1,598

ما زالت أصداء محاولة اغتيال ضابط الاستخبارات الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته في لندن تتردد بشدة وتنذر بأزمة دبلوماسية بين بريطانيا وروسيا.

وتناول تقرير في صحيفة «واشنطن بوست» للكاتب كالدر والتون، المتخصص في شئون الاستخبارات، الحادثة بالتحليل مؤكدًا على أن روسيا تمتلك سجلًا طويلًا لاغتيال من تصنفهم أعداءً لها.

كانت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي قد أعلنت أن روسيا على الأرجح هي المنفذة لمحاولة الاغتيال. وكان سكريبال يعمل عميلًا مزدوجًا لصالح الاستخبارات البريطانية لمدة 10 سنوات، لكن السلطات الروسية اكتشفت أمره في عام 2006، وفي 2010 جرت عملية لتبادل السجناء بين لندن وموسكو.

حكاية جاسوسية مثيرة

بدا الهجوم الكيميائي المعقد الذي تعرض له سكريبال مألوفًا للغاية – يؤكد والتون – ففي 2006 توفي ضابط استخبارات روسي معارض عبر البلوتونيوم المشع. وبالمثل أشارت التحقيقات البريطانية حينها إلى أن الاغتيال جرى باستخدام قاتل مأجور روسي، وبموافقة شخصية من بوتين.

ويؤكد والتون أن عمليات الاغتيال الروسية تعود إلى قرن من الزمان؛ فقد عملت روسيا على إرهاب المعارضين السياسيين باغتيال بعضهم بطرق وحشية. ويشير والتون إلى أنه قد أجرى تحقيقًا عن العمليات الروسية السرية خلال حقبة الحرب الباردة، واكتشف أن القادة السوفيت اهتموا بشدة بالقضاء على «الخونة».

السيف والدرع

منذ الثورة البلشفية في عام 1917 – يضيف والتون – باتت الشرطة السرية هي «السيف والدرع» الذي يبطش بهما الحزب الشيوعي بأعداء الأمة. وقد ارتكبت الشرطة السرية فظائع مروعة، لاسيما في الحقبة الستالينية، حيث لقي مئات الآلاف مصرعهم رميًا بالرصاص فيما عُرف بحقبة «الإرهاب العظيم».

ثم يسرد والتون ثلاثة أمثلة على الكيفية التي قضت بها روسيا على أعدائها:

1. اغتيال عدو ما

«أرسل له ميركادار»، بهذه الجملة تبدأ عمليات قتل المعارضين في روسيا – يواصل والتون كلامه. يرجع تاريخ الجملة إلى الحقبة الستالينية، عندما سعت الاستخبارات الروسية إلى اغتيال «الشيوعي المهرطق» ليون تروتسكي، الذي اعتبره ستالين خطرًا يفوق خطر النازية.

تتبعت الاستخبارات الروسية تروتسكي في منفاه بالمكسيك، وأرسلت خلفه قاتلًا مأجورًا من ليتوانيا، لكنه فشل في إنجاز المهمة. لم يستسلم السوفيت؛ فأرسلوا عميلًا آخر – رامون ميركادار – ظل يلاحق تروتسكي لشهور، حتى تمكن أخيرًا من قتله في عام 1940، لكن السلطات المكسيكية ألقت القبض عليه وسجنته. وبعد إطلاق سراحه في عام 1960، جرى تكريمه على أنه «بطل الاتحاد السوفيتي».

2. إسكات المعارضين

لم تقتصر أساليب القتل السوفيتية على استخدام الرصاص – يقول والتون. ففي ثلاثينات القرن الماضي، أنشأت الاستخبارات السوفيتية وحدة سرية «الكاميرا» كانت مهمتها تطوير سموم قاتلة.

وكان أحد ابتكاراتها «جِل» يوضع على جلد الضحية؛ فيتسبب له في أزمة قلبية. وقد حاولت الاستخبارات السوفيتية اغتيال الكاتب المعارض ألكسندر سولزنتساين باستخدام هذا الجل القاتل، لكنه أصيب بمرض شديد، ولم يمت.

3. المسدس السام والمظلة

في أوائل الستينات كشف عميل منشق عن الاستخبارات الروسية عن أن موسكو ابتكرت مسدسًا سامًا لاغتيال المعارضين. وفي عام 1978 تعاونت الاستخبارات الروسية مع نظيرتها البلغارية لاغتيال الكاتب المسرحي البلغاري المعارض للشيوعية جيورجي ماركوف، الذي كان يعيش في لندن أيضًا.

وقد صممت الاستخبارات السوفيتية سلاحًا خاصًا للمهمة – يكشف والتون – وكان عبارة عن مظلة تطلق كرة سامة. وقد جُرب السلاح على شخص محكوم عليه بالإعدام. تتبع قاتل مأجور ماركوف على جسر في لندن، وأطلق المقذوف المحمل بالسارين عليه، فمات بعد أربعة أيام من العذاب.

ترسانة بوتين تشتمل على «تدابير نشطة»

تتحدث تقارير عديدة عن أن روسيا لديها ما يُعرف بالتدابير النشطة، وهي أنشطة هدفها التأثير على الأحداث السياسية في العالم، من بينها ما يُشاع عن التدخل الروسي في السباق الرئاسي الأخير في الولايات المتحدة. ويمتد نشاطها إلى خارج نطاق السياسة؛ ليشمل القضاء على المعارضين، سواءً بالرصاص أو دس السُم.

ويرى والتون أن اهتمام الكرملين بمثل هذه الأنشطة ليس غريبًا، فقد بدأ بوتين حياته كعميل للاستخبارات السوفيتية. ويبدو أن أساليب الحرب الباردة ما تزال مستخدمة من قبل موسكو إلى يومنا هذا، بل قد أصدرت روسيا قانونًا يتيح لها قتل «المتشددين» خارج نطاق القانون.

ازدادت عمليات تصفية المعارضين لبوتين في ظروف غامضة في السنوات الأخيرة – يواصل والتون كلامه – وتراوحت بين دس السُم والقتل بالرصاص، وعلى الرغم من الاتهام البريطاني الأخير إلى موسكو بخصوص استهداف سكريبال، فما من دليل على أن الأمر تم بمباركة الكرملين.

بيد أن عملاء الاستخبارات الذين يستخدمون أساليب التسميم في القتل يخضعون إلى سيطرة سلطة أعلى على الأرجح، حيث يجري التحكم في استخدامهم المادة السامة في دولة خارجية عبر عملية بالغة التعقيد. ويرى والتون في الختام أن الانتقام من تعاون سكريبال مع جهاز الاستخبارات البريطاني، هو سبب كافٍ لترجيح فرضية وقوف موسكو وراء الحادث، وهذا ما سيتكشف في الأيام المقبلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك