أدرك المخرج الأمريكي ديفيد أوسيت أنه وبالرغم من اطّلاعه والوقت الذي قضاه في الشرق الأوسط، إلا أنه ما يزال عالقًا في رؤية أحادية البعد لرام الله، وذلك بعد اكتشافه جوانب الحياة والتطور لهذه المدينة الفلسطينية، ومن هذا المنطلق أخرج فيلمه الأخير الذي يتحدث عن رئيس بلديتها المهندس موسى حديد، وطرق إدراته للمدينة في هذا الوضع الاستثنائي. تنشر صحيفة «هآرتس» تقريرًا عن هذا الفيلم والصورة الحيّة المتعمقة التي يقدّمها عن المدينة.

Embed from Getty Images

مدينةٌ بوضعٍ فريد

قبل وقت قصير من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، كان رئيس بلدية رام الله موسى حديد جالسًا في مكتبه ويستمع إلى التفاصيل الأولى للحدث الذي أثار ضجة وغضبًا شديدين في الوطن العربي. يقول التقرير: إن حديد أخبر رجل دين محلي ضمن محادثة معه بالتالي «أنا منفصل عن الناس، لا أقرأ الصحف ولا أسمع أي شيء».

في الفيلم الوثائقي الذي أنتج عن موسى حديد تحت اسم «العمدة» (Mayor)، يمكن رؤية فترة أوائل شهر ديسمبر (كانون الأول) 2017 وكيف تصاعد قلق حديد فيها بشأن احتفالات عيد الميلاد المقرر إقامتها في مدينته، حيث المقر الفعلي للحكومة الفلسطينية. يقول التقرير إن حديد يبدو في الفيلم أقرب لموظف حكومي منه إلى زعيم سياسي، ويستشهد بمقولته في أحد اجتماعات مجلس المدينة: «علينا التعامل مع إدارة المدينة وترك السياسة للآخرين». ينوّه التقرير إلى أن الفيلم يمكن مشاهدته – شراءً أو استئجارًا – من خلال موقع mayorfilm.com، وهو فيلم تبلغ مدته 90 دقيقة للمخرج الأمريكيّ ديفيد أوسيت.

Embed from Getty Images

يعترف موسى حديد قائلًا: «أشعر بالغيرة حين أزور مدنًا أخرى. يمكن لهم فعل الكثير مما لا نستطيع نحن فعله»، لكنه بدا متحمسًا عند تصويره جالسًا في أحد المقاهي الجديدة في المدينة. يقول التقرير أنه لو كان الأمر متروكًا لحديد، فإنه سيحوّل رام الله إلى لاس فيجاس للسلطة الفلسطينية. وفي الوقت الذي لا يُبدي فيه حديد انزعاجًا من نقل السفارة الأمريكية، يبدو الانفعال عليه عند مناقشة مسألة تعيين شعار للمدينة: هل يكفي حرف «R» أم عليهم إزالة كلمة «are» لما سيتحول في النهاية لشعار المدينة الجديد WeRamallah؟

أجرت صحيفة «هآرتس» مقابلة هاتفية مع مخرج الفيلم الأمريكي أوسيت ووصف فيها حديد بالقول: «يمكننا استخدام موظفي خدمة عامة مثله في الولايات المتحدة. يقول دائمًا إنه سيقوم بالمهمة حتى يأتي شخصٌ آخر ليحلّ محله. إن وظيفته هي إدارة المدينة بأفضل ما يستطيع، إصلاح الطرقات، وإقامة المهرجانات، وتحسين البنى التحتية. على عكس رؤساء البلديات الآخرين، فهو لا يسيطر حتى على الشرطة في مدينته. عندما قال ترامب إنه يعتزم الإعلان عن نقل السفارة إلى القدس، سمع حديد هذا الخبر من قسّ كان يزوره».

جاغوار وبارات

ما الذي كان يبحث عنه شخصٌ أمريكي بالغ من العمر 34 عامًا في رام الله؟ يقول أوسيت إن الأمر كله بدأ من عام 2008 عند دراسته قانون اللاجئين في جامعة القاهرة: «خلال تلك الفترة زرتُ رام الله كثيرًا، وفي مرحلة معينة بدأت أهتم بصناعة الأفلام، وشاركت في إنتاج الفيلم الوثائقي الذي صدر عام 2015 تحت عنوان (Off Frame Aka Revolution Until Victory)، وبعد أربع سنوات من مغادرتي المنطقة التي عدت خلالها إلى رام الله وفوجئت كيف تغيرت، فجأة أصبحت هناك مقاهٍ وبارات محببة، ووكالة سيارات جاغوار. فكّرتُ في نفسي أنه حتى أنا – من قضى كثيرًا من الوقت في الشرق الأوسط وأتحدث العربية – كنت عالقًا برؤية أحادية البعد لما يفترض أن تبدو عليه المدينة الفلسطينية. جعلني هذا أرغب في إنتاج فيلم عن رام الله والرجل الذي يديريها، والذي عليه أن يدير مدينة دون دولة في ظلّ الاحتلال».

Embed from Getty Images

لا يخفي أوسيت رأيه السلبي في إسرائيل ووجود الجيش الإسرائيلي في الأرض: «لم أكن أرغب في صنع فيلم آخر عن الصراع الذي يُصور فيه الفلسطينيون على أنهم عنفاء أو الضحايا بالمطلق، وهو ما ما يحرم القصة من تعقيدها بالحالتين. صدرت بعض الأفلام الوثائقية الرائعة عن الاحتلال من قبل مخرجين إسرائيليين، لكن هذه الأفلام تقدم من منظور شعور هؤلاء الإسرائيليين بالذنب».

يضيف أوسيت للصحيفة: «يبدو الفلسطينيون فيها – للأفلام السابقة الذكر – ضحايا مجهولي الأسماء ومجهولي الوجوه. أردت لهم وجوهًا لا يستطيع معظم الأمريكيين رؤيتها في الأفلام الأخرى. يهتم الجمهور الأمريكي بالظلم ولكنه لا يهتم بالمعاناة. كنت أرغب في استعادة احترام الذات للفلسطينيين بطريقة تكسبهم العطف أو التعاطف من الأمريكيين».

بالرغم من أن الفيلم لا يتحدث عن الاحتلال والصراع الإسرائيلي الفلسطيني بحد ذاته، إلا أنّ كل منهما يظهران به بالطبع. يلاحق الصراع موسى حديد – الذي شغل منصب رئيس بلدية مدينة رام الله منذ عام 2012 – في كلّ مكان يذهب إليه، ويتضح ذلك جليًا عندما كان يقود سيارته ويصادف الإطارات المشتعلة بالنيران أشعلها السكان احتجاجًا على وجود الجنود الإسرائيليين، أو عند تعطّل سيارته بسبب رشق مجموعة من الناس للجنود بالحجارة.

Embed from Getty Images

عندما يلتقي حديد ناشطين أجانب أو يسافر للخارج، يغدو في دور زعيم للشعب الفلسطيني المحتل. يتحدث التقرير مثلًا عن مشهد ظهر في الفيلم يقول فيه موسى حديد لمجموعة من الطلاب في أكسفورد: «نحن محاطون بالمستوطنات الإسرائيلية من جميع الجوانب. يمكننا أن نرى القدس، ولكن لا يمكننا زيارة القدس». وفي زيارةٍ لجنوب أفريقيا، حضر حديد مراسم غرس الأشجار، وهناك تحدث عن اقتلاع الجيش الإسرائيلي لأشجار الزيتون. عندما يسعى نشطاء سلام من ألمانيا إلى ترتيب لقاء بين طلاب إسرائيليين وفلسطيينين، يتحدث حديد عن المعاملة المهينة التي يعاني منها عند نقاط التفتيش، ويورد التقرير اقتباسًا مما قاله لهم: «عندما نشعر أننا لا نعامل مثل عبيد وهم سادتنا، حينها نكون جاهزين لفعل كل شيء».

في الجزء الأخير من الفيلم الوثائقي، يظهر حديد وهو محاصر في مكتبه لمدة ساعات بينما كان جنود الجيش الإسرائيلي يقومون بغارة على المدينة ويحاصرون دار البلدية في محاولة للقبض على بعض الأشخاص المطلوبين لديهم. أصبح حديد محطّ أنظار وسائل الإعلام الأجنبية في تلك الفترة إذ جاءت لتغطية الاضطرابات. حين يعود حديد إلى المنزل، يظهر في الفيلم غاضبًا بشكل خاص من الأضرار الجسيمة التي لحقت بنافورتين كانت قد بُنيتا جديدًا هناك.

Embed from Getty Images

مفترق طرق

رام الله – مثل حديد – على مفترق طرق. إذا نظرت إليها من جهة، فهي مدينة تعجّ بالمقاهي وفروع الثياب والأزياء ذات العلامات التجارية وكذلك البارات والفنادق وغير ذلك من مظاهر. وإذا نظرت إليها من جهة أخرى، فهي المدينة التي تشتعل النيران بحاويات قمامتها وسط البلدة وتسدّ الإطارات المشتعلة طرقها.

ينقل التقرير عن رئيس مركز إسرائيل/فلسطين للبحوث والمعلومات غيرسون باسكين: «في رام الله هناك تطور مذهل، انفجار عقاري. من حيث نوعية الحياة، فهي مختلفة عن أيّ مدينة من مدن الضفة الغربية الأخرى. لكن ما زلنا نتحدث عن مدينة محاصرة من جميع الاتجاهات، دائمًا ما أمزح أنه حتى لو كنت لا تعرف شوارع رام الله، فإن ذلك لا يهمّ. بغض النظر عن عدد المرات التي تضيع فيها، سينتهي الأمر بك في نفس المكان».

يقول المواطن الفلسطيني حسام زيادة، وهو المهندس الذي يتعامل في المعدات الطبية من المقيمين في رام الله: «يفتتح مطعم أو مقهى جديد كل يوم. تتجول في المدينة وتراهم يبنون مبانٍ شاهقة في كل مكان». يوضح زيادة أن السكان يحبون حديد، ولكن «نظرًا لوجود جميع مكاتب قيادة السلطة الفلسطينية في المدينة ويعيش جميع كبار القادة في رام الله، فإن السلطة الفلسطينية تقف وراء تطوير المدينة وتركز معظم جهودها هناك على حساب المدن الأخرى. إذا كنت تعيش في منطقة وسط المدينة، بالقرب من المباني الحكومية، فإن مستوى الخدمات البلدية أفضل بكثير من ما يقابلها في ضواحي المدينة».

للتنمية ثمنها. هناك اكتظاظ سكاني وازدحام مروري وترتفع أسعار النفقات عامة. يشرح زيادة للصحيفة: «يشعر الناس في رام الله أنه بالنسبة لتكلفة المعيشة لا توجد علاقة بين الوضع في المدينة والوضع في المدن الأخرى في السلطة الفلسطينية. يشعر الناس أنهم يدفعون أسعارًا أمريكية».

Embed from Getty Images

وينقل التقرير عن محمد فاروق الذي يعمل في صناعة الطاقة الشمسية: «الفرق بين تكلفة المعيشة في رام الله والخليل يماثل الفارق بين سعر الشقة في تل أبيب وبئر السبع. رام الله ليست مثل أيّ مدينة فلسطينية أخرى، فهي مدينة متقدمة بها إنترنت لاسلكي في جميع شوارعها».

يخلص المخرج أوسيت إلى أنه «في النهاية، رام الله قرية تتصرف كمدينة كبيرة. فمن ناحية، هي مدينة المقر الرئيسي للسلطة الفلسطينية، وتقع على بعد 10 كيلومترات من القدس، وهي مدينة متعددة الثقافات يدخلها سكان من جميع أنحاء الضفة الغربية كل يوم. من هذا المنظور، رام الله مدينة تتسم بأجواء دولية غير موجودة في الخليل، وجنين، وبيت لحم. فقاعة تكاد تنسى فيها أنك تحت الاحتلال. ومن ناحية أخرى، من حيث مساحة الأرض فهي بالكاد قرية: يمكنك قطع المسافة من جانب رام الله إلى الجانب الآخر مشيًا في غضون نصف ساعة».

عربي

منذ شهرين
«فورين أفيرز»: هل حان الوقت لبداية جديدة للفلسطينيين حقًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد