«مصائب قوم عند قوم فوائد».. ينطبق هذا المثل على قيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات جديدة على النظام الإيراني، إذ يرى زفي بارئيل في مقال له في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أنه مع تضييق الخناق على صادرات النفط الإيرانية، فإن روسيا أمامها فرصة ذهبية لشغل الفراغ في الأسواق التي ستخسرها طهران.

يقول بارئيل: «تلقت مافيا اللحوم في إيران ضربة قاسية مؤخرًا؛ إذ قررت الحكومة إلغاء التسهيلات الممنوحة إلى مستوردي اللحوم، التي مكنتهم من الحصول على دولارات بسعر صرف قدره 42 ألف ريال إيراني للدولار الواحد، في حين تتراوح أسعار الصرف في السوق الحرة بين 160 ألف إلى 180 ألف ريال للدولار الواحد».

يقوم المستوردون، الذين حصلوا على دولارات رخيصة، ببيع اللحوم بسعر السوق الحرة، محققين أرباحًا طائلة من صناعة العقوبات. نتيجة لذلك بلغ سعر الكيلو الواحد من اللحم البقري 25 دولارًا – على غرار السعر في إسرائيل. لكن في حين أن الحد الأدنى للراتب في إسرائيل هو 1200 دولار، فإنه يبلغ في إيران 360 دولار فقط.

يستغل مستوردو اللحم أيضًا الدولار الرخيص لتصديرها إلى الدول المجاورة بأسعار مرتفعة، مما يسبب نقصًا في السوق الإيراني، ويحدث زيادة أخرى في الأسعار.

إن هذه الحملة ضد مستوردي اللحوم تدل على ارتباك النظام الإيراني – يشير بارئيل – إن لم يكن الافتقار التام للسيطرة على السوق بشكل عام. وهذا مجرد مثال واحد. ففي الصيف الماضي، أعلنت إيران أن مستوردي عددًا من المنتجات الأساسية سيكونون قادرين على شراء الدولار بسعر رخيص، ولكن الآن يتم إعادة النظر في هذه السياسة في ضوء الدرس المستفاد من مستوردي اللحوم.

تلقي طهران باللائمة على العقوبات في الإضرار بالاقتصاد الإيراني، لكن الافتقار إلى التخطيط الكفء، واتخاذ القرارات دون دراسة كافية، والتشريعات التي تسير بخطى بطيئة، والفساد العميق، جميعها كانت موجودة طوال سنوات قبل بدء سريان العقوبات الجديدة.

الآن فُرضت عقوبات جديدة، مصممة للتأثير على صناعة المعادن في إيران. وهي ثاني أهم صناعة بعد النفط، حيث تمثل 10% من الصادرات الإيرانية. ومع ذلك، وعلى المستوى المحلي، لا تجلب الصناعة أعلى إيرادات للحكومة. فوفقًا للتقديرات – ينوه بارئيل – تبلغ إيرادات زراعة المكسرات وبيعها 649 مليون دولار، بينما تبلغ إيرادات صناعة المعادن حوالي 500 مليون دولار.

وبالإضافة إلى التأثير على الإيرادات الحكومية، ستؤثر هذه العقوبات أيضًا بشكل كبير على الوظائف. توظف صناعة المعادن 600 ألف شخص بشكل مباشر، وتدعم ثلاثة ملايين شخص في المتوسط. ومن الضحايا الآخرين لهذه العقوبات صناعة السيارات، التي توظف حوالي مليون شخص. وتوظف الصناعتان مجتمعتان حوالي 6٪ من القوى العاملة في إيران.

لكن صناعة السيارات كانت قد تضررت بشدة وانكمشت بنسبة 40% منذ مدة طويلة. الآن مئات الآلاف من العمال في هذه الصناعات يمكن أن يفقدوا وظائفهم دون أي بدائل في الأفق. وهنا يكمن التهديد الحقيقي للنظام – يضيف بارئيل – فحتى مع كل الإيرادات المتحصل عليها من صناعة النفط، لم يستثمر النظام في البنية التحتية التي يمكن أن تخلق فرص عمل جديدة.

كان من المفترض أن يشكل الاتفاق النووي نقطة تحول في سوق العمل، الذي جذب كبار المستثمرين إلى إيران والذين ركزوا بشكل رئيسي على الصناعات الثقيلة مثل استخراج النفط وصناعة السيارات وخطط لتطوير شبكات الاتصالات – ولكن هذه الاتفاقيات لم تؤت ثمارها. فعندما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، انسحبت الشركات الكبرى أيضًا، تاركةً لإيران استثمارات جزئية لا تستطيع إكمالها.

يرى البعض أن استهداف صناعة المعادن والتجمعات الرئيسية للقوى العاملة في إيران بالعقوبات هدفه إسقاط بالنظام – يشدد بارئيل. فوجود الآلاف من العمال العاطلين عن العمل فجأة يمكنه إطلاق احتجاجات جماعية على نطاق أوسع بكثير من أي شيء شهدته البلاد في السنوات الأخيرة.

تزعم الولايات المتحدة أنها لا تهدف إلى إسقاط النظام، لكن لا يمكن تجاهل التأثير السياسي للعقوبات. والسؤال هو ما إذا كانت واشنطن لديها خطة عمل جاهزة في حال شعر النظام بالتهديد في الداخل واستخدم العنف المفرط لقمع الاحتجاجات.

يرى بارئيل أن واشنطن تتمتع بسجل حافل بالفشل فيما يتعلق بالتدخل في السياسة الداخلية للدول الأخرى – بدءًا من الفشل في بناء حكومة مستقرة في أفغانستان، التي اضطرت أخيرًا إلى التفاوض مع طالبان، ووصولًا إلى الفوضى التي تضرب العراق، البعيد كل البعد عن كونه اقتصادًا قويًا على الرغم من احتياطياته النفطية الضخمة.

رفعت واشنطن من مستوى العقوبات المفروضة على النفط الإيراني هذا الشهر بعد أن ألغت الإعفاءات التي مُنحت لثماني دول، مما شكل فرصة ذهبية لروسيا. فكلما قلت قدرة طهران على إنتاج وتصدير النفط، زادت قدرة روسيا على السيطرة على الأسواق الإيرانية المفقودة. ويشمل ذلك بعضًا من أكبر مستهلكي النفط في العالم مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية، والتي سيكون عليها أن تكمل احتياجاتها النفطية ليس فقط من دول الخليج، ولكن من روسيا أيضًا.

منذ أن فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية – يضيف بارئيل – كانت دوله تبحث عن مصادر بديلة للنفط. تستورد دول الاتحاد الأوروبي 30٪ من نفطها و39٪ من الغاز من روسيا. وعندما تم توقيع الاتفاق النووي، توقعت دول الاتحاد الأوروبي أن تكون قادرة على استيراد النفط والغاز من إيران وخفض وارداتها من روسيا. ولكن أثبتت العقوبات الأمريكية لهذه البلدان أنه لا يمكن الاعتماد على إيران كبديل مستقر، وأن روسيا ستظل على ما يبدو المورد الرئي لها بشكل مباشر وعبر خط الأنابيب الجديد عبر تركيا.

ومن المفارقات، أن العقوبات الأمريكية الأخيرة هي نعمة لاقتصادي روسيا وتركيا، وهما دولتان تتسم علاقاتهما مع الولايات المتحدة بالتوتر. إن الشعب الإيراني لا يهتم بهذه الآثار الجانبية. فهمه الوحيد هو كيفية الصمود إلى الشهر المقبل. لكن الوضع يضطر النظام الإيراني إلى إعادة تقييم مكانة إيران كمورد للنفط – لأنه بمجرد مرور هذه الأزمة وعودة البلاد إلى السوق العالمية، سيتعين عليها استرجاع العملاء الذين تحولوا في الوقت نفسه إلى موردين جدد.

مترجم: إيران لن تكون «العراق 2».. هكذا ستكون حرب أمريكا المحتملة ضد إيران

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s