مع تصاعد حِدّة التوترات بين روسيا والغرب، فإن التودد الروسي لتركيا يثير قلق ضفّتي المحيط الأطلسي.

ناقش تقرير لمجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية، للكاتبين أيكان إردمير -عضو البرلمان التركي سابقًا- وجون ليشنر، خطة روسيا لجذب تركيا إلى صفها، وفرض نفوذها عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا. وألقى الكاتب الضوء على نجاح الخطة في التأثير على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وفي تغيير نظرة الأتراك إلى روسيا.

في 19 يونيو (حزيران) الماضي، اعتقلت السلطات الروسية «كارينا تسوركان» بتهمة التجسس وهي عضوة مجلس إدارة محطة أكويو الكهروذرية. بعد ذلك بيومين، في 21 من الشهر ذاته، كشف صحفي تركي، مستخدمًا وثائق مسربة من قِبَل نفس المؤسسة التي سرّبت وثائق بنما، عن صفقة قيمتها 15 مليون دولار شملت تضاربًا في المصالح بين عملاق الإنشاءات التركي محمد جنكيز وشركة استشارات أجنبية مقرها جزر فيرجن البريطانية. كان رئيس هذه الشركة هو الروسي-الأذري فؤاد أخوندوف الرئيس التنفيذي السابق لشركة أكويو وعضو مجلس إدارتها حتى فبراير (شباط) الماضي. وكان جنكيز أحد المزايدين لشراء حصة ملكية في أكويو، في صفقة انتهت بالفشل العام الماضي.

«حرب هجينة»

مع تصاعد حِدّة التوترات بين روسيا والغرب، فإن التودد الروسي لتركيا يثير قلق ضفّتي المحيط الأطلسي، فقد صرّحت السفيرة الأمريكية لدى الناتو كاي بيلي هوتشيسون، يوم 8 يوليو (تموز) الماضي، بأن روسيا تحاول قلب ولاء تركيا من خلال بيعها نظام الدفاع الجوي «S-400» لتركيا، وصفقات الطاقة المُوقَّعة بينهما.

أشار التقرير إلى أن هذه الصفقات بين البلدين، على الرغم من أهميتها، تبدو أنها تحجب الضوء عن حملة روسية أكثر هدوءًا، لكنها لا تقل أهميةً، لجذب مجتمع الأعمال التركي النافذ. وقد ألقت الفضائح التي لحقت بمجلس إدارة محطة أكويو النووية الضوء على محاولات روسية للتأثير على أردوغان ومستشاريه من خلال القطاع الخاص المحلي، فيما يبدو بناءً تدريجيًا لقدرة حرب هجينة ضد عضو أساسيّ في الناتو.

يعبر مصطلح «حرب هجينة» عن الاستراتيجية الروسية التي تتضمن استغلال الموارد الاقتصادية والسياسية والمالية والخفية والعسكرية لتحقيق أجندة سياستها الخارجية في دول الاتحاد السوفييتي سابقًا والغرب. وتستخدم موسكو الموارد الاقتصادية والشركات الروسية للتأثير على وسطاء السلطة الرئيسيين في البلد المستهدف، وكثيرًا ما يضغطون للإبقاء على اعتماد البلد –أو زيادته- على الطاقة الروسية. من الأساليب التي يستخدمها الكرملين باستمرار، جذب الشركات الروسية لرجال الأعمال وصانعي القرار في البلد المستهدف من خلال صفقات تجارية مربحة ومناصب عليا في مجالس إدارتها، كل ذلك من خلال عمليات غير شفافة، وفاسدة على الأغلب، بحسب ما أوردته «ناشيونال إنترست».

جهود مثمرة

في تركيا، التي خاضت العديد من الحروب ضد روسيا خلال القرنين الماضيين، يتوقع المرء أن تنعدم ثقة الشعب في روسيا ونفوذها المُحتمَل في السياسة التركية. لذلك، بذل الكرملين جهودًا كبيرة لكسب النفوذ، ليس من خلال الدعاية المصممة بدِقة فحسب، لكن من خلال العقود بين الشركات من البلدين، مثل شركة روساتوم الحكومية الروسية للطاقة النووية التي تتولى مشروع محطة أكويو.

نموذج لمحطة أكويو، المُتوقَع أن تمد تركيا بـ10% من احتياجها من الطاقة

يبدو أن هذه الجهود تؤتي بثمارها، فقد أظهر استطلاع رأي أُجري في عام 2017 أن أكثر من 70% من المواطنين الأتراك فضّلوا تحالفا سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا مع روسيا.

تعد محطة أكويو أحد المشروعات العملاقة التي ينفذها أردوغان، واستشهد بها في وسائل الإعلام باعتبارها عاملًا رئيسيًّا لبناء الثقة في العلاقات التركية الروسية. سيكون المشروع البالغ تكلفته 20 مليار دولار هو أول مفاعل نووي تركي، ويُتوقع أن يمد البلاد بنحو 10% من احتياجها من الطاقة.

وباعتباره جزءًا من الاتفاقية المشتركة، قدمت شركة روساتوم الروسية التمويل لمحطة أكويو مقابل حصة تبلغ 51%. ويرى منتقدو المشروع أن تركيا يجب أن تسعى إلى تنويع مصادر استيرادها للطاقة، وليس مضاعفتها، إذ إن روسيا تُعدّ أكبر مورد للغاز الطبيعي وثالث أكبر مورد للنفط لتركيا.

اختيار بدقة

وراء الكواليس، تطلبت الطبيعة الحساسة لمشروع أكويو موافقة الحكومة الروسية على أعضاء مجلس الإدارة، ويُفترَض أن الحكومة الروسية أرادت تعيين مجلس الإدارة يدرك التبعات السياسية للمشروع.

مع تطور قضية التجسس ضد تسوركان، ألقت التفاصيل المتعلقة بماضيها الضوء على دوافع روسيا لتعيينها في مجلس إدارة أكويو، إذ تُظهِر سيرتها الذاتية أنه يمكن لمديري الأعمال أن يتصرفوا باعتبارهم وُكلاء للدبلوماسيين، وأن يشتركوا في نشاطات تفضل القنوات الرسمية البقاء بعيدًا عنها.

تشير أدلة إلى وجود روابط لكارينا تسوركان، وهي محامية بالتدريب، مع شركة «Dubossarskaya GES» وهي شركة طاقة في جمهورية بريدنيستروفيه المولدوفية «ترانسنيستريا» والتي انفصلت عن مولدوفا في عام 1992 وظلت مستقلة منذ ذلك الحين، على الرغم من وقوعها تحت السيطرة الروسية فعليًا مع تواجد مكثف لقوات «حفظ السلام» الروسية.

اشترى عملاق الكهرباء الروسي «Inter RAO» شركة Dubossarskaya GES في عام 2005، والتي لا تزال تمد مولدوفا بـ70% من احتياجها من الكهرباء، مما يمنح ترانسنيستريا نفوذًا على مولدوفا. ويبدو أن شركة Inter RAO قد قامت بتعيين تسوركان دخول الشركة إلى السوق المولدوفي، والتي ترقّت تدريجيًا حتى إقالتها من منصب عضوة مجلس إدارة ورئيسة الكتلة التجارية بعد تسعة أيام من إلقاء القبض عليها.

وفي شبه جزيرة القرم وجمهورية دونباس، لعبت تسوركان دورًا مشابهًا لدورها في مولدوفا، إذ يعتبر إمداد الكهرباء سلاحًا فعالًا لدى روسيا ضد أوكرانيا. لذلك، فإن اهتمام حلف الناتو والمخابرات الرومانية بالمعلومات التي امتلكتها تسوركان لا يبدو غريبًا.

تم استبدال تسوركان في منصبها في مجلس إدارة أكويو بمستشار أردوغان السابق والذي يحظى بثقته حسن جنيد زابسو. يُعد زابسو وعملاق الإنشاءات محمد جنكيز –الذي حاول الحصول على خدمات استشارية من الرئيس التنفيذي السابق لشركة أكويو بينما كان يحاول أن يصبح شريكًا في المشروع- من المقربين للغاية من أردوغان، وكلاهما يقدمان قنوات فعالة لروسيا للوصول لحاكم تركيا الأوحد. والأهم من ذلك، بالنظر إلى المخاطرة في العقود والمبالغ الضخمة التي تقدمها روسيا، فإن مشاركة المقربين من أردوغان في مشاريع الطاقة بالتعاون مع روسيا تعد فعالة لاستراتيجية روسيا للحرب الهجينة.

مع زيادة اعتماد تركيا على روسيا في مجال الطاقة، ووضع روسيا المقربين من أردوغان في جيبها يبدو أن الكرملين قد حقق فوزين في مشروع أكويو. وفي ظل تزايد الدعوات في واشنطن لفرض عقوبات على تركيا لشراء نظام الدفاع الجوي S-400 روسيّ الصنع، فإن هذا يُثبت قيمة تأثير روسيا في تركيا أكثر من أي وقت مضى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد