كنتُ في بداية هذا العام في أعماق أسوأ اكتئاب مررتُ به على الإطلاق، كان مظهري العام قناعًا من النجاح والثقة والسعادة، ولكن في حياتي الخاصة كنتُ مُنهزِمة. كانت العلاقة الطويلة التي أملتُ أن تدوم طوال حياتي وينتُج عنها أطفال قد انتهت، على نحوٍ مؤلِم. كان العمل راكدًا وكنتُ مُفلسة، شعرتُ بأنَّ وزني زائد وأنَّني غير سعيدة بجسمي المُنهَك المتثاقل، وكنتُ غير قادرة على التركيز في أي شيء غير كراهيتي لنفسي وحزني الدائم. أنا كاتبةٌ أكتب دائمًا بصراحةٍ عن أفكاري ومشاعري، فلم يبدُ عدم قدرتي على فعل ذلك عجزًا مثل ذلك الذي يواجه الكُتَّاب، بل إنَّ وجودي بأكمله كان يبدو وكأنَّ لا قيمة له.

كانت كل لحظة مليئة بمحاولات التغلُّب على القلق والحُزن الشديد، لم أستطِع النوم، ويبدو أنَّ كل ما استطعت تحقيقه كل يوم هو البكاء ورثاء الفرص الضائعة على المستويين الشخصي والمهني. بعد شهورٍ من انكسار القلب شعرتُ أنَّني قد استنزفت كل «الآذان الصاغية» وأنَّ مزاجي السيئ الدائم جعلني غير محبوبة. اشتقتُ إلى الهدوء وإلى صمت عقلي، كنتُ مُنعزلة وغارقة في الحزن ويخنقني اكتئابي. فكَّرتُ في الانتحار وبدأت أؤذي نفسي، ووجدتُ أنَّ الألم الخارجي يُخدِّر ألمي الداخلي مؤقَّتًا، كنتُ أعرف أنَّني في الحضيض.

لا أعلم تحديدًا كيف تخطَّيتُ هذه المرحلة، لم ينجح الأطباء ولا الأدوية ولا العلاج في إزالة الظلام الذي كان يُخيِّم عليَّ مثل سحابة مطيرة. لقد اقترح الأطباء عليَّ أن أجرِّب ممارسة الرياضة، ولكنَّني كنتُ صمَّاء، فعندما تفتقد للطاقة لمُجرَّد النهوض من السرير في الصباح، فإنَّ آخر ما ترغب في سماعه هو أنَّ عليك محاولة استجماع قواك للذهاب إلى الجيم.

ولكن بدأ شيءٌ ما بداخلي في التغيُّر بإرادتي، كان طفيفًا وهادئًا ولكنَّه كان قائمًا. كان هذا الشيء رغبة واضحة في الحركة، في وضع قدمٍ أمام الأخرى والتقدُّم للأمام، في النهوض من السرير والخروج من المنزل الذي كنتُ أتشاركه مع خطيبي السابق، وفي أن ألقي بالأمور السيئة وراء ظهري.

بدأت أسير في محمية طبيعية محلية، كنتُ أسير حتى يهدأ الذعر وأنتبه لتغريدات الطيور حولي بدلًا من الاستماع إلى صوتي المُنتحِب داخل رأسي. أصبح هذا التهرُّب من الواقع نقطة ارتكازي اليومية، وسرعان ما أصبحت نزهاتي أسرع وأطول. بعد بضعة أسابيع لم يعُد السير سريعًا بما يكفي للتماشي مع زخم الحركة اللازم لتهدئة عقلي، فكان من المنطقي أكثر أن أجري.

كنتُ أجري منذ سنوات للتعافي من إصابةٍ بظهري، كنتُ أستمتع بالجري، ولكن حذائي الرياضي مُهمَل ومُغطَّى بالأتربة في الخزانة منذ فترةٍ. عندما قرَّرتُ ارتداءه ثانيةً، بدا الأمر مهيبًا، ولكن التحدِّي الكامن في ارتداء حذائي والخروج للجري بدا أسهل من مواجهة اكتئابي، كان الجري مصدر إلهاء ساحر.

هكذا وجدتُ نفسي، في صباح شديد البرودة في فبراير من هذا العام، أجري في الحديقة المحلية، كان الجو مُظلِم وبائس وغزير الأمطار. ظللتُ أركض لأزيل سنوات من الجمود والألم في عضلاتي وأُفكِّر: «إذا كنتِ تستطيعين فعل ذلك يا زوي، إذا كنتِ تستطيعين تخطِّي هذا الشعور القاسي المريع الآن، تستطيعين إذًا تخطِّي أي شيء». أعرف أنَّ هذا حقيقي، فبعد ستة أشهر، لم أتخطَّ الأمر فقط، بل نجوتُ.

كل خطوة أخذتها في الشهور القليلة الماضية كانت خطوة تبعدني عن الألم وتُقرِّبني من الشعور بالتحسُّن. عندما أجري، أعرف أنَّ مفعول الإندورفين سيسري في لحظةٍ ما، وستتفاعل كيمياء المخ الإيجابية، وسأشعر بأنَّني لامعة. من الواضح أنَّ هناك علمًا وراء هذا الأمر، ولكنَّه في نظري معادلة بسيطة لا تحتاج إلى الكثير من التوضيح: أشعر بالسوء، فأجري، وبعد ذلك يختفي اكتئابي، ويدوم ذلك لأيامٍ في بعض الأحيان. ليس الأمر علاجًا سحريًّا، ولا ينجح بالطبع مع الجميع، ولكنَّه يُحجِّم اكتئابي. لم أتوقَّع قط أن يُقلِّل الجري من اكتئابي وأُفجَأُ كل يوم أنَّه يُقلِّل منه، فالجري حقًّا مُنقِذ.

أصبحتُ كذلك بالإضافة إلى الجري مُتحمِّسةً للحياة والأكل بطريقةٍ أكثر صحةً، فقد ساعدني استخدام التطبيقين؛ MyFitnessPal وRunkeeper، وارتداء سوار Fitbit الرياضي، على تحويل تركيزي إلى أن أعيش حياة أكثر نشاطًا. نتيجةً لذلك، أشعر بأنَّني أكثر لياقةً ممَّا كنتُ لسنواتٍ، ووزني الآن أقل بحوالي 13كجم، ممَّا يُسهِّل من ممارسة الرياضة.

أحب تغيُّر جسمي، فقد أصبح أصلب وأقوى، فعندما أنظر في المرآة الآن لا أكره انعكاسي، بل أرى قوةً وعزيمةً وعضلات جميلة. أحبُّ نفسي الآن، وكلما جَريتُ، أحبُّ نفسي أكثر. تُذهلني قدرات جسمي الجديدة وعندما أُحسِّن من سرعتي أو مسافتي أو أجري بعد أن أعاني من آثار الخمر أو انعدام النوم، أشعر وكأنَّني فزتُ بجائزةٍ. ولكن المكافأة ليست ميدالية، ولكنَّها إنجاز الحياة والازدهار.

يقول هاروكي موراكامي؛ مؤلِّف كتاب What I Talk About When I Talk About Running: «لا يجري معظم العدَّائين لأنَّهم يريدون أن يعيشوا لفترةٍ أطول، وإنَّما لأنَّهم يريدون أن يعيشوا الحياة على أكمل وجه». لقد منحني اكتشاف أنَّ الجري يجعلني سعيدة وأرغب في التمتُّع بكل لحظةٍ من الحياة أخيرًا شيئًا لأحيا من أجله.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد