قال تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية إن خيارات الرئيس الأمريكي المنتخب «دونالد ترامب» لفريقه للأمن القومي ستعيد إلى البيت الأبيض ذات السياسات التي شهدتها البلاد في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) وستدعم الحرب الشاملة على الإرهابيين الإسلاميين، وستزيد من مخاطر المواجهة مع إيران، وربما تعرض الحريات المدنية في الداخل للخطر.

وأضاف التقرير أن التعيينات التي كُشف عنها مؤخرًا – والتي شملت الجنرال المتقاعد في الجيش الأمريكي «مايكل فلين» مستشارًا للأمن القومي، والسيناتور «جيف سيشنز» لمنصب النائب العام، والنائب «مايك بومبيو» مديرًا لوكالة المخابرات المركزية – تمثل عودة حادة إلى العقلية التي سادت بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول).

إدارة الرئيس الأمريكي السابق «جورج بوش» كانت قد قامت آنذاك بتوسيع السلطات الرئاسية لتبرير «الحرب على الإرهاب»، بما في ذلك استخدام التعذيب والعمل العسكري من جانب واحد.

التقرير قال: «تعكس مواقف فريق ترامب الجديد الكثير من المتشابهات: فبينما دافع بومبيو عن استخدام الإيهام بالغرق، طالب سيشنز بوجوب منح العملاء الفيدراليين الصلاحيات لاستخدام «تقنيات  الاستجواب المعززة» الأخرى، فيما انتقد فلين القواعد العسكرية التي تهدف إلى تجنب قتل المدنيين كما القيود التي تشل القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق».

وأوضح التقرير أنه على الرغم من أن تعيين «فلين» لا يتطلب تأكيدًا من مجلس الشيوخ، فإن المرشحين لمنصب المدعي العام ومدير وكالة الاستخبارات المركزية سيكون عليهم الحصول على موافقة من زملائهم النواب، وهو الأمر المتوقع في ظل المناخ السياسي السائد في الولايات المتحدة بعد الفوز الذي حققه «ترامب» في الانتخابات الرئاسية.

ومن المتوقع أن يخضع ترشيح «سيشنز» للتمحيص نظرًا لمواقفه في الماضي، التي عكستها تعليقاته المشوبة بالعنصرية وبسبب مخاوف من أنه قد يجعل من تهديدات «ترامب» لمقاضاة منافسته الديمقراطية في الانتخابات، وزيرة الخارجية السابقة «هيلاري كلينتون»، أمرًا جادًا.

بحسب التقرير، يتبنى «فلين» وجهة النظر التي تشير إلى أن التهديد الذي يواجه الولايات المتحدة هو «الإسلام الراديكالي» وهو التهديد الذي قارنه بألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. ويقول إن الولايات المتحدة يجب أن تلتزم تمامًا بمكافحة وهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، وغيره من المتطرفين المدعومين المناهضين للولايات المتحدة. كما اتهم الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» بتقييد أيدي الجيش في الميدان، واسترضاء إيران، وعدم الاعتراف بحجم الخطر الذي يواجه البلاد.

وقال «فلين» في كتابه الذي صدر هذا العام، «ميدان المعركة»: «نحن في حرب عالمية، ولكن عددًا قليلًا جدًا من الأمريكيين يدركون ذلك».

وألمح التقرير إلى أن استجابة «فلين» لخطر الإرهاب تعيد إلى الأذهان رد فعل إدارة «بوش» لهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) – غزو العراق وتبني التعذيب والاحتجاز غير القانوني، وتقليص الحريات المدنية – التي أضرت بشدة بمكانة الولايات المتحدة في العالم، وأثرت سلبًا على جهود الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب.

وكان «باراك أوباما»، قال متعهدًا باستعادة سمعة أمريكا، التي شوهت، وبإغلاق السجن العسكري في خليج غوانتانامو في كوبا، ووضع نهاية للتعذيب، قال في أول خطاب له في حفل تنصيبه في عام 2008: «ينبع أمننا من عدالة قضيتنا، وقوة مثالنا، وصفات التواضع وضبط النفس».

التركيز الواضح التجانس للإدارة الجديدة على مكافحة الإرهاب، إلى حد استبعاد التحديات الأمنية التي تواجه الولايات المتحدة، يهدد بإلحاق ضرر دائم إضافي.

روسيا وإيران

التقرير توقع أن علاقات فريق «ترامب» الوثيقة مع روسيا، على وجه الخصوص، إلى جانب التركيز الضيق على مكافحة الإرهابيين الإسلاميين، يمكن أن يعطي موسكو مطلق الحرية لتعيد رسم الخريطة في أوروبا، وتسعى إلى استعادة الحقبة السوفييتية. وبالمثل، فإن مخاطر تركيز الإدارة الجديدة لسحب التوجه الأمريكي نحو آسيا، قد يؤدي إلى هيمنة الصين الاقتصادية والدبلوماسية وربما العسكرية -في آسيا.

في وصف الحرب العالمية ضد شبكة المتطرفين، انتقد «فلين» إدارة «أوباما» لفشلها في احتضان «الأنظمة الاستبدادية الصديقة» مثل نظام الرئيس المصري «حسني مبارك» – المخلوع في عام 2011 – التي تعارض المتطرفين الإسلاميين. ورحب «فلين» بالرجل القوي الجديد في مصر، «عبد الفتاح السيسي»، الجنرال الذي تولى السلطة بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب في البلاد.

وقد وصف «فلين» روسيا كشريك في مجال مكافحة الإرهاب – عمل مع وكالة أنباء مدعومة من الكرملين – وتصويره الصراع على أنه معركة بين الحياة والموت يذكرنا بتحذير «بوش» الشهير للحكومات بعد 11/9: «أنتم إما معنا أو ضدنا في الحرب ضد الإرهاب».

وفقًا للتقرير، أعرب بعض الديمقراطيين في الكونجرس عن قلقهم الشديد إزاء تعيينات الرئيس الأمريكي المنتخب الأخيرة وقالوا إن «فلين» أظهر استعدادًا للتغاضي عن العدوان العسكري الروسي في أوكرانيا وتدخلها الاستفزازي في سوريا لدعم نظام «بشار الأسد».

في المقابل، تبنى «فلين» وغيره من مرشحي «ترامب» للأمن القومي خطابات  مناهضة لإيران، لا سيما مع ما يعتبرونه  دورًا لطهران في دعم الإرهاب الإسلامي في جميع أنحاء العالم.

وقد شجب «فلين» الاتفاق النووي الإيراني، الذي وقع في عام 2015، ويسير على خطى المشرعين الجمهوريين في أن الولايات المتحدة بحاجة إلى اتخاذ موقف أكثر حزمًا مع طهران، بدلًا من السعي إلى ذوبان الجليد الدبلوماسي.

وقال التقرير إن الخطاب المستاء لفريق «ترامب» إزاء إيران، إلى جانب تصريحات الجمهوريين في الكونجرس، أفزع الحلفاء الأوروبيين الذين عملوا على الاتفاق النووي، الذي فرض قيودًا على برنامج طهران النووي في مقابل تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية. وقال دبلوماسيون أوروبيون في السياسة الخارجية إنهم قلقون من أن هذا النهج العدواني لإيران قد يأتي بنتائج عكسية، مما يدفع طهران إلى مضاعفة مساعيها للأسلحة النووية.

ونقل التقرير عن «جيمس جيفري»، نائب مستشار الأمن القومي في عهد «بوش»، والسفير الأمريكي لدى العراق وتركيا في إدارة «أوباما»، قوله إن «بومبيو» و«سيشنز»  يتشاركان وجهات نظر إدارة «بوش»  الجمهورية،  التي أعقبت الهجمات الإرهابية في11/9.

العودة إلى التعذيب

تنصل «أوباما» المبكر للتعذيب كانت له دلالة رمزية هامة لرفض التجاوزات في عهد «بوش» في أعقاب 11/9. وقد تبنى فريق الأمن القومي الجديد للرئيس الأمريكي المنتخب مواقف مؤيدة لإعادة تلك التجاوزات والتحركات التي من شأنها أن تضر بموقف أمريكا الأخلاقي في العالم.

ورصد التقرير ما ذكره «فلين» في مقابلة مع موقع أخبار «ياهو» في يوليو (تموز) الماضي، حيث رفض «فلين» استبعاد احتمال العودة إلى محاكاة الغرق والأساليب الأخرى التي تمت إدانتها على نطاق واسع.

كعضو في مجلس الشيوخ، صوت «سيشنز» ضد مشروع قانون لحظر ما يسمى بـ«تقنيات الاستجواب المعززة» التي شملت الضرب والإيهام بالغرق والحرمان من النوم، والتعرض لدرجات حرارة عالية.

فيما ربط «بومبيو»  المرشح لمدير وكالة الاستخبارات المركزية، ربط إصلاحات «أوباما» لسياسات التعذيب مع ما يؤمن به من نهج الإدارة الأمريكية الحالية الضعيف للحرب على الإرهاب.

الحرب على الإرهاب.. أو الحرب على الإسلام؟

قال التقرير إن «فلين» و«سيشنز»، و«بومبيو» سيذهبون إلى العمل من أجل الرئيس المنتخب، الذي عرفت حملته الانتخابية بكراهية الأجانب. اثنان من المعينين قالوا إن الإسلام نفسه – وليس تحريف تعاليم الدين – هو مصدر العنف المتطرف. المشرعين وجماعات الحقوق المدنية يشعرون بالقلق من أن الإدارة المقبلة قد تهدد الحريات المدنية للأمريكيين المسلمين وتسبب تصاعدًا متزايدًا في جرائم الكراهية، وتهدد الأمن الأمريكي. «فلين» نفسه غرد هذا العام بقوله: «الخوف من المسلمين هو أمر منطقي».

«الهجمات الإرهابية الأكثر تدميرًا على أمريكا في السنوات العشرين الماضية تأتي بأغلبية ساحقة من أتباع الدين الإسلامي وتم القيام بها باسم هذا الدين»، هكذا قال «بومبيو» في 2013 في الكونجرس وهو يدعو الزعماء الروحيين المسلمين إلى نبذ الإرهاب الإسلامي.

بينما وصف «سيشنز» دعوة «ترامب» لحظر المسلمين من دخول البلاد كالمشي على «أرضية خطيرة»، وقال أيضًا إن العديد من المهاجرين المسلمين ارتكبوا أعمال الإرهاب وأن الكثير منهم  يعتقد أنها «أمر ديني»، وفقًا لما ذكره التقرير.

واتهم «بومبيو» إدارة «أوباما» بالخجل عند مواجهة الجهاديين الذين يخططون لفرض الشريعة داخل حدود الولايات المتحدة حسب زعمه، على الرغم من أنه لم يشر إلى أي أدلة محددة.

التقرير رأى أن خطاب كراهية الإسلام الحاد للرئيس الأمريكي المنتخب يقف في تناقض صارخ مع ما حدث في أعقاب هجمات 11/9، عندما قالت إدارة «بوش» إن أمريكا ليس لديها صراع مع الإسلام نفسه. الخطاب الذي اعتمده «ترامب» ومساعدوه يهدد بعزل الدول الإسلامية المتحالفة مع واشنطن.

ويحذر خبراء مكافحة الإرهاب أن «ترامب» وفريقه للأمن القومي سيكونون أداة تستغلها الآلة الدعائية لتنظيم داعش، التي تسعى لتصوير القضية بوصفها نضالًا من أجل الإسلام. الحديث عن حظر المهاجرين المسلمين، والحفاظ على السجن العسكري في غوانتانامو، والعودة إلى التعذيب، كل ذلك غذى جهود  تنظيم داعش لمزيد من التجنيد، وحملة ترامب نفسها فعلت ذلك قبل الانتخابات.

غوانتانامو

لمكافحة الإرهاب بشكل أفضل، دعا «بومبيو»، عضو الكونجرس لثلاث فترات عن ولاية كانساس، دعا إلى «ترقية أساسية لقدرات المراقبة في أمريكا» التي من شأنها دحر الإصلاحات المتواضعة لمثل هذه البرامج التي دافع عنها «أوباما».

تحدث «بومبيو» بعبارات غامضة حول المصيدة الإلكترونية التي من شأنها أن تجمع كمًا هائلًا من المعلومات عن أهدافها.

ونقلت عنه صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية قوله: «يجب على الكونجرس تمرير قانون يعيد تأسيس جمع جميع البيانات الوصفية، والجمع بينها وبين المعلومات المالية في قاعدة بيانات بحثية شاملة. المعوقات القانونية والبيروقراطية للمراقبة ينبغي إزالتها».

وقال التقرير إنه في هذا الإطار، قد يجد «بومبيو» حليفًا مثل «سيشنز». عندما كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» في عام 2005 عن برنامج وكالة الأمن القومي للمراقبة، دافع «سيشنز» عن البرنامج.

كلا من «سيشنز» و«بومبيو» يدعمان استمرار فتح  مركز الاعتقال في القاعدة البحرية الأمريكية في غوانتانامو. حتى أن «سيشنز» دافع عن السجن لأنه يوفر لمعتقليه «النسائم الاستوائية» التي يفتقدونها في الولايات المتحدة. وقال أيضًا إنه يؤيد محاكمة الإرهابيين المشتبه بهم في المحاكم العسكرية.

العداء المشترك لإدارة أوباما

خيارات الرئيس الأمريكي المنتخب الثلاثة – حتى الجنرال الذي عمل في عهد الإدارة الحالية – يتشاركون العداء العميق تجاه أوباما وكلينتون، وينظرون إليهما باعتبارهما يقوضان مصالح أمريكا وبالخنوع لخصوم البلاد.

تعيين «فلين» من قبل «ترامب» يمثل مسارًا غير عادي بالنسبة لضابط في الجيش الوظيفي، الذي أمضى عامين من العمل في إدارة «أوباما» رئيسًا لوكالة استخبارات الدفاع.

العمل في البيت الأبيض سيكون مهمة مختلفة جدًا لشخص عرف عنه أنه يد قاتلة فعالة لمكافحة الإرهاب. تجربته في قيادة العمليات الخاصة المشتركة في العراق وأفغانستان، والفترة التي قضاها في وكالة الاستخبارات الدفاعية، يؤكدان سيرته الذاتية، ومن غير الواضح كيف سيترجم ذلك خاصة فيما يتعلق بإدارة عدد كبير من الموظفين في البيت الأبيض وتشكيل جيش البلاد.

«مايكل هايدن»، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي في عهد «بوش» ولفترة وجيزة في ظل إدارة «أوباما»، وصف «فلين» بالـ«مجتهد»، لكنه يشير إلى أن خبرته كانت في معظمها في «المستوى التكتيكي» في ساحة المعركة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد