بعد التدخل في الانتخابات الأمريكية عام 2016، تستخدم روسيا تكتيكات مماثلة في أفريقيا الوسطى، لكن بينما تزرع بذور الفوضى السياسية في الجمهورية الواقعة وسط القارة، تسعى هذه المرة للحصول على جائزة إضافية: الألماس.

من العاصمة بانجي، رصدت ديون سيرسي، مراسلة صحيفة «نيويورك تايمز»، كواليس تجارة الأحجار الكريمة التي يُباع بعضها بشكل قانوني، لكن الكثير منها يُهَرِّبه المتمردون، الذين يخوضون صراعًا من أجل السيطرة على المناجم؛ ما يضيف المزيد من الوقود على نيران معركةٍ، مستعرة منذ ست سنوات، وقودها مليون شخص.

مقايضة خطيرة.. هل خطر الروس أقل من خطر المتمردين؟

تحاول الحكومة الآن انتزاع الهيمنة على تجارة الألماس من قبضة المتمردين، وبسط سيطرتها على البلاد وتوحيدها مرة أخرى، لذلك ولّت وجها تجاه شريكٍ جديد، هو: روسيا، بيدَ أن بعض المشرعين يخشون أن هذا التعاون يشكل مقايضة خطيرة قد تؤدي فقط إلى استبدال خطرٍ بآخر.

ويسرد التقرير بعض مظاهر التدخل الروسي؛ بدءًا من انتشار المرتزقة الروس في مختلف أنحاء البلاد لتدريب الجنود المحليين، مرورًا باختيار رئيس أفريقيا الوسطى جاسوسًا روسيًا سابقًا ليصبح مستشاره الأمني الأبرز، وليس انتهاء بتوسُّط الروس بين أمراء الحرب والحكومة لإجراء محادثات السلام، للمساعدة في إبرام اتفاق مع أكثر من 10 جماعات مسلحة لوقف القتال.

ويشير إلى أن حكومة أفريقيا الوسطى رحبت بالروس، وتراهن على أن الاستقرار سيُمَكّنها من بيع المزيد من الألماس بطريقة قانونية، واستخدام المال لإعادة بناء البلد.

Embed from Getty Images

وأوضح ألبرت يالوكي موكبيمي، المتحدث باسم رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى، هذه الرؤية بقوله: «كبَّدنا المتمردون في بلدنا الكثير.. ولم ينهض أحد لنجدتنا سوى روسيا»، وأضاف: «بمساعدة روسيا؛ سنتمكن من تأمين مناجم الألماس».

وهي وجهةُ نظرٍ تبناها أيضًا تاجر الألماس، عرب عرب قُصَي، الذي يدير أحدى أكبر منافذ البيع في البلاد، قائلًا وهو يشير إلى الألماس المنثور على مكتبه: «لا يمكننا السيطرة على كل شيء في هذا البلد».

أرباح روسيا.. والشوك الذي ستجنيه أفريقيا الوسطى

لكن المساعدة التي تقدمها موسكو لها ثمن، وقد عقد الممثلون الروس صفقات مع الحكومة للتنقيب عن الألماس في المناطق التي يُسمَح فيها بالتجارة بشكل قانوني، وهي إحدى الإشارات العديدة على أن التوغل الروسي في هذا البلد يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأرباح التي تستطيع أن تجنيها.

عقد العملاء الروس شراكة مع المتمردين الملطخة أياديهم بالدماء من أجل الحصول على الألماس من المناطق المحظور فيها التجارة، مستثمرين في الفوضى التي أسهموا في إطفاء جذوتها، وفقًا لأعضاء في حكومة أفريقيا الوسطى ومسؤولين غربيين وحتى بعض أمراء الحرب أنفسهم.

على نطاق أوسع، يشير الكاتب إلى أن المرتزقة الروس الذين يدربون القوات في أفريقيا الوسطى أثاروا قلق بعض المشرعين، فانتهاكات حقوق الإنسان شائعة في البلاد لدرجة أن الأمم المتحدة فرضت حظرًا على توريد الأسلحة إلى جنود أفريقيا الوسطى، ناهيك عن الاتهامات التي طالت أيضًا المدربين الروس، الذين تورطوا في اعتداءات شملت الاعتقال العشوائي للمارة الأبرياء.

وحول التداعيات المحتملة لهذا النهج، يقول حمدو أبو بكر كبيرو، عضو البرلمان: «لا أتوقف عن التفكير في نوع الجيش الذي سنمتلكه إذا كان الروس هم الذين يدربون جنودنا».

بصمات بريجوزين.. دور «رجل بوتين» في أفريقيا الوسطى

بحسب المراسلة ديون سيرسي، فالشخصية المركزية وراء التدخل الروسي -وفقًا للمسؤولين المحليين والغربيين- هو يفجيني بريجوزين؛ رجل الأعمال المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين، والذي اتهمته الولايات المتحدة العام الماضي بالمساعدة في تمويل «حرب معلوماتية» وعرقلة الانتخابات الأمريكية عام 2016.

هذا الدور الذي يلعبه السيد بريجوزين في أفريقيا الوسطى قرع أجراس إنذار دولية، وقُتل ثلاثة صحفيين روس العام الماضي في ظروف مريبة أثناء بحثهم عن علاقاته باستخراج الألماس والذهب.

بصمات السيد بريجوزين واضحة في قطاعات التعدين والأمن والخدمات اللوجستية التي تأسست في البلاد منذ عام 2017، وفقًا لمسؤولي المخابرات الأمريكية والدبلوماسيين الغربيين والمحللين الأمنيين الذين قدموا مستندات توثق علاقته ببعض الشركات، كما حضر السيد بريجوزين محادثات سلام مع المتمردين قبل عدة أشهر، وفقًا لأحد أمراء الحرب الحاضرين.

هذا الدور الذي يلعبه السيد بريجوزين في أفريقيا الوسطى قرع أجراس إنذار دولية، وقُتل ثلاثة صحفيين روس العام الماضي في ظروف مريبة أثناء بحثهم عن علاقاته باستخراج الألماس والذهب.

وبينما أعلنت حكومة أفريقيا الوسطى إجراء تحقيق في حوادث القتل، أنكرت روسيا تورطها، وورفض المتحدث باسم السيد بريجوزين الإجابة عن أسئلة حول التعدين الذي تقوم به الشركات أو العمليات الأمنية التي تتم داخل البلد.

القوة الناعمة.. تكتيكات موسكو لكسب العقول والقلوب

على غرار ما حدث في الانتخابات الأمريكية، تخوض روسيا المعركة من أجل السيطرة على أفريقيا الوسطى عبر وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وبينما يتدفق المرتزقة الروس المرتبطون بالسيد بريجوزين على البلد، تفيض صفحات التواصل الاجتماعي بمنشورات مؤيدة لروسيا، وصور لسكان محليين يرتدون قمصانًا مرسومًا عليها قلب أحمر ضخم وشعار «روسيا 2018».

كما ساعدت تكتيكات القوة الناعمة الأخرى الروس على بناء العلاقات، والتربح منها، وتعميقها. وقد ظهرت لوحات إعلانية حول العاصمة بانجي، تُظهِر صور الجنود المحليين وهم يقفون تحت العلم الروسي.

وقامت شركة تعدين مرتبطة بالسيد بريجوزين ببناء مستشفيات ومجازر، ورعت بطولة لكرة قدم، وعقدت مسابقة «ملكة جمال أفريقيا الوسطى»، وأنشأت محطة إذاعية تركز على روسيا، يصل مدى بثها لأبعد مما يبلغه الراديو الحكومي.

كما صنعت كارتونًا دعائيًا للأطفال، لدب روسي قوي يمخر عباب غابةٍ شتوية، ويقطع المسافات، لينقذ أصدقاءه المحاصرين في الدولة الأفريقية.

أول قمة روسية أفريقية.. ما الذي يطمح إليه الدب الروسي من القارة السمراء؟

مستغلة رحيل أمريكا وفرنسا.. روسيا تستثمر في نقاط الضعف الأفريقية

يتابع التقرير المُطَوَّل: في أوروبا والولايات المتحدة، استخدمت روسيا القرصنة الإلكترونية والمعلومات الخاطئة وغيرها من الاستراتيجيات لمحاولة اختراق الديمقراطيات الغربية وزعزعة استقرارها. لكن هنا في جمهورية أفريقيا الوسطى، كما يقول المحللون، يبدو أن لها هدفًا مختلفًا: تأكيد أهميتها العالمية، وجني المكافآت المالية.

وبعدما تراجعت الولايات المتحدة في أفريقيا، وسحبت قواتها، ولم يعد لديها أي جدول أعمال سياسي واسع النطاق، اندفعت روسيا بقوة إلى القارة، ووسعت نطاق تواجدها في الدول غير المستقرة التي تنعم بموارد طبيعية وفيرة.

طلبت عدة دول في أفريقيا جنوب الصحراء من روسيا المساعدة في تحقيق الأمن. وفي مايو (أيار)، أعلنت روسيا أنها سترسل خبراء أمنيين إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي غينيا، اختير سفير روسي سابق -غازل رئيس البلاد ودعم تعديلا دستوريا يسمح له بالترشح لولاية ثالثة- لإدارة شركة ألمنيوم روسية كبرى تعمل هناك.

ونقلت المراسلة عن جود ديفيرمونت، مدير برنامج أفريقيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قوله: «إنهم يجمعون الأصدقاء والحلفاء، ويجدون بيئات متساهلة لبيع بضاعتهم وكسب فرص تجارية.. إنهم يستغلون تراجع الولايات المتحدة لتقديم أنفسهم باعتبارهم قوة عالمية».

«الألماس الدموي».. تجارة مستمرة رغم الحظر الدولي

أشار التقرير إلى الدور الذي تلعبه منظمة «عملية كيمبرلي»، التي أنشئت في عام 2003 من أجل منع دخول الألماس من مناطق الصراع إلى سلسلة التوريد العالمية، وحرمان الجماعات المسلحة من التربُّح من تجارة «الألماس الدموي».

لكن تجارة الألماس غير المشروعة لا تزال تزدهر؛ حتى أن صحفيي «نيويورك تايمز» قابلوا رجلا في الشارع عرض عليهم بهدوء بيع الألماس، وفي أحد مراكز الشرطة القريبة، قام أحد الضباط، دون أن يستحثه أحد، بسحب منديل قال إنه يحتوي على ألماس. أوضح الضابط أنه استولى على الألماس من عمال المناجم غير القانونيين، لكنه استدرك: «هذا من أجل الدولة»، وأعاد الألماسات إلى جيبه، مردفًا: «وليس من أجلي».

وفي العام الماضي، أقال الرئيس فوستين السيد أرشانج تواديرا -أكبر مستشاريه- بعد تسريب فيديو يُظهِره وهو يستعرض أكوامًا من مئات الألماسات، ما أدى إلى اعتقاله، بحسب مسؤول حكومي.

الروس يسيطرون على التعدين والأمن والإعلام والبرلمان

في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، بعد عام من إعلان فرنسا عن اكتمال مهمتها لحفظ السلام وفك الارتباط عمومًا مع البلد، سافر رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى إلى سوتشي لطلب المساعدة من روسيا.

Embed from Getty Images

وبينما بقيت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في البلاد، كان جنود أفريقيا الوسطى ما زالوا ممنوعين من تلقي الأسلحة، وكان الرئيس يشكو علنًا من الفراغ الذي تركته فرنسا.

في وقت لاحق من ذلك الشهر، سُجِّلَت شركة «لوباي إنفست – Lobaye Invest» للتعدين في بانجي، وحذت حذوها شركة «سيوا – Sewa» للخدمات الأمنية بعد 13 يومًا فقط، حسبما تظهره بيانات تسجيل الشركتين. وكلاهما مرتبط بالسيد بريجوزين، وفقًا لمسؤولي المخابرات الأمريكية والدبلوماسيين الغربيين ومسؤول في حكومة وسط أفريقيا.

وفي ديسمبر 2017، ضغطت روسيا من أجل الحصول على إعفاء من حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، وتكللت ضغوطها بالنجاح. في الشهر التالي، أرسلت الحكومة الروسية خمسة عسكريين و170 مدربًا مدنيًا إلى العاصمة بانجي.

انضم موظفو شركة «سيوا» إلى الحرس الرئاسي، وبعد موجة من العنف أثارتها الجماعات المتمردة في عام 2018، عُيِّن فاليري زاخاروف، وهو مسؤول مخابرات روسي سابق، كبير المستشارين الأمنيين للرئيس تواديرا، وسرعان ما طلب الرئيس المزيد من المرتزقة الروس، الذين انتشروا في مراكز التدريب في جميع أنحاء البلاد.

مظاهر التدخل الروسي في الإعلام والبرلمان 

تكمل المراسلة رصد مظاهر التوغل الروسي قائلة: بدأ مسؤولو أفريقيا الوسطى توزيع صحيفة مجانية تحتوي على مقالات تعزز المصالح الروسية. وزار المسؤولون الروس أيضًا وسائل الإعلام المحلية، وعرضوا تقديم التدريب والمال والمعدات، وهو ما يفعله المسؤولون الفرنسيون والأمريكيون أيضًا.

لكن بعض الصحفيين الذين رفضوا المساعدة الروسية، كان مصيرهم الاعتقال، وفقًا لصابر جندوبي، وهو صحفي إذاعي سابق في بانجي يعيش الآن في فرنسا. وقال السيد جندوبي إن عملاء روسيين لاحقوه وصوروه عندما بدأ طرح أسئلة حول تدخل روسيا في الشؤون الإعلامية.

نما الدعم الروسي بين المشرعين كذلك، إذ جُمِعَ أعضاء البرلمان خارج العاصمة، وتلقوا رشاوى مقابل التصويت لصالح إقالة رئيس البرلمان، الذي كان يُنظَر إليه باعتباره ليس صديقًا للمصالح الروسية، وفقًا لأعضاء في البرلمان وسجل المدفوعات التي تلقاها النواب.

أمراء الحرب بجانب الرئيس تحت خيمة كبار الشخصيات

وأردف التقرير: بدأت شركة «لوباي» للتعدين، المرتبطة بالسيد بريجوزين، العمل في مناجم الألماس، داخل المساحة الصغيرة من البلاد التي يمكن تصدير الأحجار الكريمة منها بطريقة مشروعة، بحسب مسؤولين حكوميين. لكن دبلوماسيون قالوا إن السفير الروسي اشتكى من أن الأنشطة هناك لا تجلب الكثير من الأرباح.

في ذات الوقت تقريبًا، دفعت الشركة لجلب أمراء الحرب إلى طاولة محادثات السلام في السودان بين الجماعات المسلحة في وسط أفريقيا. وظهر السيد بريجوزين في الاجتماعات، أيضًا، وفقًا لأمير حرب كان حاضرًا. بعد ذلك، أرسل رئيس أفريقيا الوسطى خطاب شكر للسيد بوتين، موجه إلى «السيد الرئيس والصديق العزيز »؛ للمساعدة في تنظيم المناقشات، وفقًا لنسخة صادرة عن الأمم المتحدة.

في فبراير (شباط) 2019، وقعت أكثر من 12 مجموعة مسلحة اتفاقية سلام مع حكومة وسط أفريقيا، برعاية روسية. بموجب الاتفاق، الذي دعمته الأمم المتحدة، مُنِح أمراء الحرب المتهمين بارتكاب جرائم كاسحة مناصب حكومية على مستوى مجلس الوزراء.

وفي عيد العمال الماضي، جلس أمراء الحرب إلى جانب الرئيس تحت مظلة كبار الشخصيات. وقام الجنود الوطنيون المُقَنَّعون بدوريات في الشارع، ووقف المرتزقة الروس في مواقع الحراسة.

في حماية المرتزقة الروس.. صفقات الألماس تحت جنح الظلام 

يقدر المسؤولون الأمريكيون الآن عدد المرتزقة الروس بأكثر من 400، بعضهم يتواجد في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، حيث يمكن رصدهم وهم يركبون شاحنات صغيرة بيضاء ويشربون الخمر في الحانات المحلية ليلًا.

لم تفصح وزارة الخارجية الروسية عن كيفية نشر هذا العدد من المتعاقدين الروس في جمهورية أفريقيا الوسطى، لكنها أكدت على أنهم أُرسِلوا ليعملوا مدربين بموافقة الأمم المتحدة. وقالت الوزارة في بيان: «كثير منهم بدأ بالفعل في تنفيذ المهام المتعلقة بمكافحة المتمردين وحراسة المدنيين».

في اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في يونيو (حزيران)، أصر ألكسندر ريبكين، الممثل الروسي، على أن بلاده تأمل فقط «تطبيع الوضع، وليس لديها جدول أعمال خفي».

لكن تقرير النيويورك تايمز يتحدث عن عمليات تعدين روسية تم رصدها في المنطقة التي تعتبر فيها الأحجار الكريمة من «الألماس الدموي»، وفقًا للدبلوماسيين والمسؤولين المحليين واثنين من أمراء الحرب الذين تعمل مجموعاتهم هناك.

ونقل التقرير عن مسؤولين حكوميين قولهم إن هذه المناطق هي التي يُستَخرَج منها أوفر وأجود الأحجار الكريمة، التي تُهرَّب بانتظام عبر الكاميرون وتشاد والسودان.

وقال مسؤول حكومي سابق إن المرتزقة الروس يحلقون بطائرات خاصة، بالقرب من المناطق التي يدربون فيها الجنود المحليين، ويحمِّلونها بالألماس. كما ينقِّب المقاولون الروس عن الألماس بالقرب من الحدود مع السودان، وفقًا للمسؤولين المحليين وأمراء الحرب.

«إنهم ينجزون هذه الصفقات تحت جنح الظلام حين يسدل الليل أستاره»، كما يقول حسن بوبا، وهو أحد زعماء المتمردين الذي عين مؤخرا وزيرًا على مستوى الحكومة، بموجب اتفاق السلام، وكان شخصيًا مرتبطًا بتجارة الألماس غير القانونية.

القتل أو التشريد أو الاعتقال.. مصائر الرافضين للتدخل الروسي

قُتل الصحفيون الروس الثلاثة الذين كانوا يحققون في علاقة السيد بريجوزين بالتنقيب عن الذهب والألماس العام الماضي في منجم يُستخرَج منه مثل هذا «الألماس الدموي»، بالقرب من مدينة بامباري.

Embed from Getty Images

وتحت وطأة القتال المستعر بين الجماعات المتمردة بالقرب من تلك المنطقة، لجأ المزارعون إلى مخيمات متداعية، حيث لا يجد الناس سوى قمصان رثة، وفساتين خشنة، وسراويل ممزقة. وفي مدرسة للأيتام، يكتظ الفصل الواحد منها بأكثر من 200 طالب، كان الأطفال يتعلمون عبارات باللغة الفرنسية مكتوبة على السبورة: «أنا جائع» و«أنا عطشان».

حاول الرئيس تواديرا، زيارة بامباري لحضور احتفال هذا العام، على الرغم من تحذيرات المتمردين. لولا أن الأعيرة النارية انهمرت على رؤوس مسؤولي الحكومة ووحداتهم الأمنية، ما أفسد الرحلة.

في اليوم التالي، شن جيش أفريقيا الوسطى ومدربوهم من المرتزقة الروس حملة اعتقالات جماعية، واعتقلوا عشرات المسلمين الذين اشتبهوا في علاقتهم بالقتال، وفقًا لمسؤول في الأمم المتحدة.

ونقل التقرير عن صاحب متجر يبلغ من العمر 38 عامًا إن جنديًا محليًا اعتقله، واحتجزه في منشأة تدريب روسية قريبة. وعلى مدار أربعة أيام، قال إنه تعرض للتقييد والضرب المتكرر بأيدي عشرات الروس الذين يرتدون ملابس مدنية.

وعندما لم يعترف بأنه متمرد، قطع أحد الروس إصبعه. وفي مكان قريب، رأى رجلًا آخر، مقطوعا أصبعاه، ملقى في بركة من الدماء. ونبهت الأمم المتحدة حكومة أفريقيا الوسطى بشأن مزاعم «الاحتجاز والتعذيب» بأيدي «الأفراد من الجنسية الروسية».

أمراء الحرب أصبحوا مسؤولين حكوميين.. أنَّى تتحقق العدالة؟

رغم أن الأمم المتحدة قدمت وثائق تدعم المزاعم المتعلقة بالمسؤولين الحكوميين، وصفت وزارة الخارجية الروسية الاتهامات بأنها «وهمية». وقالت في بيان: «نقدم روسيا يد العون، بما يتوافق بصرامة مع القانون الدولي؛ لتحقيق تسوية دائمة للنزاع العنيف الذي طال أمده».

كما نفى المتحدث بالسيد بريجوزين هذه المزاعم. وقال في بيان: إن القوات الفرنسية، التي اتهمت هي الأخرى بارتكاب انتهاكات سابقًا، دفع لأحد المسلحين كي يكذب بشأنه تعرضه للتعذيب، واصفًا هذه المزاعم بأنها «حادثة خيالية تهدف إلى تشويه سمعة المواطنين الروس».

يكمل التقرير: حتى الآن، يبدو أن اتفاق السلام الذي توسطت روسيا لإبرامه لا يزال قائمًا. لكن العديد من ضحايا الفظائع السابقة يتساءلون عما إذا كانوا سوف يرون العدالة تتحقق، خصوصًا وأن أمراء الحرب أصبحوا الآن جزءًا من الحكومة، واندمج المقاتلون المتمردون في صفوف الجيش.

وختم التقرير بقول باسكوال سيرا، وهو فنان من بانجي انضم إلى احتفال أقامته عائلات الضحايا، رسموا خلاله دائرة بالطوب، لتمثيل أحبائهم المفقودين: «كما لو أن الموت أصبح ضيفًا مألوفًا هنا». لكن بعد مغادرة ذوو الضحايا، نقل المسؤولون الطوب بعيدًا.

«ستراتفور»: لتنافس أمريكا والصين.. هذه خطة روسيا لتقوية نفوذها في أفريقيا

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات