على الرغم من الشراكة الوثيقة، ظلت روسيا حذِرةً من مشاركة الصين في منطقة القطب الشمالي.

كتبت إليزابيث ويشنيك، أستاذة العلوم السياسية في جامعة الولاية بمونت كلير، والباحثة البارزة في معهد «ويذرهيد» لشرق آسيا بجامعة «كولومبيا»، تحليلًا بشأن الطموحات الصينية في التمدد إلى منطقة القطب الشمالي من خلال الاستثمارات المشتركة مع روسيا. إلا أن روسيا التي تتعرض لعقوبات غربية وتجد نفسها مضطرة لاستخدام التكنولوجيا والتمويل الصيني في مشاريعها في القطب الشمالي تتعامل مع الصين بحذرٍ وتسعى – على الرغم من شراكتهما – إلى الحد من توسعها في المنطقة. وتجدر الإشارة إلى أن التحليل سبق نشره في موقع «China «Resource Risks.

وتستهل الكاتبة تحليلها بالقول إنه على الرغم من حماس الصين، فإن جهودها لكي تصبح صوتًا رئيسًا في شؤون القطب الشمالي قُوبِلت بالتشكيك، حتى إن القلق ساور دول القطب الشمالي، ولم يؤتِ سوى القليل من مبادراتها الاستثمارية ثمارها. هل يحدث تغيير في حظوظ الصين مع تولي شريكها الإستراتيجي، روسيا، دور رئيس مجلس القطب الشمالي، وهو منصب يُشْغَل بالتناوب لمدة عامين؟ فيما يخص الصين، وهي مراقب في المنظمة منذ عام 2013، يوفر الوضع الجديد لروسيا اعتبارًا من 20 مايو (أيار) 2021 فرصًا ومخاطر على حدٍ سواء.

مجتمع

منذ 5 شهور
مترجم: ما السبب الحقيقي وراء سياسة الأطفال الثلاثة الجديدة في الصين؟

وبينما وصف وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الصين بأنها الشريك ذو الأولوية لبلاده في القطب الشمالي، سارع إلى توضيح أنه يقصد القطب الشمالي الروسي، وليس مجلس القطب الشمالي؛ إذ تنوي روسيا التركيز على إشراك دول القطب الشمالي. كما نالت الصين إشادةً من السفير الروسي المتجول للتعاون في القطب الشمالي، نيكولاي كورشونوف، بسبب «ضبط النفس» موازنةً بالدول الغربية، التي اتَّهمها كورشونوف بعسكرة القطب الشمالي.

غير أنه بقي أن نرى ما إذا كانت رئاسة روسيا لمجلس القطب الشمالي ستؤدي إلى مشاركة الصين المتعمقة في إدارة القطب الشمالي وزيادة التكامل الاقتصادي والتنمية الصينية الروسية في القطب الشمالي، كما تنبأ ليو فينج، الباحث في جامعة «تيانجين»، وليو روي، الباحث بـ«المركز الوطني للمعلومات البحرية» (وزارة الموارد الطبيعية).

خيارات روسيا في القطب الشمالي محدودة

وتشير الكاتبة إلى أن العلاقات بين الصين وروسيا تعمقت منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وشهد هذا الاتجاه تسارعًا منذ أن فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوباتٍ على روسيا بعد استيلائها على شبه جزيرة القرم في عام 2014. أما فيما يخص الصين، فإن خيارات روسيا المتقلصة للاستثمار والتكنولوجيا فيما يتعلق بمشاريع الغاز الطبيعي المسال في القطب الشمالي لها جانب إيجابي؛ إذ تمكنت الشركات الصينية من شراء حصصٍ في مشروعي «يامال إل إن جي» (Yamal LNG) للغاز الطبيعي المسال، والتعاون مع روسيا في عديدٍ من المشاريع الأخرى ذات الصلة.

Embed from Getty Images

وفي عام 2013، استحوذت شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC) على حصة بمقدار 20% من مشروع «يامال إل إن جي» (Yamal LNG) الأول للغاز الطبيعي المسال، وهو أحد أول استثمارات الصين الرئيسة في مجال الطاقة في روسيا. ثم اشترى صندوق طريق الحرير الصيني حصة بمقدار 9.9% في عام 2016، وقدم قرضًا بقيمة 813 مليون دولار. كما أقرض بنك التصدير والاستيراد الصيني وبنك التنمية الصيني روسيا قروضًا أخرى بقيمة 11 مليار دولار.

واشترت كلٌّ من شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC) والمؤسسة الصينية الوطنية للنفط البحري (CNOOC) حصةً بمقدار 10% في مشروع «يامال إل إن جي» (Yamal LNG) الثاني للغاز الطبيعي المسال في القطب الشمالي في أبريل (نيسان) 2019. ومع صعوبة الوصول إلى التكنولوجيا الغربية بموجب نظام العقوبات، تعمل عديد من الشركات الصينية مقاولين من الباطن، ويوفرون معداتٍ لمشروع «يامال إل إن جي» (Yamal LNG) الثاني للغاز الطبيعي المسال.

الصين: فهم وحماية وتطوير القطب الشمالي

وتمضي الكاتبة إلى أنه في الكتاب الأبيض الصادر في 26 يناير (كانون الثاني) 2018، حددت الصين سياستها في القطب الشمالي بأنها محاولة «لفهم القطب الشمالي وحمايته وتطويره والمشاركة في إدارته، وذلك لحماية المصالح المشتركة لجميع البلدان والمجتمع الدولي في القطب الشمالي، وتعزيز التنمية المستدامة في القطب الشمالي».

وفي حين تدَّعي عديد من البلاد أنها أصحاب مصلحة في القطب الشمالي بسبب اهتمامها بفرص وموارد الشحن في المنطقة، اختارت الصين إعلان نفسها «دولة قريبة من القطب الشمالي» بسبب التأثير البيئي لتغيُّر المناخ في القطب الشمالي، والصلات بين النباتات والحيوانات الصينية والنباتات والحيوانات في القطب الشمالي، وهو سجل تاريخي للنشاط العلمي والاقتصادي في المنطقة، والذي يعود به المسؤولون الصينيون إلى عام 1925، وكذلك الاستثمارات الحالية.

ويرفض عديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، وَصْف الصين لنفسها بأنها «قريبة من القطب الشمالي». والأكثر إثارة للدهشة هو تصريح نيكولاي كورتشونوف بأنه «من المستحيل الاختلاف مع تصريح وزير الخارجية الأمريكي، مايكل بومبيو الصادر في مايو 2019، بأن هناك مجموعتين من البلدان؛ بلدان القطب الشمالي وبلدان لا علاقة لها بالقطب الشمالي.. لقد قال ذلك فيما يتعلق بالصين، والتي نصَّبت نفسها دولةً قريبةً من القطب الشمالي. ونحن نختلف مع هذا».

النادي مقصورٌ على أعضاء القطب الشمالي

وعلى عكس معظم مناطق العالم الأخرى، يُعد القطب الشمالي إلى حدٍّ كبيرٍ بمثابة نادٍ لأعضاء في جماعة، وكان على الصين الاعتماد على شركاء آخرين لتعزيز مصالحها (روسيا على وجه الخصوص).

Embed from Getty Images

وأثبتت مشاركة الصين في مشاريع «يامال إل إن جي» (Yamal LNG) للغاز الطبيعي المسال أنها حاسمة لادعائها أن لها وجودًا اقتصاديًّا في القطب الشمالي؛ إذ إنَّ عديدًا من استثماراتها الأخرى في القطب الشمالي لم تظهر حتى الآن؛ ومن المشاريع الأكثر خيالية (ملعب جولف في شمال أيسلندا) إلى المشاريع الإستراتيجية (منجم أرضي نادر في جرينلاند).

طريق الحرير الجليدِي

وتوضح الكاتبة أنه في السنوات الأخيرة، وسَّعت روسيا والصين تعاونهما في القطب الشمالي. وتستضيف البلاد حواراتٍ منتظمةٍ، بين وزارتي خارجيتهما (الحوار الصيني الروسي بشأن شؤون القطب الشمالي منذ عام 2015) وعلى مستوى الخبراء (منتدى القطب الشمالي الصيني الروسي، الذي تستضيفه منذ عام 2012 جامعة «سانت بطرسبِرج» الحكومية وجامعة «المحيط» في الصين).

وفي عام 2015، وقَّعت وزارة التنمية الروسية للشرق الأقصى والقطب الشمالي واللجنة الوطنية الصينية للتنمية والإصلاح (NDRC) اتفاقية بشأن التعاون في طريق بحر الشمال (NSR) وفي عام 2017 تعهَّدتا بالعمل معًا فيما أسمتاه بـ«طريق الحرير الجليدي». ومع توضيح الصين لما يُعرف على نحو أكثر شيوعًا بطريق الحرير القطبي في الكتاب الأبيض لعام 2018، بوصفه جزءًا من مبادرة الحزام والطريق (BRI) الممتدة من موانئ شمال الصين عبر طريق بحر الشمال والممر الشمالي الشرقي إلى غرب أوروبا.

فإن التعاون مع روسيا في القطب الشمالي، أعطى أيضًا دفعةً لأنشطتهما المشتركة المتأخرة في مبادرة الحزام والطريق وجدول أعمال لم يتحقق إلى حدٍ كبير فيما يتعلق بالمشاريع الإقليمية بين شمال شرق الصين والشرق الأقصى الروسي.

وفي عام 2019، اتفقت روسيا والصين على تشكيل مركز أبحاث صيني روسي للقطب الشمالي، لسد فجوةٍ أخرى في تعاونهما في القطب الشمالي، والذي كان موجودًا فيما يخص روسيا مع عديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة.

اختلافات بين الصين وروسيا بشأن القطب الشمالي

وأضافت الكاتبة أنه على الرغم من هذه الأنشطة، هناك بعض الاختلافات الأساسية بين الشريكين الإستراتيجيين فيما يتعلق بالقطب الشمالي، فقد عارضت روسيا في البداية منح الصين وآخرين وضع المراقب في مجلس القطب الشمالي إلى أن وافقوا على احترام سيادة دول القطب الشمالي. وفي الواقع، لا تزال السيادة نقطةً شائكةً.

Embed from Getty Images

وتُلِح روسيا في مطالباتها بشأن الجرف القاري في القطب الشمالي وتؤكد على الحق بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المادة 234 (التي تحكم الممرات المائية المغطاة بالجليد) لتنظيم حركة المرور البحرية على طول طريق بحر الشمال، وهي المواقف التي من المحتمل أن تقيد النشاط المستقل للصين في القطب الشمالي؛ حيث تدافع عن حرية الملاحة.

وبينما تتعاون روسيا والصين في الشحن على طول طريق بحر الشمال (يجب على السفن الصينية، مثل غيرها، دفع رسوم والحصول على مرافقة كاسحة جليد روسية)، ويزعم بعض الخبراء الروس أن حكومتهم لا تقبل تسمية «طريق الحرير القطبي»، الذي يُدرِج طريق بحر الشمال، المتأصل في هوية روسيا القطبية الشمالية، في مبادرة ترعاها الصين، على الرغم من أن روسيا لم تنتقد ذلك علنًا.

الصين مهتمة بعلاقات موسكو بالغرب

وترى الباحثة أنه على المدى الطويل، فإن أي تحسُّن في علاقات روسيا مع الدول الغربية سيكون في غير صالح الصين؛ إذ يدرك الخبراء الصينيون جيدًا أن التكنولوجيا والتعاون الصيني لم يكن الخيار الأول لروسيا في القطب الشمالي. وتهتم الصين بشدة بأي تطورات جديدة في علاقات روسيا والولايات المتحدة. وفي اليوم السابق للاجتماع بين لافروف ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين في ريكيافيك على هامش اجتماع مجلس القطب الشمالي، عقد بوتين وشي اجتماعًا افتراضيًّا للاحتفال باستكمال أربع محطات طاقة نووية روسية الصنع في الصين.

وبعد الاجتماع مباشرةً مع بلينكين، والذي وصفه لافروف بأنه «بنَّاء»، سافر كبير مستشاري الرئيس الصيني للسياسة الخارجية، يانج جيتشي، إلى موسكو لإجراء حوارٍ إستراتيجيٍّ، والذي من المفترض أن يشمل قضايا القطب الشمالي.

وتمضي الكاتبة إلى أنه حتى لو كانت التحديات الكثيرة على جدول الأعمال الروسي الأمريكي ستستمر في إعاقة تعاونهما في القطب الشمالي، فإن روسيا لديها شركاء آخرون بالإضافة إلى الصين. وأكد كورتشونوف، مبعوث روسيا للقطب الشمالي، أن روسيا تأمل في العمل مع جميع الدول المراقِبة، بما في ذلك الصين. وأشاد يانج جيان، نائب رئيس معهد «شنغهاي للدراسات الدولية»، بطريق الحرير القطبي باعتبار أنه يلبي حاجة روسيا، لكنه يمثل أيضًا شراكةً مع دول أخرى مراقِبة في مجلس القطب الشمالي الآسيوي، بما في ذلك الهند وكوريا الجنوبية واليابان.

وأشار ألكسندر سيرجونين، خبير القطب الشمالي في جامعة «سانت بطرسبرج»، في اجتماع المائدة المستديرة لصندوق جورشاكوف في الأول من يونيو (حزيران)، إلى أن عديدًا من المشاريع مع الصين لم تتحقق بعد. على سبيل المثال، لم يبدأ بعد اقتراح شركة «بولي جروب كوربوريشن» الصينية باستثمار 5.5 مليار دولار لتطوير ميناء أرشانجيلسك، في حين تقدمت المشاريع مع كوريا الجنوبية واليابان على الرغم من العقوبات الغربية.

Embed from Getty Images

ويشير دينج بيخي، الباحث في معهد «البحوث القطبية» في الصين، إلى أنه على الرغم من التقدم المحرز في التعاون مع روسيا في مشروعات «يامال إل إن جي» (Yamal LNG) للغاز الطبيعي المسال، فإن المستثمرين الصينيين قلقون بشأن التكلفة العالية ونقص الاستثمار في القطب الشمالي الروسي، ولديهم مصالح «تتعلق بجهات الوصول» أكبر بتطوير طريق الحرير القطبي بوصفه طريق شحنٍ إلى شمال أوروبا.

الخلافات بين روسيا والغرب كثيرة

وأردفت الكاتبة أنه على الرغم من بعض الفرص الجديدة للحوار التي قدمتها رئاسة مجلس القطب الشمالي والاجتماع المزمع في 16 يونيو بين الرئيس الأمريكي جو بايدن وبوتين، لا تزال قائمة القضايا العالقة بين روسيا والدول الغربية طويلة. وقد أدَّى ذلك إلى القلق بشأن التأثير المحتمل على القطب الشمالي الناجم عن تعميق الشراكة الصينية الروسية والدعم الروسي الذي يعمل مضاعفًا للقوة لطموحات الصين الإقليمية.

وفي حين أننا لم نشهد أي دلائل على التعاون العسكري الصيني الروسي العلني في القطب الشمالي، يشير المحللون إلى التطبيقات العسكرية المحتملة للبحث العلمي، مثل رسم الخرائط وأجهزة الاستشعار تحت الماء.

دولي

منذ 5 شهور
«فورين بوليسي»: هل تنزلق البوسنة والهرسك إلى حرب أهلية جديدة بسبب روسيا؟

وعملت الصين مع فنلندا، وليس روسيا، في أول كاسحة جليد مصنوعةً محليًّا «تنين الجليد 2» (Xue Long 2)، ويبقى أن نرى مقدار المساعدة التي تُعد روسيا على استعداد لتقديمها للصين لتعزيز قدراتها الملاحية في المياه الباردة. وإلقاء القبض في فبراير (شباط) 2020 على الخبير الروسي في شؤون القطب الشمالي فاليري ميتكو بتهمة تقديم معلومات تتعلق بالغواصات الروسية إلى عملاء المخابرات الصينية يسلط الضوء على حساسية التعاون العسكري المحتمل.

ولم تستثمر الصين بعد في أي ميناء روسي في القطب الشمالي ولم تُجرِ أي مناورات بحرية مشتركة في مياه القطب الشمالي الروسية. وفي الوقت الحالي، تظل روسيا حارس بوابة الصين حتى يصبح المحيط المتجمد الشمالي المركزي صالحًا للملاحة، ولن تحتاج السفن بعد ذلك إلى عبور طريق بحر الشمال، الذي تديره روسيا حاليًا.

وتختتم الكاتبة تحليلها بالإشارة إلى أن الطريقة التي ستدير بها روسيا طموحات الصين في القطب الشمالي هي التي ستكشف لنا كثيرًا من معايير الشراكة الصينية الروسية وأولويات روسيا في القطب الشمالي. وأظهرت روسيا حتى الآن تفضيلها لتنويع شركائها في القطب الشمالي، واستخدام دورها الرئاسي لتعزيز المصالح المحلية، وهو مسار يُحتمل أن يضعها في مسار تصادمي مع جهود الصين التي تسعى لتأكيد أجندتها الإقليمية الأوسع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد