول «جان فرانسوا سيلزنيك» المتخصص في مجال الأعمال والتمويل بالشرق الأوسط، في رسالة بالبريد الإلكتروني: «أعتقد أن الاعتقالات تشير إلى أن ولي العهد قرر حقًّا استخدام ذريعة الفساد لتأديب العائلة المالكة». ويضيف «سيلزنيك» الذي درّس في مدارس الأعمال والخدمات الأجنبية في جامعة جورج تاون أن «العاهل السعودي يعلم جميع أسرار العائلة المالكة. ومن خلال ضرباته القاسية الموجهة نحو الأمراء المعروفين بالفساد، وكذلك نحو رجال الأعمال المعروفين بأنهم على مقربة من الفساد، فهو يرسل إشارة للعائلة المالكة بأنها سوف تُضطر إلى مسايرة مبدأ الشفافية في كل من الأعمال التجارية، ورقابة المجتمع». ويعتقد أن ولي العهد يدرك تمامًا أنه لن يستطيع الطلب من البلد بأكمله تغيير مواقفهم فيما يتعلق بالضرائب والإعانات، إلا من خلال «وضع الأسرة المالكة تحت طائلة القانون، وليس فوقه كما كان الحال فيما مضى».

بيد أن «ريدل» يرى أن الحملة الموجهة لمكافحة الفساد ستفقد مصداقيتها إن بدت كأداة لمعاقبة المعارضين السياسيين لولي العهد. فضلًا عن أن المستثمرين يتطلعون إلى مؤشرات أخرى للإصلاحات الداخلية.

اقرأ أيضًا: مقرن ليس وحيدًا.. 4 قادة عرب لقوا حتفهم في ظروفٍ غامضة والسر «هليكوبتر»

النفط السعودي

أما عن الوضع الاقتصادي السعودي النفطي، يذكر الكاتب أن صندوق النقد الدولي أعلن في يوليو (تموز) الماضي أن المملكة ستشهد عجزًا بنسبة 9.3% في إجمالي الناتج المحلي هذا العام، وأن نسبة البطالة بلغت نحو 12.3%، وأضاف أنه من المتوقع أن يصل النمو غير النفطي إلى نسبة 1.7%، إلا أن بسبب أسعار النفط الضعيفة نسبيًّا ستبقى نسبة نمو إجمالي الناتج المحلي «قريبة من الصفر». ويقول الكاتب إن الحكومة السعودية كانت قد تعهدت بخفض الإعانات السخية في قطاعات الطاقة، والغذاء، والخدمات الاجتماعية، ورجال الدين، لكن تخوفها من المعارضة المحلية، ساهم في تأجيل تطبيق التخفيضات في الدعم.

يعتقد «ريدل» أن السعوديين «يتجهون نحو الركود الاقتصادي»، معللًا ذلك بأنهم نجحوا حتى الآن في «عكس مسار خفض رواتب القطاع العام، وخفض الدعم غير المحبب شعبيًّا» على حد وصفه، في حين أنهم «عوضًا عن ذلك شددوا على التغيرات الاجتماعية في الترفيه وقيادة المرأة»، التي يصفها بأنها «لا تغير من اعتماد المملكة المفرط على الدخل النفطي».

يذكر الكاتب أن أهمية المملكة الصحراوية في مجال النفط ستظهر في اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط يوم الثلاثاء، وسيُهيمن السعوديون باعتبارهم أكبر مصدر للنفط عالميًّا على الجلسة، مستعرضين أهمية حجم صادرات السعودية من النفط الخام للاقتصاد العالمي؛ إذ تصدر يوميًّا 10 ملايين برميل من النفط الخام، وذلك على الرغم من الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط الأمريكي في السنوات الأخيرة.

جدير بالذكر أن الموقف السعودي المتمثل في الحد من إنتاجها للنفط بمقدار كافٍ يسمح باستنزاف مخزونات النفط العالمية ببطء، وزيادة الأسعار تدريجيًّا، قد بدأ يؤتي ثماره، لا سيما مع ارتفاع أسعار النفط العالمية في الآونة الأخيرة ليصل إلى أكثر من 60 دولارًا أمريكيًّا للبرميل الواحد. ويتوقع الخبراء أن احتمالات تغيير هذا الوضع قريبًا تكاد تكون معدومة.

يذكر الكاتب أن أسعار النفط كانت مستقرة نسبيًّا حتى الاثنين الماضي، كان السعر المعياري العالمي لنفط برنت الخام 62.55 دولار أمريكي للبرميل الواحد، وزاد بمعدل 48% في الساعة 10:25 صباح يوم الثلاثاء، فضلًا عن أن السعر المعياري لنفط ويست تكساس إنترميديت 55.92 دولار للبرميل الواحد، إذ زاد هو الآخر بنسبة 28%.

وختامًا يذكر الكاتب ما قاله «ماكنالي» الذي عمل في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض بأن «المملكة العربية السعودية ربما لم تَعد المنتج المرجّح في سوق النفط الدولية، لكن لا يزال لها تأثير كبير في أسواق الطاقة، والشؤون الإقليمية، والتمويل الدولي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات