ليس من الصعب تخمين موقف الكرملين الروسي من الضربة الأمريكية الأخيرة ضدّ القاعدة الجوية السورية. تبيّن للروس أن إدارة ترامب تسير على نهج الحكومات الأمريكية السابقة؛ تتخذ حقوق الإنسان ذريعة للالتفاف حول الأمم المتّحدة وتتدخل مباشرة في شؤون الحكومات الأخرى، الشرعية كما يراها الروس بالطبع، لتزرع بذور الفوضى. بل إن سوريا تتفرّد بتواجدٍ عسكريٍ روسيٍ ضخمٍ على أراضيها.

ماريا زاخاروفا، المتحدثّة باسم وزارة الخارجية الروسية، احتجّت على عدم سعي إدارة ترامب للتيقّن من المسؤولين عن هجمات غاز السارين، وأنّها الآن تُهاجم بلدًا حارب «الإرهاب العالمي» سعيًا لـ«إثبات جدارته». وأعلنت وزارة الدفاع الروسية عن أنّ مذكّرة التفاهم بين واشنطن وموسكو حول سوريا صارت محلّ خلافٍ الآن.

لكن الأمر لم يبدُ صراعًا حقيقيًا بقدر ما بدا تكرارًا مترهلًا للمشادة المعتادة بين واشنطن وموسكو على ما تبقى من سوريا. برغم احتجاجاتها، ابتعدت وزارة الدفاع الروسية عن الطريق عندما أبلغها البنتاجون بالهجوم من خلال قنوات التنسيق بينهما. وفي اليوم السابق للهجوم، أشار المتحدّث الرسمي باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أن موسكو سئمت تمرّد الحكومة السورية، قبل أن يؤكد على الحاجة إلى تحقيقٍ شامل – أي طويل – في الهجوم الكيميائي، وعلى أنّ موسكو لا تُسيطر بشكلٍ كامل على الأسد.

اقرأ أيضًا: ترامب يضرب الأسد على خطى «فرانك أندروود».. 5 أسئلة تشرح لك كل شيء

حتى دفاع موسكو عن الأسد هذه المرة يبدو ضعيفًا. يدفع الروس بأن قوات الأسد الجوية لم تقصف الضحايا بغاز السارين، وإنما قصفت مخزنًا مملوكًا للثوار احتوى على غاز السارين. بينما في أغسطس (آب) 2013، زعمت موسكو أن العملية نفذها الثوار أنفسهم بهدف جر الولايات المتحدة إلى القتال إلى جانبهم.

من أين نشأ هذا الاختلاف بين الموقفين؟ تقول «جوليا يوف» في تقريرها بصحيفة «ذا أتلانتك» إن موسكو قبل ثلاثة أعوام ونصف قدّمت مقترحًا بارعًا سمح للجميع بحفظ ماء وجهه، يقتضي تسليم الأسد أسلحته الكيميائية إلى تحالفٍ دولي. هكذا لا يضطر الرئيس السابق أوباما إلى التدخّل في الحرب الفوضوية مكتفيًا بالتخلص من أسلحة الأسد الكيميائية. ولا يضطر الأسد إلى الانسحاق تحت وطأة القوات الجوية الأمريكية، ليستمر هو في سحق المدنيين بكل الوسائل الممكنة.

والأهم أن روسيا ترى أن تلك الصفقة سمحت لها بتصوير نفسها على الساحة العالمية في صورة اللاعب الدولي الناضج المسؤول، الذي لا يُسارع إلى الضغط على الزناد مثل الولايات المتّحدة، وإنما يحاول الوصول إلى حلولٍ متحضرة للمشاكل المعقدة.

لكن بوتين رسم خطوطه الحمراء فوق خطوط أوباما. وبإعطائه إذن محاربة شعبه بأية وسيلة ممكنة فيما عدا الأسلحة الكيميائية، فإنّه أعطى الأسد غطاءً عسكريًا ودبلوماسيًا لم يُفلح بعد ثلاثة أعوام إلا في تقوية شوكته، خاصة بعد استعادة السيطرة على حلب والمناطق الأخرى. وإن كان يُمكن للأسد قصف قوافل الإغاثة، وتجويع المدن حتى الاستسلام، واستخدام التعذيب والبراميل المتفجرة على نطاقٍ واسع، وحتى غاز الكلورين الذي لم يرِد اتفاق 2013 على ذكره، فلِمَ لا يحق له استخدام القليل من غاز السارين الذي أخفاه عن الجهات الدولية، أو ابتاعه من الخارج، أو أعاد تصنيعه؟

الآن، لا يُمكن لروسيا فعل الكثير للحفاظ على ماء الوجه. بعد كل الجهود التي بذلتها، أدّى الاستخدام الأخير لغاز السارين إلى الطعن في تلك الجهود بعدم الكفاية أو التصنّع والخداع. وفي الوقت نفسه، لا يُمكن لروسيا أن تسمح لواشنطن بتجاهل الجيش الروسي وبوتين، والتعدّي منفردة على مفاهيم السيادة الوطنية التي أنفقت روسيا الكثير من الوقت والمال والدماء الروسية دفاعًا عنها في سوريا.

يتعيّن الآن على موسكو إدانة الهجمات الأمريكية بما يكفي للحفاظ على مكانتها باعتبارها مدافعًا عن مجلس الأمن والقانون الدولي، وبصفتها قوة عسكرية دولية كُبرى – لكن عليها في الوقت نفسه ألا تبدو متسامحة مع قصف الأطفال بالغاز، والأهم، ألا تتسامح مع خرق القانون الدولي الذي يحظر استخدام الأسلحة الكيميائية، والذي ساهمت روسيا في فرضه عام 2013.

المُشكلة، تقول «جوليا»، إن هذا كله كان متوقعًا. حين ساعدت روسيا الرئيس أوباما في تأجيل مشكلة الأسلحة الكيميائية، فإنّها قوّت شوكة الأسد ودفعته إلى التمادي إلى حدٍ لا يُمكن للمجتمع الدولي معه إبداء المزيد من التسامح تجاهه، أو تجاه روسيا التي حرّكت هذا المجتمع الدولي قبل ثلاثة أعوامٍ ونصف العام. وربّما هذا درسٌ يستفيد منه أولئك الذين يرفعون بوتين إلى مكانة الشرير أمير الدهاء الذي يُراوغ الولايات المتّحدة في سوريا. بوتين مناور عبقري بالتأكيد، لكن الوقت لا يعمل دائمًا في صالحه.

بعبارةٍ أخرى، عندما تُقرر أن تُصبح ضامنًا لأحدهم، ستدفع فاتورة أفعاله في وقتٍ ما.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد