قال جانيس سارتس، مدير مركز الإعلام الاستراتيجي للتميز التابع للناتو في لاتفيا "إن هناك أدلة على أن روسيا تسعى للإطاحة بأنجيلا ميركل عن طريق شن حرب إعلامية تهدف إلى إثارة الغضب في ألمانيا حول قضية اللاجئين

«أعلم ولست أخمن أن سياسة بوتين ـ ببساطة ـ هي أن يكون له أعداء، ويقويهم، ويعمل على تدميرهم، وتأجيج الصراعات».

نشر الباحث «ماثيو دال سانتو» تقريرًا بمجلة «ذا نيشن» الأمريكية يعتبر أن أوروبا وأمريكا كانتا دائمًا راغبتين في تشكيل العالم طبقًا لرؤيتهما، لكن روسيا لا تفعل ذلك، لهذا يجدها الاتحاد الأوروبي شماعة مناسبة لتعليق أزماته عليها.

قال جانيس سارتس، مدير مركز الإعلام الاستراتيجي للتميز التابع للناتو في لاتفيا: «إن هناك أدلة على أن روسيا تسعى للإطاحة بأنجيلا ميركل عن طريق شن حرب إعلامية تهدف إلى إثارة الغضب في ألمانيا حول قضية اللاجئين، وذلك عبر إنشاء شبكة يمكن السيطرة عليها واستخدامها لتقويض العملية السياسية، وخلق زخم يقود إلى التغيير السياسي في ألمانيا». لكنه لم يُشر إلى ماهية الدليل.

لكن عدم وجود أدلة لم يكن كافيًا لمنع صحيفة الجارديان الأكثر قراءة في أوروبا من نقل تصريحات سارتس على أنها حقيقة لا جدال فيها، بأن موسكو تسعى لتغيير النظام في برلين.

يشير التقرير إلى أن جيمس كاردن قد تحدث مؤخرًا عن معاقل واشنطن القوية المقاومة للتقارب البراغماتي مع روسيا بشأن سوريا. كما يتسم نهج المحافظين الجدد في أوروبا بالتحريض على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي أيضًا.

الاتهام الموجه إلى روسيا فيما يخص ألمانيا هو أنها تحاول استغلال المعارضة الداخلية لسياسات الهجرة التي تتبعها ميركل عن طريق توجيه الأموال إلى أحد أحزاب المعارضة الألمانية الذي زاد عدد مناصريه «كما رأينا في نجاح الحزب المعارض في الانتخابات المحلية الأخيرة»، والاستياء المتصاعد تجاه ميركل.

ولكن إذا كانت الأدلة على تدفق هذه الأموال موجودة، فلمَ لا تجري مواجهة قيادة الحزب المعارض بذلك؟ فهذا ما حدث عندما تبين أن الجبهة الوطنية الفرنسية تلقت قرضًا يبلغ 9.4 مليون يورو من أحد البنوك الروسية في عام 2014.

لكن الهدف مما ذكره سارتس لم يكن إعلام الجمهور؛ وإنما إخافته. فهي خطوة أخرى في «حرب المعلومات» المشتركة التي يشنها كل من الناتو والاتحاد الأوروبي ضد روسيا.

يقول التقرير: «إن الأمر بلغ حدودًا مثيرةً للسخرية عندما قال الجنرال الأمريكي «فيليب بريد لاف»، القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي في أوروبا، قبل أسبوعين أمام لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ: (إن روسيا ونظام الأسد يسلحون اللاجئين عمدًا في محاولة لضرب استقرار أوروبا وكسر عزيمة الأوروبيين)».

كانت تلك المزاعم بمنزلة ترديد لما صرح به «دونالد تاسك»، رئيس المجلس الأوروبي ورئيس وزراء بولندا السابق، قبل ستة أشهر. كشف تاسك افتقاره للواقعية وعداءه تجاه روسيا في أول مقابلة له كرئيس للمجلس الأوروبي، عندما قال للصحفيين: «أعلم ولست أخمن أن سياسة بوتين ببساطة هي أن ينشئ أعداءً، ويقويهم، ويعمل على تدميرهم، ويؤجج الصراعات».

يقول التقرير: إن الحديث عن تسليح وتغيير النظام يحمل بصمات استراتيجية تهدف إلى نقل المسئولية عن أزمة اللاجئين في أوروبا من أكتاف قيادة الاتحاد الأوروبي التي أثبتت عجزها عن وقف تدفق المهاجرين، إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

في قمة مجموعة العشرين الذي عُقدت في نوفمبر الماضي في أنطاليا بتركيا، أدان مسئولون أوروبيون نشر روسيا لقواتها الجوية في سوريا، مدعين أن هذا من شأنه أن يؤدي إلى موجة جديدة من اللاجئين. وأن لديهم بعض الإشارات التي تدل على ذلك (كان ذلك قبل وقوع هجمات باريس بأيام فقط).

عندما بدأت الحملة الجوية الروسية يوم 30 سبتمبر أيلول في سوريا، كان تدفق المهاجرين قد أثقل كاهل دول، مثل اليونان منذ فترة طويلة. في الواقع، ربما يتبين أن الدعم العسكري الروسي لقوات الحكومة في سوريا قد لعب دورًا حاسمًا في وقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا على المدى الطويل. وبعد أن زال خطر احتمال سقوط دمشق بيد داعش في الخريف الماضي، وضعت روسيا الأساس لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي من المؤمل أن يكون بداية الحل السياسي الذي طال انتظاره لهذا النزاع. وقد سمح هذا لموسكو إعلان انسحاب معظم قواتها.

إن الادعاء بأن الكرملين يقف وراء كل العلل التي تصيب الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة أصبح شائعًا. كان الحديث السائد قبل عام، هو أن موسكو تحاول استدراج الحكومات اليونانية والقبرصية المثقلة بالديون لكسر ارتباطها مع شركائها الأوروبيين ودول حلف شمال الأطلسي. إن سياسات التقشف التي فرضها شركاء اليونان في الاتحاد الأوروبي خلقت ظروف الكساد الذي لم يُر له مثيل منذ الثلاثينيات، إلا أن انفتاح أثينا على موسكو تحول بطريقة ما إلى تملق لموسكو.

إلا أن معظم القادة الأوروبيين يلتزمون الصمت أمام الأسباب الأعمق لطوفان اللاجئين، وهو فشل الدول، مثل أفغانستان والعراق بعد أكثر من عقد من حروب الغرب الخاطئة.

يقول التقرير: «إن أزمة المهاجرين أصبحت رمزًا لعدم قدرة الاتحاد الأوروبي على ضمان سلامة وأمن مواطنيه، حتى بعد اتفاقه الأخير مع تركيا، يبدو أن تدفق اللاجئين مستمر».

إن حرب المعلومات التي يشنها كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي تعفيهما من المسئولية عن ذلك، وتخلق الانطباع بأن روسيا قد تسببت في تدفق اللاجئين من الشرق الأوسط لتقسيم الاتحاد الأوروبي كخطوة نحو إحياء إمبراطوريتها القديمة في أوروبا الشرقية، حيث تعد أوكرانيا أول حجر في تلك الأحجية.

وينطبق الشيء نفسه على الأحداث في أوكرانيا. فقد صممت بروكسل على جر هذا البلد إلى اتفاقية شراكة أدت في النهاية إلى ثورة مسلحة في العاصمة وحرب أهلية في البلاد. ولكن الاتحاد الأوروبي لم يعترف قط بأي جزء من المسئولية عن هذه المأساة. فاختيار أوكرانيا الانضمام إلى أوروبا، الذي كلف حتى الآن نحو 5000 شخص ومليارات الدولارات من الأضرار في دونباس وتسبب في انخفاض كبير في مستويات المعيشة في جميع أنحاء البلاد، هو خطأ موسكو الشريرة وحدها.

في الواقع، جاء الدافع وراء تودد الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا وغيرها من الجمهوريات السوفيتية السابقة من بولندا، وذلك عبر ما سمي مجازًا بالشراكة الشرقية، والغرض منه، مثلما أقرت وثيقة مسربة من الولايات المتحدة في 2008 بما سمته عقيدة «سيكورسكي» التي قد تؤجج رد فعل روسي حاد، هو مواجهة النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية. على الرغم من أن روسيا سترحب رسميًا بالمشاركة في الشراكة التي ستكون عمليًا موجهةً ضدها.

يجري اتهام موسكو اليوم بالقصف المتعمد للمناطق السكنية في حلب لإجبار السكان على الفرار إلى تركيا، ومن ثم إلى أوروبا بهدف كسر وحدة الاتحاد الأوروبي وتقديم مساعدات غير محددة للأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، وهو هدف أساسي لإثارة وجهات النظر المتشككة في أوروبا لشل الاتحاد الأوروبي، إن لم يكن الخروج عنه.

يشير التقرير إلى أن كلاً من «أنجيلا ميركل» و«ديفيد كاميرون» قد دعما تلك المقامرة غير المحسوبة العواقب، وذلك عبر إطلاق تصريحات معادية لروسيا كالتي أطلقها تاسك.

يبدو أن هذا النهج قد أساء فهم المزاج المحافظ للقيادة الروسية والواقع السياسي الخارجي. فعلى عكس الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا تسعى روسيا إلى إعادة تشكيل العالم وفقًا لتصوراتها.

في الأمم المتحدة في سبتمبر أيلول الماضي، أدان الرئيس بوتين الحملات العسكرية الغربية في أفغانستان والعراق وليبيا، وسوريا، التي غالبا ما يجري تبريرها باسم تعزيز الديمقراطية. وقد أدت هذه الحملات إلى إجبار الناس على مغادرة أوطانهم نحو أوروبا.

على أسس واقعية، تعارض روسيا سياسات الاتحاد الأوروبي في أوروبا الشرقية التي تحاول استبعادها من منطقة ذات أهمية لا مثيل لها من النواحي التاريخية والثقافية والدينية والاقتصادية والاستراتيجية.

لمَ لا يعتبر واقعيًا أن موسكو تعمل على تسليح اللاجئين أو تسعى الى إسقاط حكومة ميركل؟ لقد ثبت في الواقع أن ميركل على استعداد لدعم اتفاقات مينسك. ومن ناحية أخرى، إذا كان الكرملين يقوم بتمويل الأحزاب المعارضة لميركل، فإن هذا من شأنه أن يمثل انتقال روسيا إلى استخدام ممارسات الحكومات الغربية في دعم المعارضة الروسية.

تأمل روسيا برفع عقوبات الاتحاد الأوروبي. ولكن هذا لا يعني أن بوتين يسعى للتخريب، ناهيك عن تدمير الاتحاد الأوروبي كمنطقة تجارة أو مشروع للسلام. إذا انهارت وحدة الاتحاد الأوروبي بسبب أزمات اللاجئين، واليورو، وأوكرانيا، أو العقوبات، سيكون على خلفية التناقضات التي تضرب تلك المنظمة والمصالح المتضاربة للأعضاء.

في عالم مثالي، سيتبنى زعماء الاتحاد الأوروبي مثل «تاسك» المسئولية عن عواقب تهديد مجموعة مشاريع الاتحاد الأوروبي الطموحة بشكل متزايد، بما في ذلك اتفاقية الشراكة الأوروبية.

يقول التقرير: «إن العداء تجاه الحكومات الوطنية والبيروقراطية العابرة للحدود الوطنية في الاتحاد الأوروبي آخذ في الارتفاع في العديد من البلدان الأوروبية، ولكن ذلك يحدث بشكل مستقل عن روسيا، التي جرى التضحية بها (مرة أخرى) ككبش فداء لإخفاقات أوروبا».

تشمل تلك الإخفاقات شعورًا واسع النطاق بانسداد في الحياة السياسية الوطنية، وغياب الواقعية في تصور الاتحاد الأوروبي وممارسته للسياسة الدولية. فكيف أصبحت العلاقات الخارجية لـ28 من أعضاء الاتحاد الأوروبي، والسلام في أوروبا، رهينة للطموحات الجيوسياسية لبولندا؟

خلص الأوروبيون بمختلف توجهاتهم إلى أن تنشيط الحياة السياسية الديمقراطية في أوروبا يتطلب، ليس تقوية الوحدة بين دول الاتحاد، ولكن انعاش الدول القومية بروح الولاء لدى المواطنين والمشاركة المدنية. تتقاطع شكاوى روسيا مع هذه المشاعر، ولكن يجري الادعاء زورًا بأنها السبب في تلك الشكاوى.

في أوائل شهر مارس/آذار الجاري، صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قائلاً: «لا يؤكد التاريخ الاعتقاد السائد بأن روسيا تتخفى دائما في الفناء الخلفي لأوروبا، وأنها دخيلة على سياسة أوروبا». وهو على حق. فعلى مدى قرون، كانت روسيا جزءً أساسيًا من التوازن الأوروبي، ومركزًا للثقافة الأوروبية، ولا يمكن استبعادها من أوروبا إلى الأبد. بمعنى آخر: الحرب الباردة الجديدة هي صراع أوروبي، ليس لتدمير أوروبا، ولكن لإعادة اكتشافها».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد