نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا لـ برادلي بومان، مدير أول لمركز القوة العسكرية والسياسية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وجاريد طومسون، محلل عسكري زائر في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، سلَّطا فيه الضوء على الخداع الذي تمارسه روسيا والصين لكي تُوقِعا بالولايات المتحدة في فخ التوقيع على معاهدة منع نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي.

على أمريكا أن تحذر!

يستهل الكاتبان مقالهما بالقول: للأسف، يُعد أمرًا شائعًا في عالم الدبلوماسية الدولية أن تقول شيئًا ما وتفعل عكسه. ومع ذلك، يبدو أن موسكو وبكين تتمتعان بنزعة استثنائية في ممارسة ذلك. ولننظر إلى تصرفات منافسي الولايات المتحدة من القوى العظمى عندما يتعلق الأمر بالأسلحة المضادة للأقمار الصناعية. إذ سارعت كل من الصين وروسيا لتطوير أسلحة أرضية وفضائية ونشرها لاستهداف الأقمار الصناعية، في الوقت الذي تشجِّع فيه البلدان الولايات المتحدة للتوقيع على معاهدة تحظر مثل هذه الأسلحة.

Embed from Getty Images

ولكي تظل الولايات المتحدة قادرة على حماية قدراتها العسكرية الحيوية الموجودة في الفضاء، لا سيما الأقمار الصناعية الخاصة بالاتصالات والاستخبارات والدفاع الصاروخي، إلى جانب توفير الردع الفعَّال لعدوان الأنظمة الاستبدادية، شدَّد الكاتبان على ضرورة أن تتجنب الولايات المتحدة التوقيع على معاهدات دولية بشأن الفضاء مشكوك فيها، والتي لا تعتزم الصين أو روسيا الالتزام بها. 

وأوضح الكاتبان أن «معاهدة منع نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي، والتهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الأجسام الموجودة في الفضاء الخارجي (PPWT)»، التي اقترحتها بكين وموسكو في الأمم المتحدة، خير مثال على ذلك. ويلتزم الموقعون على معاهدة (PPWT) «بعدم وضع أي أسلحة في الفضاء الخارجي». كما تنص المعاهدة على أنه لا يجوز لأي من الموقِّعين عليها «التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الأجسام الموجودة في الفضاء الخارجي» أو الانخراط في أنشطة «لا تتوافق» مع أهداف المعاهدة.

عسكرة الفضاء

ظاهريًّا، يبدو الأمر جيدًا وغير ضار. ولكن مَنْ الذي يريد بعد ذلك أن تتحول الأمور إلى سباق تسلح في الفضاء الخارجي؟ الحقيقة أن الصين وروسيا، رغم كل ذلك، يتسابقان بالفعل في مجال الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية وهما كذلك منذ مدة من الزمان. وصرَّح الجنرال جيمس ديكنسون، رئيس قيادة الفضاء الأمريكية، في يناير (كانون الثاني) قائلًا إن: «مجال الفضاء تنافسي ويتَّسم بالاحتقان ومحل نزاع. وقد عَسْكَر منافسونا في هذا المجال، وبالأخص الصين وروسيا، الفضاء الخارجي».

وأشار الكاتبان إلى أن بكين تمتلك بالفعل القدرة على تشغيل الصواريخ الأرضية المضادة للأقمار الصناعية. وتتدرب وحدات جيش التحرير الشعبي الصيني على تشغيل هذه الصواريخ، وتعتقد وزارة الدفاع الأمريكية أن بكين «تنوي على الأرجح السعي للحصول على مزيد من الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية يمكنها تدمير الأقمار الصناعية حتى المدار الأرضي الجغرافي المتزامن (وهو مدار يدور فيه القمر الصناعي في اتجاه كوكب الأرض نفسه)». وذلك هو المكان الذي تجرى فيه الاتصالات الأمريكية النووية الأكثر حساسية ومدار الأقمار الصناعية للدفاع الصاروخي. 

وعلى نحو مماثل، اختبرت موسكو في ديسمبر (كانون الأول) سلاحًا أرضيًّا مضادًا للأقمار الصناعية، والذي يمكن أن يدمِّر الأقمار الصناعية الأمريكية أو الأقمار الصناعية التابعة لحلفائها. وتُعزز هذه القدرة الهجومية من قوة منظومة الأسلحة الليزرية الأرضية التي بشَّر بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2018. وفي إحدى لحظات الوضوح والصراحة، أقرَّت وزارة الدفاع الروسية بأن المنظومة صُمِّمت «لمحاربة استخدام الأقمار الصناعية».

تمويه مزدوج

ومما يزيد الطين بلة، تعمل كلٌ من الصين وروسيا أيضًا على نشر قدرات فضائية أو ما يُطلق عليها أجسام فضائية موجودة «في المدار حول الأرض» للهجوم على الأقمار الصناعية. وفي الوقت نفسه، تضغط الصين وروسيا، في الأمم المتحدة والمنتديات الدولية الأخرى، للاتفاق على إبرام «معاهدة منع نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي، والتهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الأجسام الموجودة في الفضاء الخارجي (PPWT)» وتدعو إلى اتخاذ قرار بشأن «عرقلة أول نشر للأسلحة»، مشددة على ضرورة التزام الحكومات كافة بأن لا تكون هي أول مَنْ ينشر أسلحة في الفضاء الخارجي.

علوم

منذ 10 شهور
مترجم: «سبيس إكس» ترسل البشر أخيرًا إلى الفضاء.. ماذا سيحدث بعد ذلك؟

ولفت الكاتبان إلى أن وكالة الاستخبارات العسكرية الأمريكية أشارت، قبل أكثر من عامين، إلى أن الصين وروسيا وضعتا بالفعل قدرات فضائية يمكن استخدامها أسلحةً. وبذلك، فإن معاهدة (PPWT) ستوفر الحماية لأسلحة الصين وروسيا في الفضاء، بينما ستُؤدي إلى تقييد قدرات واشنطن في الوقت نفسه.

وفي محاولة مستترة لإخفاء نيَّتِهما، يدَّعي البلدان أن الهدف من قدراتهما الموجودة في الفضاء هي للأغراض السلمية فقط، ومن هذه الأهداف تقييم وضع الأقمار الصناعية المعطلة وإجراء الإصلاحات اللازمة. ويسمح هذا التمويه «المزدوج الاستخدام» لبكين وموسكو أن تنشرا قدراتٍ فضائية تبدو ظاهريًّا سلمية أو تجارية، والتي يمكن لكلا الدولتين استخدامها فعليًّا لتعطيل الأقمار الصناعية العسكرية والاستخباراتية الأمريكية أو تدميرها.

دمى التعشيش الروسية

ويذكر الكاتبان أن الصين، على سبيل المثال، اختبرت عديدًا من الأقمار الصناعية الجرَّافة، والتي تستخدم أذرعًا قابضة لالتقاط أقمار صناعية أخرى. كما أظهرت الصين أن لديها القدرة على مناورة أحد الأقمار الصناعية الموجودة حول حزام المدار الأرضي الجغرافي المتزامن، مما يسمح لأقمارِها الصناعية بالتسلل إلى أقمار صناعية أخرى في الفضاء.

وتابع الكاتبان موضِّحَيْن أن روسيا، لكيلا تتفوق عليها دولة أخرى، نشرت زوجًا من الأقمار الصناعية مثل «دمى التعشيش» التي حجبت أحد الأقمار الصناعية الأمريكية الموجودة في الفضاء. وادَّعت وزارة الدفاع الروسية أن الغرض من أحد الأقمار الصناعية الروسية هو تقييم «الحالة الفنية للأقمار الصناعية المحلية». لكن في وقت لاحق، أجرى القمر الصناعي الثاني اختبارًا للأسلحة، وأطلق ما بدا أنه طوربيد فضائي. ولم يشرح الكرملين مطلقًا كيف أن قذيفة سريعة الحركة أُطلِقت لمرة واحدة فوفَّرت مزايا فحص فائقة موازنةً بالقمر الصناعي الروسي الآخر الذي يُحلِّق على الدوام في مكان قريب.

ما الذي تفتقر إليه معاهدة نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي؟

وأكَّد الكاتبان على أن معاهدة جيدة الصياغة يمكنها تحديد الإجراءات المقبولة وغير المقبولة في الفضاء بوضوح، والتي تشمل آليات فحص وتفتيش صارمة وعملية من شأنها تعزيز الأمن والاستقرار. لكن معاهدة (PPWT) لا تنتمي إلى هذا النوع من المعاهدات بالتأكيد.

Embed from Getty Images

ويُوضح الكاتبان قائلَيْن: مبدئيًّا، لا تنص المعاهدة المقترحة بوضوح على حظر الأسلحة الأرضية المضادة للأقمار الصناعية التي استخدمتها الصين وروسيا بالفعل. ولا تحظر المعاهدة المقدَّمة أيضًا نشر أسلحة فضائية تحت ستار القدرات المدنية أو التجارية. وبالإضافة إلى ذلك، لا تحظر معاهدة (PPWT) تطوير أي أسلحة على الأرض أو اختبارها أو تخزينها والتي يمكن نشرها سريعًا في المدار حول الأرض.

ويُضيف الكاتبان أنه حتى في ظل تدارك هذه العيوب وأوجه القصور، فإن معاهدة (PPWT) تفتقر إلى أي خطة تحقُّق لضمان الامتثال لها. وبدلًا من ذلك، تدعو المعاهدة إلى اتخاذ تدابير «إرساء الشفافية وبناء الثقة» التي تُنفَّذ «طواعيةً (وليس إلزامًا)». وبمعنى آخر، تريد بكين وموسكو من الولايات المتحدة أن تثق في المعاهدة ولكن لا تسعى أبدًا للتأكد من التزام الجميع بها.

المعاهدات السابقة تكشف الحقيقة

ولكن من جهة أخرى، لا يجب على الأمريكيين أن يُفاجَأوا من معاهدة (PPWT). إذ اعتادت موسكو استخدام المعاهدات الدولية للحد من التسلح لكي تكبح جماح الولايات المتحدة، لكنها، في الوقت نفسه، تنظر إلى قيود أي معاهدة على أنها اختيارية عندما تُصبح مزعجة لها أو عندما تسنح للكرملين فرصة لتحقيق ميزة عسكرية.

وأوضح الكاتبان أن موسكو ظلت، لأكثر من عقد مضى من الزمان، تستخدم معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى (المعاهدة المبرمة بين الولايات المتحدة الأمريكية واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية للقضاء على الصواريخ المتوسطة المدى)، قبل إلغائها في عام 2019، لتقييد الولايات المتحدة، بينما أنتج الكرملين، في الوقت نفسه، صاروخ كروز متوسط المدى يُطلق من الأرض واختبره وأدخله إلى الميدان في انتهاك صريح للمعاهدة. ومن جانبها، تُظهر بكين، في كثير من الأحيان، حساسية تجاه المعاهدات الدولية الجادة للحد من التسلح. ولذلك، فإن استعداد الحزب الشيوعي الصيني لدعم معاهدة (PPWT) يتطلب من واشنطن مزيدًا من التفكير والدراسة.

من أجل ذلك، وبدلًا من وقوع الولايات المتحدة فريسة في فخ معاهدة (PPWT) الذي نصبته الصين وروسيا، يجب على واشنطن العمل فورًا مع الحلفاء لتطوير مرونة القدرات العسكرية والاستخباراتية الموجودة في الفضاء ومضاعفتها. كما ينبغي عليها تعزيز الجهود الناشئة حديثًا لوضع قواعد طريق تنظِّم الفضاء الخارجي. وفي هذا الشهر، أوضح الجنرال جون ريموند، رئيس العمليات الفضائية في قوات الفضاء الأمريكية قائلًا: «في الواقع، ليس هناك ثمة قواعد سلوك تحدد أنشطة الفضاء. إنه الغرب الوحشي».

Embed from Getty Images

هل الحل وضع مبادئ منظمة لأنشطة الفضاء؟

واختتم الكاتبان مقالهما بالإشارة إلى إحدى الخطوات الإيجابية الجديرة بالملاحظة، إذ أقرَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروعًا قدَّمته بريطانيا في ديسمبر الماضي يهدف إلى وضع «معايير وقواعد ومبادئ للسلوكيات المنظمة لأنشطة الفضاء الخارجي»، مما قد يقلل من احتمالات المخاطر الناجمة عن سوء التقدير. وجاءت نتيجة التصويت 164 صوتًا مؤيدًا للقرار، ومنهم الولايات المتحدة، و12 صوتًا فحسب معارضًا له.

هل حاولت تخمين مَن هي الدول التي عارَضَت القرار؟ نعم كما خمَّنت: الصين وروسيا، وانضم إليهما إيران وكوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا وكوبا. ويبدو أنه ليست هناك رغبة صينية أو روسية لتبني سياسات بنَّاءة وجيدة في الفضاء، لذلك يستمر البلدان في الخداع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد